عبد الرحمن قطناني... التطريز ينتصر على البندقية
قبل أكثر من عام من شنّ الاحتلال الصهيوني إبادته الجماعية على أهالي غزّة، بدأ الفنان الفلسطيني عبد الرحمن قطناني العمل على سلسلة منحوتات ضخمة مستوحاة من التطريز الفلسطيني.


قبل أكثر من عام من شنّ الاحتلال الصهيوني إبادته الجماعية على أهالي غزّة، بدأ الفنان الفلسطيني عبد الرحمن قطناني العمل على سلسلة منحوتات ضخمة مستوحاة من التطريز الفلسطيني. إلّا أنّه لم يستخدم المواد والتقنيات المعتادة لإنتاج هذه الأعمال، بل انبثقت تطريزاته من المواد الصناعية الصلبة.
افتتحت غاليري «صالح بركات» أخيراً معرضاً يضمّ تسعة أعمال نحتية أو تطريزية من توقيع قطناني تحت عنوان «أبواب الحكاية». بدأ الفنان العمل على هذه المجموعة بهدف تجسيد التحوّلات العميقة التي تجتاح عالمه الداخلي، لكن مع اندلاع الإبادة في غزّة، والتطورات التي تبعتها على نطاق أوسع، بدأت أعماله تعكس تدريجاً، وبشكل وثيق، الأحداث الخارجية في المنطقة.
-
(من المعرض) -
(من المعرض)
المجموعة التي تحتل صالة «صالح بركات» الكبيرة حتى 15 شباط (فبراير)، يحوّل قطناني عبرها التطريز الفلسطيني، الرقيق والحنون، إلى أعمال ضخمة منفّذة بالمواد المعدنية الصلبة، المصنوعة من الآلات الطاحنة، وبراميل النفط، أو الأسلاك الشائكة التي يستخدمها الاحتلال لترسيم حدود الأرض التي اغتصبها. تحمل الفلسفة الكامنة وراء مجموعة قطناني الجديدة الكثير من التأويلات، موضوعها موفّق، وقد يُؤخذ إلى أبعاد متعددة. فالتطريز، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من التراث الفلسطيني، وأُضيف إلى قائمة «التراث الثقافي غير المادي» لدى اليونسكو عام 2021، يمنحه قطناني الصلابة، جامعاً بين التراث والابتكار، والماضي والمستقبل، والمادة والذاكرة، تاركاً للمشاهد حرية تأويل هذا الاجتماع.
الثقوب في الصفائح المعدنية تعطي انطباعاً بأنها تحمل آثار رصاص بندقية
على الجدار الكبير الذي يستقبل الزوّار عند نزولهم السلّم إلى صالة العرض، تتدلّى موتيفات فلسطينية مصنوعة من الأسلاك الشائكة ذات اللون الفضيّ. طوّع قطناني هذه الأسلاك، وهذّب حركتها، ونسجها لتشكّل العقدة نفسها التي تشكلها الخيوط في التطريز الفلسطيني التقليدي. رغم الجهد الذي بذله في تطويع هذه المادة الصلبة، إلّا أنّ العمل الذي يحمل عنوان «قعر فنجان القهوة» يبدو ذكياً وبسيطاً، يُبرز قدرات الفنان في تطويع المواد القاسية لخدمة موضوعاته. منذ أكثر من عام، ارتبط اسم قطناني بالأعمال المنفّذة بالصفائح المعدنية، التي صوّر عبرها الطفولة الفلسطينية الضائعة، وطائرات الورق وغيرهما، معتمداً على لغته الفنية المبسّطة والهادفة، بعيداً من الدرامية المباشرة.
