من جِرار غزة إلى موائد العالم... لنرفع نخب فلسطين
داخل معرضه في شارع الحمرا، يجلس الفنان الفلسطيني ناصر السومي محاطاً بلوحاته، وألوانه، وكتبه، وبعض تفاصيل الحياة اليومية البسيطة. يتحدث بشغف عن فلسطين، يغوص في تاريخها، وحضارتها، وواقعها الراهن.


داخل معرضه في شارع الحمرا، يجلس الفنان الفلسطيني ناصر السومي محاطاً بلوحاته، وألوانه، وكتبه، وبعض تفاصيل الحياة اليومية البسيطة. يتحدث بشغف عن فلسطين، يغوص في تاريخها، وحضارتها، وواقعها الراهن. عبر عمله التأريخي، يحاول أن يثبت أنّ الأرض «تتكلّم فلسطيني».
جمع السومي بين الفن والتاريخ، فضمّن لوحاته تاريخ بلاده، بدءاً من الحضارات السابقة للأديان السماوية، مروراً بها، وصولاً إلى الإنسان الأول. هذه العودة إلى الجذور تكشف أحقية الشعب الفلسطيني بأرضه، وتدحض الروايات التوراتية.
بعدما تناول في كتابه «تاريخ شجرة الزيتون في فلسطين» (دار النهار للنشر) تاريخ الزيتون في بلاده، يغوص اليوم في «النبيذ وفلسطين» (دار كاف)، الذي سيوقّعه مساء اليوم بدعوة من مقهى «ة» في الحمرا. ينقسم الكتاب إلى محورين عموديين: الأول يتناول تاريخ النبيذ الذي عُرف في فلسطين منذ آلاف السنين، والثاني يسرد تاريخ فلسطين منذ نشأة الحياة فيها حتى يومنا هذا.
يقول السومي إنّ تاريخ فلسطين هو تاريخ الإنسان نفسه. وُلد هذا الإنسان في أفريقيا، بحسب الأبحاث العلمية والأركيولوجية، التي تشير إلى أنّ الإنسان الأول ظهر هناك قبل نحو سبعة ملايين سنة. كان صغير الحجم، عاش ومات هناك، وتلاه ظهور أنواع أخرى من البشر حتى ظهر «هومو إريكتوس» (الإنسان المنتصب) قبل مليونين ونصف مليون سنة، وكان أول من غادر أفريقيا باتجاه الشمال، مروراً بمصر وصحراء سيناء، وصولاً إلى فلسطين. وقد وُجدت آثاره فيها قبل مليونين و400 ألف سنة، حيث عاش لمدة طويلة قبل أن يتوزع إلى باقي أنحاء الأرض.
وبعده، ظهر «هوموساپینس» (الإنسان العاقل) الذي وُجدت آثاره في أفريقيا قبل 300 ألف سنة، ووصل إلى فلسطين قبل نحو 200 ألف سنة. ومنذ نحو 130 ألف سنة، بدأ بدفن موتاه، وظهرت عنده معتقدات عن الحياة الأخرى، إذ عُثر على أوانٍ وقطع مخصّصة للطعام بجانب رفات الموتى، إيماناً منهم بإمكانية العودة إلى الحياة.
مع هذا الإنسان، بدأ التحول من حياة الرعي وجمع الثمار إلى الزراعة. في فلسطين تقع أريحا، أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، يعود عمرها إلى أكثر من عشرة آلاف عام.
وهناك نشأت الحضارة النطوفية، التي كشفت أبحاثها عن مغارة شمال غرب القدس تشبه كاتدرائية ضخمة، عُثر فيها على أقدم أدوات زراعية في العالم. وتبيّن أنّ الإنسان في تلك الحقبة دجّن ثلاث نباتات هي الزيتون، والقمح، والكرمة، وهي ما يُعرف اليوم بـ«ثالوث النباتات المقدسة» في بلادنا.
ويضيف السومي أن آثار النبيذ في فلسطين تعود إلى عصور غابرة، منها العثور على 300 جرة نبيذ في قبر فرعوني يعود إلى عصر ما قبل الأسرات لفرعون يُدعى «العقرب». وقد تبين لاحقاً أنّ هذه الجرار ليست مصرية الأصل، بل مصنوعة من تربة جنوب فلسطين، وتحديداً غزة، ما يدلّ على أنّ النبيذ الفلسطيني كان يُصدّر إلى مصر منذ الألف الرابع قبل الميلاد.
حتى قبل عقدين فقط، كان يُعتقد أنّ أقدم نبيذ في العالم وُجد في فلسطين، إلى أن أضاءت اكتشافات لاحقة على وجود نبيذ أقدم في إيران وجورجيا. إلا أنّ أقدم بذور عنب مدجّنة في العالم لا تزال فلسطينية المنشأ، وتعود إلى سبعة آلاف سنة قبل الميلاد، ما يعزز مكانة فلسطين في تاريخ صناعة النبيذ.
كما اكتُشفت مغارة في شمال فلسطين دُفن فيها نحو أربعين شخصاً، بينهم امرأة توفيت في سن الأربعين، وهو عمر متقدّم آنذاك، وكانت محاطة بأشياء ثمينة، ما يدلّ على مكانتها في القبيلة.
وتعود هذه القبور إلى الحضارة النطوفية، وقد اكتُشفت عام 1930. في المغارة ثلاث حفر محفورة في الصخر، تحتوي على بقايا نوع من البيرة، يُعتقد أنها أول مادة كحولية أُنتجت في التاريخ، ويعود تاريخها إلى نحو 13,700 سنة.
بين القرنين الثالث والسابع قبل الميلاد، كان نبيذ غزة وعسقلان الأشهر عالمياً، حتى إنّ بعض الأباطرة الرومان أصدروا قرارات تمنع استيراد النبيذ من أي مكان سوى غزة. وقد اكتشف العلماء مدينة كاملة بين غزة ويافا خُصّصت لصناعة جرار النبيذ فقط. وعُثر في البحر على ملايين الجرار المختومة بختم «غزة». وفي كانون الأول (ديسمبر) 2023، كُشف أنّ الموقع الذي كان يُنتج فيه هذا النبيذ كان يملك طاقة إنتاجية بلغت مليوني ليتر سنوياً.
يقول السومي إنّ اختياره للحديث عن تاريخ النبيذ في فلسطين ليس عبثياً، خاصةً في وقتنا الراهن «فالحرب لا تستهدف الناس والمنازل فقط، بل تطال التاريخ أيضاً».
من هنا، يسعى إلى ترسيخ الرواية التاريخية الفلسطينية، المبنية على علم الآثار، وخصوصاً في الحديث عن نبيذ غزة، «لأن هذا التاريخ يعزز من مكانتنا أمام العالم، إذ إنّ تجار غزة كانوا يبيعون النبيذ في بوردو، أشهر مناطق صناعة النبيذ اليوم، وذلك بين القرنين الثالث والسابع قبل الميلاد».
ويختم السومي: «تثبيت تاريخنا ضرورة، فالكفاح لا يتمّ بطريقة واحدة، بل بكل ما نملك. نحن لسنا مجرد يد، بل عقلٌ ورجلان ودورة دموية. نفكر ونكتب ونروي. وهذا هو الوقت المناسب تماماً، لأن علم الآثار أثبت زيف الكثير من الروايات التوراتية».
• توقيع كتاب «النبيذ وفلسطين»: س: 18:00 عصر اليوم ـ مقهى «ة» (الحمرا ـ بيروت) ـ للاستعلام: 70/342875
شاهدوا مقابلتنا مع الفنان على حساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي
