
فتاة في جلباب أزرق (برقع أفغاني) تمشي برأس محن خلف شاب يقودها ممسكاً بمعصمها، ويمر تحت حراسة أمنية موزعة بشكل واسع في إحدى الساحات الريفية وصولاً إلى منزلها. لم تكن ميرا جلال ثابت، الطالبة السورية في معهد إعداد المدرسين في مدينة حمص، تدرك أن غيابها في 27 نيسان (أبريل) سيتحوّل إلى مسرحية تلفزيونية تعرضها شاشة رسمية، على أنها «عروس هاربة» لا «مخطوفة». ظهورها بملامح شاحبة تحت حماية أمنية مشددة، وهي تسير برأس محن في بلدة المخطبية في ريف حمص، أعاد للواجهة قضية فتيات يتعرضن للاختفاء والتزويج القسري، وسط صمت أو تواطؤ رسمي.
جسد التقرير المصوّر الذي نشره مراسل قناة الإخبارية السورية في حمص رواية رسمية تقول إن ميرا لم تُختطف، بل تزوجت شرعياً «بإرادتها» من شاب تحبه، وعادت لتُخبر عائلتها بذلك برفقة فريق أمني وإعلامي. لكن المشهد أثار سخطاً واسعاً، إذ لم تبدُ الفتاة كعروس، بل كضحية. الملامح المتعبة والجسد المنكفئ. لكن لماذا لا يبدو أن أحداً صدّق هذه الرواية؟
مسرحيات رسمية تثير الأسئلة العلوي
منذ نشر التقرير المصوّر، ظهرت معطيات جديدة تُشير إلى وجود معرفة سابقة بين العريس، ومراسل قناة الإخبارية السورية في حمص، عقب انتشار فيديو لهما من احتفالات في حمص، ومحادثات ومنشورات الكترونية تُظهر عدم وجود خلفية متشددة للعريس الذي حاول التقرير الترويج بوصفه وافداً من إدلب ذا خلفية متطرفة، وقد فسرها بعضهم بأنه تمت الاستعانة بالشاب المذكور للتغطية على المسؤولين الحقيقيين خلف اختفاء ميرا، إضافة إلى تأكد معلومات حول اعتقال والد ميرا قبل يوم من زيارتها لعائلتها. ما يكشف جانباً إضافياً للحادثة التي أضيف لها أن ميرا وأحمد كانا موقفين مع والدها أيضاً.
كما كشف "المرصد السوري لحقوق الإنسان" أن تاريخ اختفاء الفتاة يعود إلى يوم تم استدعاؤها إلى المعهد الذي تدرس فيه لأداء امتحانات، بناءً على اتصال من مديرة الشؤون، التي أنكرت لاحقاً وجود امتحانات أو قيامها بالاتصال، ما يعزز الشبهات بوجود تواطؤ داخلي في الحادثة. وهو ما يتقاطع مع رواية "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى"، الذي وثّق في رسالة مفتوحة إلى الأمم المتحدة 60 حالة مشابهة خلال الأشهر الأخيرة، جميعها لفتيات من الطائفة العلوية، تم اختطافهن من داخل المدارس والجامعات، وسط غياب أي تحقيق مستقل أو مساءلة.
#المرصد_السوري#حمص على صـ ـفـ ـيـ ـح سـ ـاخـ ـن.. جدل واسع يرافق قضية اخـ ـتـ ـطـ ـاف الفتاة “#ميرا_جلال_ثابات” وسط اتـ ـهـ ـامـ ـات بالتواطؤ والاسـ ـتـ ـعـ ـبـ ـادhttps://t.co/8o5Q38SEqU
— المرصد السوري لحقوق الإنسان (@syriahr) May 9, 2025
لم تتمكن «الأخبار» من الوصول إلى ميرا أو أحد أفراد عائلتها للاطلاع على تفاصيل الحادثة، فيما لم نحصل حتى لحظة كتابة هذا التقرير على تعليق رسمي من محافظة حمص حول الحادثة والمعلومات الجديدة حولها عقب التواصل مع مديرية الإعلام في المحافظة. لكن من الجدير ذكره أن ظهور ميرا المرتبك أعاد للأذهان حالات سابقة لفتيات خُطفن وزُوّجن قسراً، ثم عدن تحت روايات صدّرتها الجهات الرسمية في سوريا بوصفها «زواجاً رضائياً» أو «هروباً طوعياً» وسط تعتيم إعلامي وضبط أمني يجعل من الصعب التأكد من المعلومات حول قضايا الخطف والتزويج.
غضب وسخط في العالم الافتراضي بين أخذ ورد
التفاعل الشعبي مع قضية ميرا كان كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومكذب للرواية. الفنانة السورية يارا صبري كانت من بين الأصوات البارزة التي هاجمت هذا المشهد، وكتبت على حسابها: «باعتبارنا مهابيل بالجملة كشعب سوري، فمنتظر منّا نصدق قصة هالصبية يلي 'قال' ما انخطفت... السؤال: حسب الأصول الشرعية، هل مسموح تتزوج بدون ولي أمرها؟! يمكن مو مبكلة القصة منيح يا حبيباتي حتى مع شعب المهابيل (نحنا) ». ثم عادت في وقت لاحق لنشر رسائل وصلتها ممن تقول إنها معلمة ميرا في المعهد، وهي تؤكد أن «ميرا هربت بإرادتها مع الشاب أحمد الذي تحبه وترفضه عائلتها». وهي رواية دعمها تقرير لتلفزيون سوريا الذي قال مراسلها إن «هذه الحادثة لحب بين طائفتين مختلفتين ليس جديد في سوريا وهذا سبب معارضة الأهل ما دفع الفتاة للهرب» بدون تقديم مادية جديدة على الحادثة سوى الشهادات وآخرها مقابلة جديدة لميرا وزوجها أحمد يؤكدان فيها حبهما.
أعادت بعض الحسابات نشر تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حين قال: «نحن حررنا خطيفة، ولا يمكن للخطيفة أن تسأل أين سيأخذوها. من يحرر يقرر»، معتبرين أنّ هذه العبارة تكشف بوضوح عن طبيعة العقلية التي تدير هذا النوع من الانتهاكات.
اذا عنجد ميرا سبية.. فقضيتها قضيتي الى يوم الدين
— Asya Hesham | آسيا هشام (@AsyaHesham) May 8, 2025
برسم الحكومة.. وينها ميرا؟!
القصة بمقاطعة المصادر كذب ولكن لئلا نظلم الحقيقة..
أين ميرا يا حكومة؟! pic.twitter.com/R7heT4zsMq
أما المذيعة السورية في قناة «المشهد» آسيا هشام فقد أثارت الغضب بعدما اتهمت ميرا بفبركة الحادثة، بعد نشرها في حسابها على منصة إكس عن الحادثة متهمةً ميرا بأنها «هربانة مع لبناني.. وفبركت كل القصة لتقول أنها سبيت.. يا عيب الشوم» مطالبة بمحاسبة «السيدة وذويها لفبركة بروباغندا ضد مكون سوري كامل». ثم اضطرت لاحقاً إلى حذف منشورها والتراجع جزئياً، بعد حملة واسعة ضدها.
ويطالب ناشطون وصحافيون السلطات السورية بالسماح بفتح تحقيق مستقل بشأن الحادثة في بيئة محايدة بعد تأمين الحماية لأهل الفتاة وأقاربها، وإتاحة الفرصة للإعلام المستقل بالمشاركة في تغطية هذه الخطوات ومتابعة التطورات ونشرها للرأي العام للإجابة عن سؤال واحد يردده السوريون: «أين الحقيقة؟»

