أندريه كونت سبونتفيل يعتزل (كتابة) الفلسفة
لقد حان الوقت عند الفيلسوف الفرنسي أندريه كونت سبونتفيل (1952) لتلبية النداء الذي لطالما وجّهه لقرّائه: انتهاز فرصة العيش ولو كان الثمن اعتزال الاشتغال الفلسفيّ.


لقد حان الوقت عند الفيلسوف الفرنسي أندريه كونت سبونتفيل (1952) لتلبية النداء الذي لطالما وجّهه لقرّائه: انتهاز فرصة العيش ولو كان الثمن اعتزال الاشتغال الفلسفيّ. سينصرف أندريه كونت سبونتفيل إلى الحياة التي مجّدها في طروحاته الفلسفية، وتعاطى معها دوماً باعتبارها تجربةً وجودية، ودائماً ما كان موضوعها شغله الشاغل، لكن هذه المرة ستغيب الكتابة الفلسفية «التقنية» كما يسميها، عن حياته الجديدة.
لقد قرّر الفيلسوف الدخول إلى ما يشبه مرحلة التقاعد. في مقابلةٍ أجراها مع «راديو فرانس» أخيراً، أعلن أنّه لن يكون له أي عمل فلسفيّ آخر بعد كتابه «فرصة العيش: دراسات أخيرة» الصادر حديثاً عن دار PUF. إنه آخر درس من دروس الحكمة، وليس الغياب الذي سيلي هذا الدرس الأخير، سوى الحكمة وقد تخمّرت؛ فالحكمة هي التي دفعته إلى اتخاذ قرار مماثل.
لم يعد سبونتفيل يرغب في التفلسف كما اعتاد أن يفعل. لقد كشف عن أوراقه في كتابه «لذّة التفكير» عندما شدّد على صعوبة طريق «الاستقلال الفلسفي»، إذ لا بدّ لنا من الرجوع إلى الفلاسفة والتفكير معهم ومن خلالهم، فتجاوز أفكار هؤلاء بنظره لهي خطوة حمقاء.
اشتغل في الحقل الفلسفيّ متّكئاً على فلسفة سابقيه. كأنّ الفلسفة عنده هي امتدادٌ وتراكمٌ وليست قطيعة وتمزّقاً. فقد اقتحم فلسفيّاً موضوعاتٍ جمّة، فكّر في اليوميّ والمُعاش، في الرأسمالية، والأخلاق والفنّ، عائداً دوماً إلى تاريخ الفلسفة وإلى نظريات الفلاسفة، ليعلّل ما يريده أن يكون فلسفةً خاصّةً له.
في مدةٍ تقارب الخمسين عاماً أنتج خلالها حوالي 20 كتاباً، ارتأى إغلاق الستار عن هذه المسيرة الحافلة. لا فكرة فلسفيّة تجوب في خاطر أندريه كونت سبونتفيل اليوم، وهو لا يخجل من ذلك. إنّها المرة الأولى منذ نصف قرن يكون فيها خالياً من الأفكار ولا يغريه البحث. إنّه يشعر بالإرهاق من الاشتغال الفلسفي المقرون بالتأريخ. لكن سبونتفيل الذي يحثّ قرّاءه على حبّ الحياة، ويدعو إلى إيلاء النظر إلى الكأس بشكله الكامل، في جانبه الفارغ وجانبه المملوء معاً، غير ممتعضٍ من هذا الجفاف الذي يعتريه. نسمعه يعبّر بحفاوة عن ارتياحه للمآل الذي وصل إليه. لا يمانع بأنّ «وظيفته» انتهت؛ هو سعيد بكلّ ما أنجزه. هل نحن أمام نهاية فيلسوف؟ كلا، بالتأكيد. يستحيل علينا الهروب من الفلسفة. هذا أول درس يزوّدنا به الفرنسي، الفلسفة لنا بالمرصاد وليس الإنسان سوى «كائن يفكّر».
انطلاقاً من التفكير، سيستوي السؤالُ الفلسفيّ مع سبونتفيل حين يتمركز حول الحياة، عندما يتشكّل على النحو التالي: كيف يجب عليّ أن أعيش؟ سؤال العيش هو بدءُ ممارسةِ الفعل الفلسفيّ، أي التفلسف، الذي يحيط بمسألة يوليها سبونتفيل أهمّية كبيرة وهي التغيّر؛ فالتفلسف هو أن «نتعلّم كيف نموت» كما يقول ميشال دو مونتاين، أحد عرّابي سبونتفيل الفكريين.
