ابن غزة يشتمّ رائحتها في شوارع بيروت
سلسلة فوتوغرافيّات تصوّر مفاتيح منازل الغزّيين، تلك المفاتيح التي نعلم أنّ الفلسطيني لا يتخلى عنها أبداً. السلسلة، المعروضة حالياً في غاليري «صفير زملر» تحت عنوان «فقط في حال»، تحمل توقيع الفنّان الفلسطيني تيسير البطنيجي


سلسلة فوتوغرافيّات تصوّر مفاتيح منازل الغزّيين، تلك المفاتيح التي نعلم أنّ الفلسطيني لا يتخلى عنها أبداً. السلسلة، المعروضة حالياً في غاليري «صفير زملر» تحت عنوان «فقط في حال»، تحمل توقيع الفنّان الفلسطيني تيسير البطنيجي
قد تكتسب هذه السلسلة أهميتها من نواحٍ عدّة. بعيداً من الرمز الذي يحمله المفتاح الفلسطيني ودلالته على العودة المحتومة، قد يراها بعضهم عملاً مفاهيمياً بطابع «فنّ البوب»، فهي لا تمثل المفتاح الفلسطيني التقليدي الذي ترسّخ في ذاكرتنا الجماعيّة، بل تعرض مفاتيح تحمل سلاسلها وحلقاتها صوراً وتماثيل صغيرة لشخصيّات كرتونيّة معروفة ومسلسلات رائجة. كما تزيَّن بعضها بأعمال تطريزية صغيرة الحجم أو قطع من الستانلس حُفرت عليها أسماء الأحبة.
يرى آخرون أنّ أهمية هذه السلسلة تكمن في توثيقها لتاريخ شكل المفتاح الذي تغيّر مع الزمن. لكن القيمة الأعمق لهذه السلسلة، مثل كل الأعمال السابقة أو اللاحقة التي تناولت المعاناة الفلسطينية وحملت توقيع البطنيجي، تكمن في أنّ منجزها ليس أوروبياً أو أميركياً أو حتى عربياً غير فلسطيني رأى في المعاناة الفلسطينية جمالاً قابلاً للتحوّل إلى فنّ، بل هو منجز غزّاويّ. الفنان نفسه عاش المعاناة الفلسطينية، وهذه المفاتيح، المعروضة بأسلوب بسيط على الحائط الأبيض، تعود في غالبيتها إلى أفراد من عائلته المحاصرين أو الشهداء في قطاع غزّة. الفنان لا يحاول تجسيد سوى معاناته الشخصية التي عاشها في الشتات لسنوات طويلة، وذاكرته التي أصبحت هي الأخرى في حالة شتات. مع ذلك، فإن هذه التجربة الخاصة تتقاطع بشكل حتمي مع المعاناة الجماعية، سواء كانت معاناة الشعب في الأراضي الفلسطينية، الذي يعيش تحت وطأة احتلال مغتصب ومجرم، أو معاناة الفلسطيني الذي اختار الاغتراب، حيث ينهشه وجع فلسطين والذاكرة التي يحاول التمسك بها، لكنها تتلاشى قسراً رغم إرادته.
في حديثنا مع البطنيجي، نعود إلى أعمال عُرضت سابقاً في فرنسا وقطر وغيرها من الدول. إذ إنّ معظم أعماله حديثة الإنجاز، يمكن اعتبارها استكمالاً لمشاريع أنجزها في السابق، فهو يحرص دائماً على تحديث ما يتعلق بذاكرته المشتتة وبثقل المعاناة وبالأمل المتمسك به.
«رحلة مستحيلة» (2002 – 2009) عمل تركيبي من الرمل عُرض في متاحف عدة، وفي عام 2022 كان جزءاً من معرض استعادي نُظم لأعماله في الدوحة (قطر) تحت عنوان «دوام الحال من المُحال». يتألف العمل من كومة من الرمال، يُعرض بجانب فيديو يوثّق محاولة البطنيجي المنهكة لنقل الرمال من جانب إلى آخر، في إشارة إلى تنقلاته المستمرة بين باريس وغزة، وما يرافق ذلك من إنهاك أثناء محاولاته المتكررة لإعادة تأسيس حياته في كل مرة. يحمل العمل في طابعه رمزيةً قريبة من فلسفة معظم أعمال البطنيجي الفنية: «الهدم من أجل البناء».
