كريستين كتّانة تمنح الليرة اللبنانية جناحين!
بعد الانهيار الكامل للعملة الوطنية في لبنان عام 2019، لفتت انتباه الفنانة اللبنانية كريستين كتّانة الوقفات المتقطعة التي تفرضها العمليات النقدية، وخصوصاً عند عدّ رزم الليرات اللبنانية التي لم تعد تساوي شيئاً.


بعد الانهيار الكامل للعملة الوطنية في لبنان عام 2019، لفتت انتباه الفنانة اللبنانية كريستين كتّانة الوقفات المتقطعة التي تفرضها العمليات النقدية، وخصوصاً عند عدّ رزم الليرات اللبنانية التي لم تعد تساوي شيئاً.
سرحت في تلك الوقفات، وتأملت مهارة اللبنانيين الجديدة – السرعة في عدّ الأوراق النقدية – ثمّ تساءلت عمّا يدور في أذهان الآخرين في لحظات العدّ تلك.
أرادت كتّانة إعادة لفت انتباه تلك الأذهان المنهكة بحساب النقود، فابتكرت قصة رسوم متحركة، ورسمت كلّ حركة منها على ذلك المربع الأبيض الذي يعلو ورقة عملة المئة ألف ليرة لبنانية. ومع تقليب ليرة تلو الأخرى، تتحرك القصة المصورة، وبدلاً من أن تحركها تقنيات التحريك الإلكترونية، تصبح أيدينا التي تحصي النقود هي المحرك لتلك الرسوم، التي تحكي قصة اتكال الطيور على الطيران للأكل والتزاوج والهروب والسفر، تماماً كما نتّكل نحن البشر على النقود لفعل كلّ ذلك.
في معرضها الذي افتُتح أخيراً في غاليري «جانين ربيز» تحت عنوان «عملة التحلّل»، يمكننا تقليب الليرات اللبنانية، ليس بهدف إحصاء النقود، بل لمشاهدة الطيور وهي تحلّق في المربع الأبيض الصغير. كما يمكننا مشاهدة عمل فيديو تستكمل فيه كتّانة دراستها لحركة الطيور، وحركة أيادي البشر التي تحصي النقود، لتنسج قصيدة شعرية خالية من الكلمات، تعتمد فقط على دراستها للحركتين، وتسمّيها «أيادي | طيور».
تجسّد مفهوم «التضخم المالي» عبر خمسمئة ليرة عملاقة
كتّانة، التي نالت شهادة الماجستير في المال والاقتصاد عام 2005، ثم شهادة الماجستير في الفنون الجميلة عام 2013، تجمع في معرضها الجديد بين خبرتها في الاقتصاد وشغفها بالفنون المفاهيمية. وُلِدت أعمال هذا المعرض من رحم الانهيار الاقتصادي والنزاع والحرب. وإلى جانب العملة، تعالج أساسيات الحياة، أي الخبز والمنزل اللذين أصبحا ضحايا الانهيار الممنهج.
تستقي كتانة أعمالها المفاهيمية من أحداث عفوية، كما في عمل «بيت، بات، يبيت»، الذي استوحته أثناء اقتلاعها الدبابيس من إطارات القماش الذي ترسم عليه، أو من أحداث خارجة عن إرادتها، شاءت المصادفات أن تلتمسها، مثل عملها «من قتل بيروتي؟»، الذي يوثق أحد أعمالها السابقة، وهو سلسلة أبيات شعر مكتوبة على أرغفة الخبز العربي، قبل أن تقضي عليها الخنافس، بعدما تسلّلت عبر الزجاج المحطم في محترفها، إثر انفجار الرابع من آب (أغسطس) عام 2020. ومن هنا، تطرح سؤالها: «من كان وراء الانفجار الذي هزَّ بيروت؟».
من يذكر الخمسمئة ليرة المعدنية؟ قبل ستّ سنوات، كانت تلك العملة ما زالت تفي بثمن بعض الأغراض، كمنقوشة الزعتر أو لوح شوكولا أو قلم حبر. أمّا اليوم، فقد نسينا شكلها. في معرضها، تجسّد كتانة مفهوم «التضخم المالي» عبر خمسمئة ليرة عملاقة، تظهر كأنّها قطعة أثرية متقلبة، يعكس سطحها وجوهنا تماماً كالمِرآة. وتعليقاً على ذلك، تقول كتانة: «نفهم من كلمة «تضخم» أنّ هناك شيئاً ما يكبر ويكبر ويزداد، لكن ما لا نفهمه من الكلمة هو معناها الضمني، وهو تآكل القوة الشرائية للعملة، أي انخفاض قيمتها وتراجعها وفقدانها».
في معرضها المستمر حتى 5 آذار (مارس)، تمنح كتّانة جناحين للمئة ألف ليرة لبنانية، وتبسّط لنا مفهوم تضخّم العملة عبر خمسمئة ليرة عملاقة. وانطلاقاً من هذا التضخم، تتناول أساسيات الحياة التي وقعت ضحية الأزمة المالية، فتبدلت قيمتها ومفاهيمها.
معرض «عملة التحلل»: حتّى 5 آذار (مارس) – غاليري «جانين ربيز» (الروشة، بيروت). للاستعلام: 21/868290



