«احكيلي» عن الحرب وأصواتها
رغم انتهاء الحرب، بقيت خطوط تماسها قائمة، وبصماتها حاضرة بوضوح، رغم كل محاولات التصالح مع خمسة عشر عاماً من الاقتتال الداخلي.


رغم انتهاء الحرب، بقيت خطوط تماسها قائمة، وبصماتها حاضرة بوضوح، رغم كل محاولات التصالح مع خمسة عشر عاماً من الاقتتال الداخلي.
ومع حلول ذكرى اندلاعها كل سنة، تُنظّم فعاليات فولكلورية تستحضر صورة مفترضة عن وحدة داخلية تبدأ وتنتهي في 13 نيسان (أبريل)، لكن فعلياً لم يتصالح اللبنانيون مع فكرة الحرب قبل أن يتصالحوا مع بعضهم.
-
(من المعرض) -
(من المعرض)
على أحد خطوط التماس، في منطقة السوديكو، لا يزال مبنى بركات قائماً، شاهداً صامتاً يروي تاريخ العاصمة بانقساماتها. تسكنه الشظايا وآثار القنابل والرصاص، ويذكّر من يدخله بأن حرباً مرّت من هنا، وقسّمت المدينة شطرين. ولا يزال صدى هذه القسمة يتردد في وجدان وأحاديث سكانها بين «شرقية» و«غربية».
مبادرة تتجاوز الفلولكور
في الذكرى الخمسين للحرب الأهلية، افتُتح معرض «احكيلي» في «بيت بيروت»، كمبادرة تتجاوز الفولكلور، ليكون نواة المتحف العام للعاصمة حول الحرب. رغم الحديث المستمر عن الحرب الأهلية ومحاولات التعافي المتكررة، لا يزال هناك شكل من أشكال فقدان الذاكرة.
يسعى «احكيلي» إلى تقديم تجربة شاملة وتفاعلية للزوار، تُمكّنهم من الغوص في تجارب شخصية ونفسية حول الحرب الأهلية وغيرها من الحروب، كما تشرح صاحبة المبادرة، الباحثة الفرنسية - اللبنانية دلفين دارمنسي أبي راشد، في حديث معنا.
فكرة المعرض
تقول دارمنسي إن فكرة المعرض تقوم على السماح للزائرين بالتفاعل عبر دخول الغرف وكتابة تجاربهم وصدماتهم، أو مشاهدة مقاطع من أفلام تتناول الحرب.
-
(من المعرض) -
(من المعرض)
يسمع الزوار صوت المهندسة المعمارية والناشطة في الحفاظ على التراث منى حلاق، ويتابعون عدسة المخرج بهيج حجيج في توثيقه لقصص الحرب.
كما تتوافر مقاطع من بودكاست «معبر»، إضافة إلى عرض لتاريخ بيروت عبر الأزياء، ووسائل الاتصال، وآليات النجاة والحياة تحت القصف.
يقدّم المعرض مشهديات يومية من حياة المقاتلين، من غرف النوم إلى الطعام وطرق القتال، ويعرض مواجهات بين مقاتلين سابقين وعائلات ضحايا، في محاولة لربط السرد بالمحاسبة الممكنة. الهدف من المعرض هو إشراك الجميع، من فنانين وصحافيين وباحثين وجمهور، في حوار مفتوح حول الحرب.
الحرب الإسرائيلية حاضرة
لم يغفل المعرض الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، إذ خُصّص جناح لقصص من فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب (1978 – 2000)، بمبادرة من المخرج اللبناني أديب فرحات، الذي عرض تجارب الناس وصدماتهم من تلك المرحلة، بما في ذلك معاناة الحرب الأخيرة.
في غرفة أخرى، عُلّقت مفاتيح لمنازل مهجّري الجنوب الذين لا يعلمون ما إذا كانوا سيعودون إليها، في استحضار رمزي لمفتاح العودة الفلسطيني.
جاءت فكرة إدراج الحرب الأخيرة ضمن المعرض في المراحل النهائية من التحضير، التي تزامنت مع اندلاعها. وتوضح دارمنسي أنه طُرحت تساؤلات كثيرة حول جدوى تنظيم معرض عن الحرب الأهلية في ظل حرب مدمّرة تعصف بالبلاد، «لكن الحرب بالنسبة إلينا في كل مكان، ولم يكن منطقياً أن نتجاهل ما يحدث حولنا».
-
(من المعرض) -
(من المعرض)
يوفّر المعرض للزوار مساحة للتفاعل مع تاريخ لبنان في الحروب، إلا أن بعضهم يرفض دخول الغرف المخصصة للحرب الأهلية. وتختلف التجربة بين جيل وآخر: فمَن عايش الحرب غالباً ما يبكي ويتأثر، فيما يلمس الجناح الخاص بالحرب الإسرائيلية مشاعر جميع الأجيال. أما في جناح «مشاركة القصص»، فيدوّن الزوار تجاربهم وصدماتهم التي تتعدّى الحرب الأهلية، لتشمل الحرب الإسرائيلية وانفجار مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) 2020.
وقد شارك بعض الزوار باعترافات لم يسبق لهم أن باحوا بها، سواء ممن عاشوا الحرب أو مقاتلين سابقين، من قبيل: «هذا ما حدث لي»، أو «أنا ارتكبت هذا الفعل»، أو «أنا قاتلت على هذه الجبهة».
قصة فداء
يروي «احكيلي» أيضاً قصة فداء البزري، التي عايشت الحرب طفلةً على خط التماس، قرب مبنى «بيت بيروت». بدأت فداء بسرد حكايتها في فيلم «خط التماس» للمخرجة الفرنسية سيلفي باليو، والذي استُوحي منه معرض «ما بين العوالم»، حيث جُسدت تجربتها عبر مجسّمات ودمى صغيرة.
تقول فداء لـنا إن روايتها لقصة طفولتها أخرجت الذكريات من جسدها وحوّلتها إلى واقع تمكّنت من مواجهته ومحاولة التصالح معه، وهو جزء بسيط من تجارب أكثر دموية شاركها زوار آخرون. يأخذنا معرض «ما بين العوالم» في جولة بين خطوط التماس التي كانت فداء تعبرها للوصول إلى منزل جدّتها.
الخطوة التالية، كما تقول دارمنسي، هي تحويل «بيت بيروت» إلى متحف عام: «لأنه ملك الشعب اللبناني، ويجب استرداده وضمان بقائه مفتوحاً، ولا سيما عند تنظيم معارض ضخمة مثل «ألو بيروت» و«احكيلي»»، علّ هذه الخطوة تعيد بيروت وتاريخها، ملكاً لناسها.
* معرض «احكيلي»: - حتى تموز (يوليو) المقبل ــــ «بيت بيروت» (السوديكو).