استجدّ الموت على الكتابة الفلسفية «التقنية» عند أندريه كونت سبونتفيل؛ تلك الكتابة القائمة على منهجيّةٍ تأخذ على عاتقها التأريخ، وتبسيط المُعقّد، وتتناول «أسلافه اللامعين». إنّه يشعر فعلاً بأنّ ليس لديه أيّ شيءٍ جديدٍ ليضيفَه. هو لا يقفل الباب على (فعل) الكتابة ويرمي المفتاح بعيداً إنّما يترك احتمال العودة للكتابة مفتوحاً، ولكنّه لن يعود إلى الكتابة الفلسفية «التقنية» مجدّداً. هذا أمرٌ مؤكَّد. قد ينحو صوب ما يسمّيه «الإرتجال». بوسعنا اعتبار كتابه «فليفز من هو أفضل» الذي يطاول موضوع الرياضة، أنه ينتمي إلى هذه الخانة.
سبونتفيل المعروف بنزعته الإنسانوية الذي يشكّل برفقة لوك فيري وغريمهم ميشال أونفراي واجهة الفلسفة الفرنسية المعاصرة بتجلّياتها ومشاربها المختلفة، مهجوسٌ بسؤال: كيف بوسعنا أن نعيش بشكلٍ أفضل؟
إذا كان الفيلسوف قد استنفد أفكاره، و«العيش الأفضل» يستدعي منه التكيّف مع التغيّر الطارئ أي اعتزال الكتابة الفلسفية، فعلى الفيلسوف الترحيب بلحظة الموت هذه، وعدّ قراره حكيماً. إنّها مسألةٌ فلسفيّةٌ في نهاية المطاف.
يختم سبونتفيل مشواره الفلسفيّ إذاً بكتابه «فرصة العيش»، ملغياً المسافة التي تفصله كمؤلِّف عن المتلقّي، فهو أيضاً لن يفوّت فرصته في العيش. في مقابلته على «راديو فرانس»، تطرّقت محاوِرتُه ليا سلامة إلى هذا الكتاب لِماماً، وعقّبت كثيراً على قراره المفاجئ الذي لم يكن محضَّراً من قبل، ولا متوقَّعاً إنّما صرّح به أثناء المقابلة.
عندما يُسأل عن حياته، لا يتصرّف كساذجٍ كما يحلو لميشال أونفراي أنْ يصفَه، بل يعترف بتواضعٍ وواقعيّةٍ، بأنها كانت «لذيذةً في الأيام الجميلة، ومزعجةً في الأيام السيئة».
ما يعنيه حقّاً هو عدم الوقوع في «النيّة السيئة» أو ما يُعرف بـ«الوعي الزائف». إنّه يحذّرنا من عدم الانجرار وراء أوهامنا، فلسفته أشبه بإبرة وخز: علينا عدم تصديق ما نريده أنْ يكون حقيقيّاً لكنّه ليس كذلك.
لا يريدنا سبونتفيل أن نستسلم للأوهام التي غالباً ما تكون بمثابة مخدِّرٍ؛ فالتعاسةُ الحقيقيّةُ، بالنسبة إليه، أفضلُ من سعادةٍ واهية، وفي جميع الأحوال، علينا تقبّل تعاستنا لأنه لا يوجد سعادة بدونها. سبونتفيل الذي يشيد بالتفكير باعتباره ممارسة مليئة باللذة، يمارس كلامه؛ إنّه تجسيدٌ للصفحات التي يكتبها.
يستعين بأندريه جيد، وبأبيقور وبكامو، ودائماً بمونتاين، يقول «أن نعيش بهدفٍ لهو تحفتنا المجيدة». لا فرق هنا بين سبونتفيل الشخص وبين سبونتفيل الفيلسوف الذي امتاز بأسلوب سلسٍ ورشيقٍ جعل الفلسفة مأهولة للجميع.
هو القائل بأنّ «التفكير لوحدنا هو تفكيرٌ سيّء»، والذي يحثّنا على التفكير معاً بشكلٍ جماعيّ، ولعلّ دعوته لطرد الفلسفة من حرم الجامعات ومن كل ما يكبّلها لهو تجسيدٌ لهذه الدعوَة، يفكّر معنا بصوت عالٍ. مثلما يستعين بأحاديثه- كما في كتاباته- بإبيقور وسبينوزا، وبالتراجيديين الإغريق، سيحوي كتابه الأخير أيضاً على دراسات حول فلاسفة وكتّاب محدثين مثل آلان، ومارسيل كونش وبروست. الفلسفة عند سبونتفيل أكثر من أفكارٍ مجرّدةٍ وحفرٍ إبيستيمولوجيٍّ، إنّها مغامرةٌ بكلِّ ما تكتنفه من مخاطر، إنّها «التفكير بشكلٍ مختلِفٍ عمّا هو موجود».
