تميم البرغوثي... عندما يُجرّم الشعر وتُحاكم المقاومة
تعرّض الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي لحملة إعلامية شديدة تقودها قناة «العربية » السعودية


تعرّض الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي لحملة إعلامية شديدة تقودها قناة «العربية » السعودية، عقب مشاركته في «معرض بغداد الدولي للكتاب »، حيث ألقى قصيدة استلهم فيها رمزية كربلاء كحادثة تاريخية، قائلاً:
"إن الحسينَ عراقٌ حلَّ في جسدي
إنَّ العراقَ حسينٌ آخر الأبد
ودهرهُ أُمويٌّ ما لهُ شرفُ
القناة فسّرت البيت الأخير على أنه «هجوم على بني أمية » وسعت لربطه بمواقف سياسية للبرغوثي، لا سيما تغريدته التي انتقد فيها تصريحات منسوبة للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بشأن إمكانية التعاون الأمني مع إسرائيل ضد أعداد مشتركين.
وبذلك، تم تأطير الشاعر ضمن ما وُصف بأنه «محور شيعي ضد محور سني »، وهو توصيف يكرّس رواية طائفية مستترة.
في ردّه على ما نشرته القناة السعودية، أعلن البرغوثي على منصة إكس توقفه عن التعليق في الشأن السوري، معبّراً عن استيائه من «اتهامات متكررة وكاذبة »، من بينها «سب بني أمية » و «مدح أذرع إيران»
وأوضح أن البيت المثير للجدل ورد في قصيدة طويلة كُتبت في نيسان (أبريل) عام 2003 وكتبها على لسان زينب بنت علي بن أبي طالب تذكر فيه أمويي زمانها، إبان الاحتلال الأميركي للعراق، وأنه توظيف شعري رمزي لا علاقة له بالتحريض الطائفي.
نقد لا شتائم
البرغوثي شدد على أن تعليقاته على الوضع السوري اتسمت دوماً بالنقد السياسي، لا بالشخصنة أو التجريح. وأشار إلى مقاله المنشور عام 2012 في صحيفة «الشروق» المصرية بعنوان «خمس أزمات أخلاقية في الشأن السوري »، الذي وصف فيه النظام السوري بأنه أقلوي يمارس التمييز الطائفي ضد أغلبية مظلومة. ورأى أن الحراك الشعبي لم يكن مؤامرة، بل ثورة شعبية ضد الظلم.
الغريب في تغطية «العربية» كان الانتقائية في سرد الوقائع؛ إذ استحضرت قصيدة البرغوثي في رثاء السيد حسن نصر الله، الأمين العام السابق لـ «حزب الله »، بينما تجاهلت تماماً رثاءه لقادة المقاومة الفلسطينية من «حماس »، مثل يحيى السّنوار بهدف تعزيز سردية طائفية تظهر البرغوثي منحازاً لـ«محور شيعي» في مواجهة «محور سني أموي» وفق مضمون المحتوى المنشور. وقد تلقف عدد من المستخدمين هذه الرسائل، ليبدأ هجوم افتراضي يتهم الشاعر بـ «التشيع» و«خدمة المشروع الإيراني »، متجاهلين مركزية القضية الفلسطينية في مجمل إنتاجه الشعري والسياسي.
هذا التلاعب يعكس محاولات لصياغة صورة طائفية للبرغوثي، وربطه قسراً بـ «محور إيران »، رغم وضوح مواقفه الثابتة في دعم المقاومة ورفض الاستبداد أياً كان شكلهk مذكراً بأنه سبق أن انتقد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، وسياسة «حزب الله » في سوريا، وأنه لا يمكن اتهامه بالطائفية، فهو «ليس هندوسياً » في إشارة إلى انتمائه للطائفة «السنية».
المثقف في مرمى النار
تأتي هذه الحملة ضمن موجة أوسع من «الإعدامات المعنوية » التي طالت مثقفين وصحافيين وفنانين عرب منذ أواخر أيلول (سبتمبر)، مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والخسائر التي لحقت بمشروع المقاومة.
وقد اتّخذت هذه الهجمات طابعاً إعلامياً منظماً يستهدف الأصوات المعارضة للتطبيع أو الداعمة للمقاومة، في انسجام مع ما وصفه المفكر الفرنسي بيار بورديو في كتابه «التميّز »، حيث تتحول الثقافة إلى أداة لضبط النظام لا مساءلته، ولتدجين المثقف لا تحريره.
ربما أبلغ رد على هذه اللحظة القاتمة هو ما قاله محمود درويش قبل عقود: «نحن يا أختاه من عشرين عاماً.. لم نكن نكتب أشعاراً… ولكنّا نقاتل».
