ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

هل كره آباء غزّة أطفالهم؟

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

علق في ذهني مشهد ذلك الرجل الفلسطيني الذي يمازح طفلة صغيرة كانت تتناول صحن طعام في العراء

صالح درويش
صالح درويش
الخميس 12 حزيران 2025
(عن صفحة «شهداء غزة»)
(عن صفحة «شهداء غزة»)
الخط

طوال فترة حملها المفاجئ والصادم، عشت إنكاراً قاهراً. أستذكر ما قالت عن ولادتها الأخيرة وأنتفض خوفاً. لقد كنّا حذرين، حذرين جداً، واتّفقنا على إغلاق هذا الباب تماماً! ربّما ارتكبتُ من الآثام ما لا يغفر حتى يعقابني الله هكذا. لا أستطيع أن أتخيّل نفسي مجدداً مع ولد ثالث/ رابع، أعيد ذات الحلقة، وأضاعف ذات الروتين العائلي، بدل التخلّص منه. ثم كيف سأخرج مع ثلاثتهم لوحدي مثلاً؟ من يمكن لوحده أن يتكفّلهم معاً في غيابنا؟ كيف سنتحمّل نفقات مدارسهم «الخاصة »؟

طوال تلك الفترة، تمنّيت أن يكون حملها كاذباً، وهمياً. كنت على شفا أن أطلب منها إجهاضه، خوفاً على صحّتها على الأقل. في كل موعد مع الطبيبة، كنت على وشك أن أسألها إذا ما كان هذا الحمل خطيراً، بعد عمليتين قيصريتين، لكنّي لم أجرؤ.

لم أدخل معها في أي حديث عن هذا الحمل. لم أكن أريده، كرهته تماماً. قبيل موعدها الأخير سألتني «أنت تصالحت مع الموضوع، أليس كذلك؟ » أجبتها بالتوكيد، وعدت إلى الصمت والحنق.

أن تموت لأنك مكروه

حتى بداية رمضان، وضعتنا طبيبتها الجديدة في محل شك! قالت لقد كان من الصعب سماع دقّات قلب الجنين، ولكن في رمضان، وبعد اللتيا والتي، أكّدت أنّها تراها /تسمعها. قالت زوجتي ضاحكة: «كنا حتى هذه اللحظة غير متأكدين إذا كان هناك حمل فعلاً أم لا »

كان الموعد الأخير قبل العيد بيومين، لكن طبيبتها القديمة عادت أخيراً، فألغيناه وحجزنا معها بعد العيد مباشرة. تنفّست الصّعداء، ستكون على الأقل في أيد خبرت جسدها وما في رحمها. صعدت هي إلى الطبيبة ولحقتها، حتى وأنا أمشي تلك الطريق كنت لا أزال أرجو وآمل وأتخيّل أن يحدث شيء ما ينهي كل هذا الكابوس المزعج. أن تكتشف الطبيبة أنّه «حمل كاذب » على أبعد تقدير، مع أنني لا أعرف معنى ذلك. كان أملاً ضعيفاً!

وقفت أنظر إلى الطبيبة تبحث على شاشة السونار، وهي مصدومة، ثم تقول بكل قناعة: «لا أستطيع أن أرى دقّات القلب… والجنين لا يتحرّك... يمكنكم الانتظار 3 أيام ثم إعادة الفحص، أو الذهاب اليوم إلى عيادة أخرى للتأكّد باستخدام جهاز آخر».

لم نصل باب المستشفى، حين انهارت زوجتي بالبكاء. كانت تهتز وترتجف، بكت كما لو أنّه قد مات بعد ولادته. كان عمره 12 أسبوعاً فقط، وقالت الطبيبة إنّه توقّف عن النمو قبل أسبوع، أي أنّه مات في شهر رمضان.

ذهبنا لعيادة أخرى عصراً، وذهبت الطبيبة الشامية في تفاصيل أبعد. لم يمت منذ مدة طويلة، ولذا لم ينكفئ على نفسه بعد. يبدو أنّها كانت أنثى، وهناك تشوّه واضح في جسدها. لقد ماتت فعلاً!

جدّدت زوجتي بكاءها، كانت تظن (جازمة) بأنّه صبي. لكنّها بكت أكثر حين سمعت بأنّها بنت. قالت «لماذا يجب أن يكون الأمر بهذه الصعوبة؟ ».

