الله الله على العرس «الديمقراطي»
دعونا نبدأ بنقطة بسيطة: ما نشهده اليوم في الانتخابات البلدية لا يُشبه صراعاً سياسياً ولا حتى مهزلة ديمقراطية بالمعنى الكلاسيكي


دعونا نبدأ بنقطة بسيطة: ما نشهده اليوم في الانتخابات البلدية لا يُشبه صراعاً سياسياً ولا حتى مهزلة ديمقراطية بالمعنى الكلاسيكي. ما يحدث هو عرض تجريبي داخل رحم النظام، حيث الوحش البطريركي — ذاك الكائن الأسطوري الذي يرضع شرعيته من التاريخ والدين والعائلة — يلتف على نفسه كأفعى أصابها الصداع الوجودي، فيعضّ ذيله بذهول نيتشويّ ساخر.
القديس والثائر
الانتخابات البلدية ليست مواجهة بين الجديد والقديم، بل نوبة فصامية داخل النظام نفسه، حيث تمثّل السلطة دور «القديس» و«الثائر» في آن، من من دون أي تغيير في نبرة الصوت أو حتى رائحة العطر القديم.
من جهة، لدينا السلطة الكلاسيكية التي تشبه منزلاً مهجوراً يعاد دهنه كل أربع سنوات ليُعرض على سكانه كـ«مشروع ترميم». هؤلاء لا يخفون فسادهم بل يرتدونه كوسام شرف: نحن «الفاسدين»، لكننا نعرف الزواريب، نعرف كيف تُدار الأمور، نعرف من نُرضي ومن نُقصي. السلطة هنا لا تمثّل إلا موتاً مؤجّلاً، تمشي بين الناس كجثة محنّطة تضع عطراً فرنسياً وتقول: «اقتنعوا بي، على الأقل أنا صادق في موتي».
كائن هلامي اسمه... التغيير
من الجهة الأخرى، يُدفع إلى المشهد كائن هلامي يُدعى «التغيير». تغيير بلا أنياب، بلا سردية، بلا توق للقطيعة، كأنه نسخة مطبوعة من الثورة على ورق معاد تدويره من منشورات الأمم المتحدة.
هؤلاء لا يسعون إلى تفكيك البنية، بل إلى التعايش معها بأدب: أن نأخذ مكاننا في المنظومة، أن نحظى بكاميرات أكثر، أن نحسن الصورة لا الأصل. ما يسمّى بالبدائل يلبس «تي-شيرت» الثورة لكنه يخبّئ تحته سروال النيوليبرالية الداخلي. يخاطبون الجماهير بلغة «المجتمع المدني» المعقّمة: حديثٌ عن الحقوق من دون ذكر علاقات القوّة، عن التغيير من دون المسّ بالبُنى، عن النزاهة من دون الحديث عن أدوات الهيمنة التي تجعل النزاهة نفسها مستحيلة.
حذار الديموقتاتورية
هنا يولد المفهوم الأكثر فتكاً: الديموقتاتورية. وهذه ليست زلة لسان، بل هندسة دقيقة لاستبداد قابل للتسويق. إنه النظام الذي يقدّم لك ورقة اقتراع، ويطلب منك أن تختار شكل الخيبة المفضل لديك. الصندوق الانتخابي، في هذه الصيغة، لا ينتج شرعية بل يُصدّرها كمنتج استهلاكي. إنه احتفال تنكريّ ضخم تتبدّل فيه الأقنعة بينما تبقى الوجوه كما هي. وفي هذا السيرك المموّه، يُطلب من الناس أن يختاروا بين وحشين يرتديان بدلتين مختلفتين لكنهما ينفثان النار ذاتها.
في قلب نظام بطريركي
نعم، نحن في قلب نظام بطريركي، لا بمعناه الاجتماعي فقط، بل كمنظومة شاملة تُخضع كل شيء لتراتبية رمزية تُشبه عائلة مقلوبة: في رأسها الأب/ الزعيم، وفي أحشائها قضايا النساء/ المدن/ الأفكار التي يُعاد تلقيحها قسراً، ثم يُطلب منها أن تُحب المغتصِب وتغني له في الحملات الانتخابية. البطريركية هنا ليست فقط في السلطة الذكورية، بل في كل فكرة تقول لك إن التغيير لا يكون إلا «عبر الأطر»، وإن التمرّد يجب أن يكون «مدنياً»، وإن الثورة يجب أن تحترم الدستور، حتى لو كان الدستور نفسه ولد من صلب صفقة على جثة التاريخ.
التغيير الحقيقي في هذا السياق يُقصى لأنه لا يُناسب الذوق العام، ولا يمتلك شهادة حسن سلوك من مانحي التمويل. التغيير الجذري يُطرد من اللعبة لأنه لا يريد تحسينها بل كسرها. إنه أشبه بالأبله في روايات دوستويفسكي: لا يعرف فن التظاهر، لا يُجيد اللغة الرسمية، ولا يفهم لماذا يُطلب منه أن «يندمج » بدل أن يصرخ. الأبله هنا ليس غبياً، بل هو كائن غير قابل للتسليع. ولأن السوق لا يعرف كيف يتعامل مع ما لا يُباع، فهو يستبعده، يسخر منه، أو يجرّمه.
أما من تبقّى، فهم المدرّبون جيداً: وجوه جديدة، لغة جديدة، لكن بنية قديمة. المرشحون الذين يشبهون المدّعين المسرحيين، يتقنون دور المعارضة كما يتقن الكومبارس البكاء في جنازة لا يعرف فيها الميت. هم لا يريدون تحطيم الكرسي، بل إعادة تنجيده، ولا يريدون فتح نوافذ المدينة بل طلاء قضبانها بلون زاهٍ.
فولكلور... الديمقراطية
والناس؟ يُطلب منهم التصويت. لا، ليس كتعبير عن الإرادة، بل كطقس استسلام جماعي يُغلف بورقة بيضاء تُرمى في صندوق أسود. في هذه اللحظة، تصبح الديمقراطية نوعاً من الفولكلور، والمشاركة فعلاً رمزياً يخلق الوهم بأنّنا فاعلون، فيما الحقيقة أننا صامتون بطريقة أكثر تطوراً. لم يعد يُطلب منك أن تطيع، بل أن تبتسم وأنت تطيع. أن تقول «نعم» لكن بصوت حرّ. أن تصرخ، ما دمت تصرخ داخل العلبة، وتنتخب، ما دمت لا تُنتج المعنى.
في الختام، ليست المشكلة في غياب الديمقراطية. بل في وجود نسخة رديئة منها، مدجّنة، تُستعمل لتغطية الاستبداد الناعم. نحن لا نعيش ديمقراطية معطّلة، بل ديمقتاتورية مكتملة الأركان. نظام يعرف أن الخوف لم يعد فعالاً، فاستبدله بالأمل... والأمل هنا، هو أكثر أدوات القمع فتكاً، لأنه حين يُطلب منك أن تختار بين خيارين مزيّفين، فهذا وهم. والاختيار داخل الوهم ليس حرية، إنه إذعانٌ مؤدّب. وفي حضرة الأبله، ينكشف الجميع.