في معرضه البيروتي، تظهر كومة رمال لا يمكن وضعها في حقيبة سفر. وعند سؤاله عنها، يجيب البطنيجي: «هذه الرمال لم تعد تتسع في الحقيبة، ولم يعد بإمكاني إغلاقها».
أمّا عن تنقلاته بين فرنسا وفلسطين، التي استمرت لسنوات قبل أن تصبح العودة إلى فلسطين صعبة بالنسبة إليه، فيشير البطنيجي إلى أنّ «المكانين، فلسطين وفرنسا، أسهما في تشكيل هويتي الفنية. لم يكن بإمكان مكان واحد أن يصوغ التجربة التي أثّرت في تطور أعمالي. العاطفة والذاكرة والفكرة التي تشكل العمل الفني أساسها فلسطيني، أما باريس فقد لعبت دوراً في انفتاحي على وسائط فنية متعددة».
من هنا، نسأل البطنيجي عن تخليه عن الوسائط الفنية التقليدية وخوضه غمار تجربة الوسائط المتعددة. البطنيجي، الذي درس الفنون الجميلة في جامعة «النجاح» (نابلس) وتخرج منها عام 1992، يشير إلى أنّه «حتى في تلك الأيام، ورغم التزامي في الجامعة بـ«القواعد الأكاديمية» لإنشاء عمل فني، كنت أعود إلى المنزل وأجرّب وأستكشف وسائط جديدة. في النهاية، لم تعد الريشة والأقمشة تكفي للتعبير عمّا أريد الإفصاح عنه، فلجأت إلى الصورة، والفيديو، والتوثيق، والتجهيز، والتركيب، ووسائط أخرى». تعددية الوسائط هذه، وعلاقته بالتوثيق والصورة وفن الفيديو، دفعتنا إلى سؤاله عمّا إذا كان إعداد وثائقي يندرج ضمن مخططاته المستقبلية، فأكد أنّ «فكرة إعداد وثائقي تخطر في بالي أحياناً، لكنها تحتاج إلى الفرصة المناسبة وإلى فكرة تخدمها طبيعة العمل الوثائقي. قد يكون الفيلم عن حياتي أنا».
حياته، التي حملت وجع فلسطين وحنينه المستمر إليها، تتجلى في أعماله ببساطة غير مفتعلة ولا تحمل التأويل المتعدد، وتعكس على الغالب شخصيته الصادقة. يشير البطنيجي إلى أنّ «بساطة هذه الأعمال، تسهّل على المتلقّي فهم معناها، وإن لم يفهمها، هو على الأقل يشعر بها». أعمال تجسّد معاناته الخاصة، لكنها أصبحت تلقائياً تعبيراً عن المعاناة الجماعية للفلسطينيين. قد تكون محاولة تجسيد الألم عملية مرهقة له، لكنه يشير إلى أنّ «الأمر متفاوت. أحياناً تكون العملية مرهقة، وأحياناً ضرورية لاكتشاف جوانب الألم والتعامل معه».
وعن الفنانين الفلسطينيين الشباب الذين يسعون إلى تجسيد معاناة الشعب الفلسطيني، يرى البطنيجي أنّ «عدداً منهم يتمتعون بموهبة ومثابرة وقدرات ملهمة، وكلٌّ منهم يعبر عن المعاناة بأسلوبه الخاص. ألتقي ببعضهم أحياناً، وأحرص دائماً على نصحهم بتجنّب الافتعال أو الوقوع في فخ تحويل العمل الفنّي إلى خطاب سياسي، حتى لا يفقد قيمته الفنية والإنسانية».
نسأله عن بيروت، فيشير إلى أنّها «تشبه غزّة إلى حد كبير. حين أزور بيروت، أتذكّر غزة، ليس فقط لأنها مدينة قريبة من البحر، بل بسبب ألفة سكانها، شوارعها، والأجواء العامة الطاغية فيها، التي تجعلني أشعر وكأنني في غزة».
بالعودة إلى معرضه «دوام الحال من المُحال»، نسأل البطنيجي عمّا إذا كان ما زال يؤمن بالعبارة التي حملها أحد معارضه كعنوان، وعن إيمانه بالعودة رغم الإجرام المستمر الذي يمارسه الاحتلال الصهيوني، فيؤكّد أنّ «لا شيء يدوم على حاله، والعودة محتومة. علينا دائماً التمسك بها». وعن مفتاح منزل الفلسطيني، نسأله: ما الذي يدفع الفلسطيني للاحتفاظ بمفتاح منزله حتى بعد أن تصله أخبار تدميره؟ يجيب البطنيجي: «إنّه الأمل».