هل مات لأني كرهته؟

كنا نمشي معاً ونحن نعرف بأن هناك «إنساناً ميتاً » في أحشائها، يجب أن تنتظره أسبوعين أو ثلاثة حتى يغادر جسدها. ما هو شعور أن تعيش امرأة بإنسان ميّت في أحشائها؟ ما هو شعور أن يكون طفلك ميّتاً وهو لا يزال داخل رحم أمّه؟

لا أستطيع أن أتصوّر شعورها هي، لكني تفاجأت من مشاعري أنا. لماذا لم أبتهج؟ لماذا لم أكن سعيداً ومرتاحاً؟ لقد كرهت نفسي وخفت منها. حاولت أن أفهم كيف؟ ولماذا؟ لماذا كرهته إلى هذا الحد؟ ما العلاقة بين كل ما أحسست به وتمنّيته وبين موته؟ لقد أنّبني ضميري بشدّة. اتّصلت بأحد الأصدقاء وطلبت منه أن يأتيني بشكل عاجل. كنت سأُجن لو لم أتحدّث.

زاد من قلقي ووساوسي حين طلبت مني زوجتي القويّة أن أعدها بأن أكون إلى جانبها طوال الوقت حتى تنتهي هذه القصّة. قالوا لنا ربّما يسقط كل شيء دفعة واحدة، وربّما يحدث الأمر تدريجاً. متى ما بدأ الدم يخرج تعالوا للمستشفى.

صرنا مستعدين تماماً وننتظر لحظة الحسم. أخبرتني زوجتي أنّ ما سيخرج سيكون «جنيناً » كاملاً. صُعقت ولم أصدّق «كيف؟ عمره 3 أشهر أو أقل ». هذا ما قاله الأطبّاء، وأظن أنّه يجب أن يدفن! اسأل الشّيخ.

سألت ChatGPT وتبيّن أن كل مراجع الشيعة يقولون ذات القول. إذا كان أكثر من 4 أشهر يجب أن يغسل ويكفّن ويدفن، وإذا كان مستوي الخلقة (له هيئة الإنسان) وكان أقل من 4 أشهر يجب أن يلف بخرقة ويدفن. وفي كل الأحوال لا تجب الصلاة عليه ولا تستحب!

لم أسأل الشيخ إلا حين دخلت زوجتي المستشفى للبدء بإجراء «الإجهاض ». أعطوها حبّة دواء على جرعتين، وفي أقل من 6 ساعات سقط الجنين. «لقد رأيته… إنّه صغير جداً » قالت زوجتي قبل أن تدخل في آلام الخلاص. قال الشيّخ «يجب أن يدفن ».

لكن، هو لم «تنفخ » فيه الروح بعد، حسب الفقه الشيعي، فكيف يكون إنساناً سويّاً؟ لماذا يجب دفنه؟ هل مات فعلاً؟ هل كان حيّاً ليموت؟

لا فائدة من كل هذه الأسئلة. ليست هناك إجابة لأسئلة الوجود الأكثر وضوحاً وبساطة عن الكون والخليقة، فكيف بالسؤال عن الحقيقة في «الظلمات الثلاث »! لقد حان وقت أن أتحمّل شيئا من الألم بنفسي. سألت الممرّضة كيف بإمكاننا أن نستلمه فشرحت لي الإجراءات. اتّصلت بزوج أختي ليرتّب أمر المقبرة.

سألتني زوجتي إن كان يجب أن نسمّيه! تفحّصت الأوراق بحثاً عن جنس الجنين؟ Unidentified (غير محدّد)! لم يستطيعوا أن يتعرّفوا عليه حتى بالعين المجرّدة.

أين المشرحة؟

حملت الأوراق، وذهبت للصلاة سريعاً، ورحت أبحث عن طريق المشرحة. ضيّعتها فنزلت أهيم بين طرق المستشفى، وأسأل كالمعتوه بالإنكليزية والعربية وبالإشارة «أين المشرحة؟ ». وصلت أخيراً. خرج إلي شاب بارد الوجه والملامح، وسألني «أين سيّارتك؟». قلت له «أوقفتها بعيداً ». قال لي «اذهب وأحضرها أمام الباب ». قلت له «لكنّها بعيدة ». قال لي متعجّباً «هل ستتمشّى بالجثّة في شوارع المستشفى ؟!».

كانت تلك ربّما أصعب اللحظات وأشدّها صدمة. هل هو جاد فعلاً؟ هل لهذه «المضغة » حرمتها؟ لقد كنت أظن لوهلة أنها لن تكون سوى سيل من دماء! لماذا لا ننتهي من هذه القصة فحسب! كيف أوصلتني نزوة شبه محسوبة في ليلة ما إلى المشرحة والمقبرة، وأرقدت زوجتي في المستشفى؟! لماذا أنا هنا؟

أحضرت السيّارة، سألني للمرة الأخيرة «هل أمّه موافقة على أن تأخذه؟» قلت له متبرّماً نعم. سمح لي بحمله وذهبت. طوال الأيام الماضية كنت أراه أو أشعر به ميتاً في بطن أمّه، مثل قصّة تافهة لا تعرف حتى كيف تقرأ عنوانها. واليوم هو إلى جانبي في السيّارة. انهارت نفسيّتي. أسرعت إلى المقبرة مع زوج أختي. تركني في السيّارة لوحدي، ربّما ظن أنني أحتاج إلى بعض الوقت معه. حملته وخرجت في حالة من الصدمة واللامبالاة معاً. أخذه الدفّان كما لو كان يأخذ غرضاً. دخل إلى المصلّى ولفّه بخرقة أخرى. ذهبنا إلى قبر والدي، حفر الدفّان القبر، ثم أسنده فوق رأس والدي تماماً. «أشعرني هذا بالسكينة » قالت زوجتي «أريد أن أزوره/ أزورها يوماً »!

