خوسيه موخيكا... «بيبي» الفقراء والمحرومين
قبل يومين، انطفأ «الرئيس الفيلسوف» الذي كان أحد أكثر الأصوات تأثيراً في أميركا اللاتينية، ساعياً إلى رسم ملامح مجتمع أفضل وأبسط وأقل اعتماداً على الثروة.


قبل يومين، انطفأ «الرئيس الفيلسوف» الذي كان أحد أكثر الأصوات تأثيراً في أميركا اللاتينية، ساعياً إلى رسم ملامح مجتمع أفضل وأبسط وأقل اعتماداً على الثروة.
قبل حوالى عقد من الزمن، كان خوسيه موخيكا (1935 ـــ 2025) محط إعجاب العالم بأسره. رفض هذا الرجل الصريح والبسيط، الذي حكم الأوروغواي بين عامَي 2010 و2015، الإقامة في القصر الرئاسي، مفضلاً منزله الصغير ذا السقف الزنكي الذي كان يعيش فيه مع زوجته وكلبته ذات الأرجل الثلاث.
من مقاتل إلى أيقونة اليسار
من مقاتل حرب عصابات صلب وزاهد، إلى أيقونة اليسار الجنوب أميركي، غادرنا «بيبي موخيكا» كما يحبّ مواطنوه أن ينادوه.
نظّر موخيكا للزهد ووصف نفسه بأنّه «رواقي فلسفياً». كان يقود سيارته القديمة من نوع «فولكسفاغن بيتل» بنفسه، وقد رفض الإقامة في القصر الرئاسي، مفضلاً مزرعته المتواضعة على أطراف مونتيفيديو.
ويعود سبب شعبيته الجارفة إلى شخصيته الصادمة وكلماته التلقائية الصريحة، الخالية من المجاملات والمثيرة للجدل دوماً... هو القائل إنّ «الكلمة سلاح قويّ، فإذا استحسن استخدامها، تستطيع أن تُجاوز المنطق العام لتدخل في مجال المشاعر عند الإنسان، والطبيعة منحتني تلك الموهبة».
الرئيس الأفقر في العالم
أقرّ موخيكا سياسات تقدمية جدّاً على صعيد أميركا الجنوبية، فقد شرّع زراعة القنب الهندي، وسمح للمثليين بالزواج الرسمي وللنساء بالإجهاض، ونال لقب «الرئيس الأفقر في العالم»، لأنّه كان يتبرّع بغالبية راتبه إلى مشروع يساعد الفقراء في إيجاد السكن لهم. وقد تأثّر مواطنو الأوروغواي بشخصيته الزاهدة كما يبيّن وثائقي «بيبي» الذي أنجزه المخرج الصربي المعروف أمير كوستوريتسا عن هذا الرجل الاستثنائي.
مع أنّ سياسته أوجدت فرص عمل وحسّنت الدخل الفردي في الأوروغواي وقلّصت الفروقات الطبقية، إلا أنّ منتقديه يجدون أنّه لم يجد حلّاً للوضع الأمني المتخبّط في الأوروغواي، كما عجز عن تحسين الوضع الصحي والتربوي في البلاد.
قبل إعادة انتخابه عضواً في مجلس الشيوخ عام 2019، قال إنه «مرهق من رحلة طويلة». لكنه أضاف: «طالما أنّ عقلي يعمل، لا يمكنني التخلّي عن معركة الأفكار».
بعد معاناته من مرض مناعي، جاءت جائحة كورونا لتطيح به أخيراً وتُجبره على التنحي عن منصبه الوحيد في تشرين الأول (أكتوبر) 2020، وقال في خطاب استقالته: «الشيء الوحيد الأكيد في الحياة هو التغيّر، الحياة تمضي، لكنّ القضايا تبقى».
الديموقراطية واليسار
كان في ستينيات القرن الماضي أحد مؤسسي حركة حرب العصابات اليسارية الراديكالية «توباماروس». أُصيب برصاصة في عام 1970، وسُجن طوال مدة الديكتاتورية (1973-1985).
وُضع في العزل وعُذِّب. رغم أنه لم يخفِ قط «تعاطفه» مع الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز (1999-2013)، زعيم اليسار المناهض للّيبرالية في أميركا اللاتينية، إلا أنه كان يُفضل مقارنته بنظيره البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (2003-2011، وأُعيد انتخابه في 2022).
بعد انتخاب نيكولا مادورو رئيساً لفنزويلا، قطع موخيكا علاقته بفنزويلا ووصفه بأنّه ديكتاتور ليبيرالي. وكذلك انتقد الديكتاتورية في نيكاراغوا ونزع عن الحكم صفة اليسار. ورغم القمع في كوبا، كان يفضّل الحكم هناك، وكانت الزراعة بالنسبة إليه من أهم الأولويات التي يجب تحسينها لأنّ الاكتفاء الذاتي يجعل البلد حرّاً ومستقلّاً.
«لقد كرّس بيبي موخيكا حياته للنضال من أجل حقوق المحرومين، وحظي بدعم شعبي من أجل الوصول إلى العدالة الاجتماعية، في بلادنا وسائر العالم» هذا ما جاء في بيان الحزب الشيوعي في الأوروغواي، وقد تعهّد رفاقه بمواصلة النضال.
حتى أيامه الأخيرة، ظلّ «بيبي موخيكا» صوتاً ناقداً للنظام الرأسمالي وملتزماً برفاقه، خصوصاً في الحملة الرئاسية لعام 2024 التي توِّجت بعودة معسكره إلى السلطة.
* El Pepe: A Supreme Life
على نتفليكس
