«ما تبقى مني يحيى...»
«البكاء وحده لا يكفي»، قلتها وكأن حجراً يخنق حنجرتي لم تخرج الكلمات، ولا الدموع


«البكاء وحده لا يكفي»، قلتها وكأن حجراً يخنق حنجرتي لم تخرج الكلمات، ولا الدموع. كانت صرخة صامتة، تتصاعد مع حرارة جسدي المتعب. للحظة، ظننت أنني أحتضر.
تعبت. ما كل هذا الألم؟ لم أتوقع أن يتغلغل الوجع هكذا في روحي قبل جسدي. قرأت، سمعت، تجهزت... لكن لم أكن مستعدة لما يحصل معي.
لو أخذت الإبرة... لكن من أين لي بها الآن؟ ليت موعد ولادتي جاء قبل الحرب...
حاولت أن أبكي، قرأت مرة أن البكاء يخفف الألم، لكنه لم يفعل. هذا الألم مختلف، ينهشني من الداخل… كعطشٍ لا يروى، كخوفٍ لا يحتمل...
اشتقت إلى طعم الخبز... إلى الماء العذب... تفتت لساني من شدة الملوحة. فقدت صوتي، ونفسي الهشة
في آخر زيارة قالت الطبيبة إسراء إنني بحاجة إلى ولادة قيصرية... أين هي الآن؟ هل لا تزال حيّة، أم صارت في عداد الشهداء؟
هل سينجو طفلي؟ أم سأموت في هذه الخيمة؟ لماذا تدور في رأسي كل هذه الأسئلة، بينما عليّ فقط أن أمارس تمارين التنفس كما علمتني الطبيبة أثناء المخاض؟
لكن الطائرة في السماء لا تفارقنا، صوتها يهددنا بالموت في أي لحظة. هل هذه لحظاتي الأخيرة؟
اشتقت إلى نفسي القديمة، إلى قوتي التي كنت أظنها لا تنكسر...
محمد... ليتك تمسك يدي الآن. ليتني أعرف إن كنت حيًّا أو أسيراً...
مذ اختفيت، وأنا أتكئ بكل ثقل أوجاعي على الدعاء، على ذكرى أمي التي علمتني الصبر...
هل سينجو صغيري يحيى؟
هو ما تبقّى لي من هذه الحياة. هو كما أحب، شبيهك.
محمد… كم أشتاق إليك. ليتك تعود. ليت هذا الكابوس ينتهي...
