النكبة 77: عن الكارثة التي لم تنته
سبعة وسبعون عاماً، ويظن العالم أن ما جرى للفلسطينيين هو مجرد «حادثة جغرافيا»، نزاع على خرائط


سبعة وسبعون عاماً، ويظن العالم أن ما جرى للفلسطينيين هو مجرد «حادثة جغرافيا»، نزاع على خرائط، خطأ في التوزيع، خلل في الميزان الديموغرافي.
لكن الحقيقة التي لا يريد أحد أن يراها أن ما جرى – وما يجري – هو تقويض للمعنى، طعنٌ في جوهر العدالة، هدمٌ ميتافيزيقي لفكرة أن الإنسان يستحق أرضاً، وبيتاً، وتاريخاً.
من لبنان، لا يُرى الفلسطيني كغريب، بل كأخٍ مُصاب بكسور تشبه جراحنا، لكن أعمق.
النكبة ليست بعيدة. إنها تمتد إلى كل من يملك ذاكرة حيّة.
تعيش في المخيمات، في تفاصيل الممنوع: ممنوع أن تملك، أن تتوسع، أن تسافر، أن تحلم.
حتى أحلام الفلسطيني خاضعة للتفتيش.
النكبة ليست فقط هزيمة جيوش، بل انهيار أخلاقي كوني.
هي اللحظة التي وقف فيها العالم أمام الدم وقال: «دعونا نستمع إلى الطرفين».
هي عندما تُقصف امرأة في بيتها، ويُطلب من المذيع أن يكون «محايداً».
هي عندما يصبح مفتاح البيت المهدوم تراثاً شعبياً بدلاً من أن يكون دليلاً قانونياً.
في فلسفة القهر، النكبة ليست في ما أُخذ، بل في ما حُرم الإنسان من أن يكونه.
أن يُنتزع منك اسمك، ثم يُمنح لك رقم.
أن تُحاصر في تعريف قانوني، في هوية زرقاء أو بطاقة صفراء، في عبارة: «لاجئ دائم».
دائم؟! وهل اللجوء قدرٌ أم حيلة لغوية لدفن القضية دون جثة؟
النكبة أيضاً ليست فقط في فلسطين.
هي فينا، نحن الذين لم نُقصف، لكننا نشهد القصف كل يوم.
نحن الذين لا نملك مفاتيح بيوت مهجّرة، لكننا نعيش في مدنٍ يشعر الإنسان فيها أنه لاجئ في وطنه.
نكبتهم مرآتنا. تذكّرنا بأن الأرض يمكن أن تُسرق، لكن ليس الحق.
وبأن الظلم حين يُعاد تدويره سبعاً وسبعين مرة، لا يصبح قانوناً، بل يصبح جريمة متقنة الإخراج.
الفلسطيني، كما أراه من هنا، لم يُهزم.
لأن من حمل قريته على ظهره، ونصب خيمته فوق ذاكرته، وحفر اسم بيته في حناجر أولاده، لا يمكن أن يُهزم.
هو التعب الذي لا يستسلم، والجوع الذي لا ينسى، والخيمة التي تتحوّل إلى رواية.
أما العالم، فهو النكبة الحقيقية.
العالم الذي تعوّد على الكارثة، حتى أصبحت بالنسبة له مشهداً مملّاً في فيلم طويل.
العالم الذي يُشاهد المجازر كأنها نشرة طقس، ويكتب عن «التصعيد» كما لو أن الموت سياسة خارجية.
سبعة وسبعون عاماً مرّت، ولم تكن كافية لتقتل فلسطين.
لأن فلسطين، حين تُمنع من أن تكون خريطة، تصبح فكرة.
وحين تُمنع من أن تكون وطنًا، تصبح بوصلة.
وحين تُمنع من أن تكون دولة، تصبح اختبارًا للإنسانية.