من بين الأعمال الأخرى، نُفّذ عملان بالأسلاك الشائكة أيضاً. الأوّل بعنوان «غزّة»، حافظ فيه قطناني على ألوان الأسلاك المعدنية الفضية والنحاسية، والثاني «شجرة النخيل»، أدخل في تنفيذه أسلاكاً بألوان الأحمر والأزرق والأخضر والأصفر. تبدو هاتان المنحوتتان كأنهما ستارتان شفافتان، غير أنّ العمل الأول أكثر توفيقاً من الثاني، إذ يفتقر الثاني إلى وضوح معالم الموتيفات الفلسطينية فيه، ويعطي انطباعاً بأنّ الأسلاك الصلبة هي التي طوّعت الفنان، وليس العكس.
-
(من المعرض) -
(من المعرض)
الأعمال الستة الأُخرى، نُفّذت بالصفائح المعدنية الصلبة، اثنان منها أحاديتا اللون؛ أحدهما باللون الفضي المُطعّم بزخارف ذهبية، والآخر باللون المعدني المسوّد. أمّا الأربعة البقية، فهي ملوّنة، اثنان نُفّذا بالأحمر والأزرق والأبيض تذكّرنا بعلم فرنسا، وواحد بالأصفر والأحمر والأسود، تذكرنا بعلم ألمانيا، بينما تحمل الأخيرة مزيجاً من الأبيض والأخضر والأحمر، تذكّرنا بعلم إيطاليا. يحضر تساؤل حول مدى توفُّق قطناني في اختياره للألوان، إلّا إذا كان ذلك مقصوداً لتوجيه رسالة تتعلق بتواطؤ هذه الدول في فعل الإبادة. غير أنّ هذا التشابه اللوني لم يُشر إليه لا في الكتيّب الموزّع على زوار المعرض، ولا في النصوص المعلقة على جدران الصالة.
تجدر الإشارة إلى أنّ أعمال قطناني في الصالة الكبرى تترافق مع معرض آخر في الصالة العلوية الصغيرة، يضمّ منسوجات فلسطينية تقليدية من مجموعة «مؤسسة دلّول للفنون». وفي فيديو مصوّر نشرته صفحة «صالح بركات» الرسمية على منصة «إنستغرام»، يصرّح قطناني بأنه استوحى مجموعته الجديدة من هذه المنسوجات تحديداً. تحمل بعض هذه المنسوجات الألوان نفسها التي استخدمها قطناني، وربما فضّل الالتزام بها كمرجع بصري، غير أنّ ألوانه تبدو أكثر صراخاً، وتجريد الموتيفات في أعماله يزيد من هذا الصراخ، ما يدفع المتفرّج إلى استحضار رموز أعلام الدول المذكورة بمجرد النظر إليها.
اللافت في هذه الأعمال أنها لم تُثبّت على الحائط، بل تدلّت من السقف، كأنّها ستائر. كما أن الثقوب التي تخرق الصفائح المعدنية تعطي انطباعاً بأنها تحمل آثار رصاص بندقية، فينتصر التطريز في أعمال قطناني على البندقية التي حاولت تمزيقه مراراً. يمنح قطناني التطريز الفلسطيني التراثي مادةً صلبة، غير أن التساؤل يبقى مطروحاً: هل تسلب هذه المواد الصلبة من التطريز الفلسطيني حساسيته ورقّته؟ وهل تجعله أكثر جفافاً وجموداً؟
فضلاً عن ذلك، فإنّ هذا التطريز التراثي، الذي بقي حيّاً على مدار العقود رغم الاحتلال، ونال شهرة واسعة عالمياً، من دون التخلي عن مواده وأدواته التقليدية (القماش والخيط والإبرة)، هل يحتاج إلى التفنن في منحه مواد جديدة؟ فقد حافظت النساء الفلسطينيات عليه، متنقّلاً بين أيديهن، كجزء من مقاومتهن للحفاظ على الهوية، فهل يجب أن يُعاد تشكيله بمواد مختلفة؟ أم أن قوّته تكمن في بساطته وأصالته؟
* معرض «أبواب الحكاية»: حتّى 15 شباط (فبراير) – غاليري «صالح بركات» (كليمنصو، بيروت). للاستعلام: 01/365615