سنجد بعض الثيمات المطروحة في كتابه الأخير في المقابلة: الحياة، الموت، الحرية، الانتحار. تخيّره محاورته انتقاء «فضيلة» من «الفضائل» الثلاثة التي تبنّتها الثورة الفرنسية: حرية، أخوّة، مساواة، فيختار الحرية. ثمّة اهتمام جدّي حول حرّية (اختيار) الموت «أنا أحبُّ الحياة كثيراً، لكن إذا كنت أعاني من المرض، إذا كنت أعاني بشكلٍ لا يُحتمل إلى حدّ يبدو لي أنّ الموت أرحم من الحياة، فإنني أختار الموت». إنّه مدافعٌ عن الخيار الحرّ.
ينتمي إلى الفلاسفة الذين يؤمنون بالإرادة الحرّة، وهو مثلهم، حارسٌ للقرارات النابعة من «الذاتية». يقتفي سبونتفيل الرابط الجامع عند كلّ من الرواقيين والإبيقورييين، لقد افترقت هاتان المدرستان عن بعضهما في مسائلَ عديدةٍ إلّا أنّهما اتفقا على حقّ الإنسان في اختياره لموته، لذلك يعيب الماركسيّ السابق، على حكومات اليسار أنّها لم تشرّعْ قانونَ الموت الرحيم.
الفيلسوف البالغ ٧٢ عاماً يفصح جهاراً عن عدم خوفه من الموت. هو غير آبهٍ بشأنه. يعود إلى إبيقور، ويذكّر هؤلاء الذين يخشون من حدوث الموت وتسكنهم رهبته، بالحكمة الإبيقورية التي تفيد بأنّ الموت إنْ حدث، فلن نشعر به، وسيحرّرنا من القلق الذي يتحكّم فينا. يقول إنّ «الخوفَ من الموت هو الخوف من لا شيء، بمعنى ما إنّه غباءٌ لكنّه في الوقت نفسه القلقُ بعينه».
نظرة أندريه كونت سبونتفيل إلى الأشياء تنطوي على التوليف والتركيب، لا يحضر وجهُ الشيء بدون حضور ظلّه معه: «السوداوية هي السعادة بأن نكون حزانى». وقد يكون من اللائق وصفه بالفيلسوف الحزين، هو الذي عرف الحزن والتعنيف من والده عندما كان صغيراً. لا يكفُّ سبونتفيل عن التعبير عن حبّه للحياة، وكأنه حين يتحدّث عن هذا الشكل من الحبّ الذي علينا أنْ نكنَّه تجاه الحياة، يتحدّث عن مفهوم سبق وطرحه من قبل، أي الـ«الأغابي» (Agapè): إنّه الحبُّ المجانيّ، والذي يُقَدَّم بوصفه هبة.
وقد لا يكون ذلك، غير أنّه منَ المحتَّم أنّ سبونتفيل يدعونا إلى حُبّ القدر: أنْ نتقبّلَ الحياة بمساراتها المعوجة والمستقيمة، بظلمتها ونورها، مهما ساد الضباب على الدروب.
يدعونا أيضاً إلى التفلسف، ولو أنّه يزوّدنا بوصفة العيش ويطرحها أمامنا، لكن هذا وحده غير كافٍ. يلحُّ «اليائس المرح» على السعي وراء السعادة. إنّه يعلم أنّ كلَّ أملٍ يتضمّن بالضرورة خيبة. يستلهم سبونتفيل من «العلم المرح» لنيتشه ليخترع مفهوم «اليأس المرح»؛ الحكمة هنا تقوم على اعتبار أنّ الأمل لا يستوجب الخيبة فحسب بل الخوف أيضاً، لأنّ «الأمل يقوى كلما اشتدّ خوفنا».
نحن مُعرَّضون دوماً لتجارب الفقدان والحِداد والموت، غير أنّه لا يجب الإذعان للهشاشة والغرق بالكرَب، فقد نتحوّل على إثر ذلك إلى كائناتٍ معطوبةٍ وغير صالحةٍ للعيش، لذلك يشجّعنا سبونتفيل على أنْ نأخذ هذا الغياب كفرصةٍ للتفلسف، ولكي يكون مثل هذا الفراغ بمثابة سعي لتحقيق العيش، بل لتحقيق أفضل عيشٍ ممكن. فالحياة، كما يعلن، فرصةٌ نادرةٌ لا تحصل إلّا مرّةً واحدة.