ميّت بلا اسم

في كل هذا المشهد، شغّلت الكاميرا مرة واحدة فقط، حين قررت أن أصوّر كيف تسلّمته من المشرحة. علبة ملفوفة بقطعة قماش بنفسجية أنيقة، وعليها ملصق حمل رقم الثلّاجة التي أودع فيها: ثلاجة الأطفال رقم x. وقد مسحت كلمة «موت » من ملصقه، لتستبدل بـ «إجهاض».

ليس لهذا الميّت اسم، ولا جنس. وحالته محيّرة جداً أمام فلاسفة الوجود، فتماما كما كان مشكوكاً في جوهر «حياته »، كان مشكوكاً في حقيقة «موته ». مع ذلك احترم الطب والشرع والقانون «حقّه في الحياة » و «حرمة جثته ».

مكان الاسم، كتب على الملصق «جنين فلانة ». كل المواليد الجدد يربطون بأسماء أمّهاتهم (قبل أن يعطوا اسماً)، لكن هذا الملصق ذكّرني بما يروى في تراثنا الديني أن الناس سينادون يوم القيامة بأسماء أمّهاتهم لا بآبائهم.

كلي قبل أن تموتي!

بماذا ذكّرني ذلك أيضاً يا ترى؟

نعم، كما تخيلتم! بصور تلك الأمّهات والآباء قساة القلب، وهم يكتبون أسماء أطفالهم على أرجلهم وأذرعهم، حتى يُعرفوا بعد أن يقتلوا! هكذا تستعد للموت في غزّة! تكنولوجيا الموت هناك قد تمحو كل عائلتك وكل من يعرفك في ضربة واحدة! يمكن أن تدفن برقم لا باسم!

لم يكن ذلك اتّجاهاً أيديولوجياً، أو دينيا، أو سياسياً، هو فلسفي حد الحقيقة. الموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة، فكيف نسمح بأن يسرق العتاة أسماء أطفالنا وهم يحيلونهم إلى العدم، وكأنهم يزيلون أثرهم في الوجود، كما أزالوا أثر أرضهم وتاريخهم.

قبل سنوات طويلة كنت أتوق إلى الإنجاب دون فائدة. ذكرت ذلك أمام صديق من جماعة المثقّفين (قبل أن يدخل في تحوّل فكري معاكس). قال لي: لماذا، أليس لديك ولد؟ قلت له: أحب أن تكون لي عشيرة! فضحك علي ووصف هذا التفكير بالتخلّف. لكن المسلسل التلفزيوني ويست وورلد West World، غيّر فكرتي عن الحياة، وعن جدارة الحياة. لقد كان تأثيره حاسماً. لماذا ننجب الأطفال؟ هل لنعذّبهم بأسرار هذا الوجود وعبثيّة الخير والشر فيه؟ هل ليذوقوا كل هذه الآلام والعذابات؟ ثم ليذوقوا الموت في نهاية المطاف!

هل ندم الآباء والأمهات الفلسطينيون على إنجاب أبنائهم؟ هل تمنّوا لو أنهم ماتوا قبل أن يرفعوا أطفالهم للسماء، لا لتلقي الرحمة، بل لتلقي القنابل والصواريخ والموت؟!

علق في ذهني مشهد ذلك الرجل الفلسطيني الذي يمازح طفلة صغيرة كانت تتناول صحن طعام في العراء. يسمعان أصوات الانفجارات. يضحكان فيسألها ما هذا الصوت؟ فتقول له: طخ (إطلاق نار). يرتفع صوت ضحكته الساخرة من كل الوجود (هيا إذن.. كلي قبل أن تموتي)... يواصل القهقهة.

منذ مجزرة دير ياسين، وطنطورة، وحتى صبرا وشاتيلا، ثم انتفاضة الأقصى، والفلسطيني يعرف أن طفله هدف مشروع لآلة «الذبح » الإسرائيلية حتى وهو في رحم أمه. الأم الفلسطينية الحامل لا شك تحس بأنها تحمل في أحشائها إنساناً محكوماً بالموت لأنّه مرفوض ومكروه من الإسرائيليين إلى هذا الحد. لكن المرأة الفلسطينية تبقى «ولّادة » بلا حذر!

بعد قراءته القصة، أطلق صديقي المثقف واحدة من حكمه الجديدة: الحذر لا ينقذك من الموت ولا يجنبك الحياة!

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك