لنتحدّث عن خراب الحرب... وخراب الإعمار
لماذا تحدث الحروب؟ ولماذا لا تحدث في كل البلدان رغم وجود الانقسامات فيها


أقام «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» في الجامعة الأميركية في بيروت، ندوة بعنوان «بعد خمسين سنة: ماذا ورثنا من حرب لبنان؟»، بمشاركة الباحثة في العلوم الاجتماعية السياسية وناشرة موقع «السفير العربي» نهلة الشهّال، والمهندس المعماري جاد تابت، ونقيب المهندسين السابق ومستشار وزير الثقافة حالياً. أتت هذه الجلسة كتتويج ليومين من النقاشات المغلقة مع باحثين شباب حول الحرب الأهلية اللبنانية، أدارها مدير المعهد جوزيف باحوط الذي وصف اللقاء بأنه لحظة «تفكّر وتذكّر».
«الحرب لم تنتهِ... نحن في حالة استعداد دائم لها»
في مداخلتها، طرحت نهلة الشهّال تساؤلاً جوهرياً: «لماذا تحدث الحروب؟ ولماذا لا تحدث في كل البلدان رغم وجود الانقسامات فيها؟»، معتبرةً أن هذا السؤال مفتاح لفهم الاستثنائية اللبنانية في التحول الدوري إلى العنف الأهلي. وتوقفت عند ما وصفته بـ«اللا انتهاء» للحرب الأهلية الأخيرة، موضحةً: «هي انطفأت لكنها لم تنتهِ. نحن في حالة استعدادٍ دائم لحربٍ جديدة».
ورأت الشهّال أن أسباب الحرب الأهلية لا تقتصر على العوامل الداخلية، بل تتشابك مع تحولات إقليمية ودولية. فعلى سبيل المثال، أحداث 1958 لم تنفجر فقط بسبب الخلافات اللبنانية، بل نتيجة التحاق كميل شمعون بحلف بغداد، وتشكيل الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، إلى جانب الثورة في العراق. هذه التحولات رسمت سياقاً إقليمياً مشحوناً انعكس على الداخل اللبناني.
وأضافت الشهّال أن الحرب الأهلية الكبرى التي اندلعت عام 1975 سبقها توترات متصاعدة، منها أحداث 1973، مشيرةً إلى أن لبنان «بُني على فكرة أن له دوراً»، مستفيداً من موقعه الجغرافي وتوازناته الطائفية، ليصبح وسيطاً بين الغرب والمنطقة العربية في المال والتجارة والسياحة. لكن انهيار القطاع المصرفي، وانفجار مرفأ بيروت، قضيا، رمزياً وفعلياً، على ركيزتين من ركائز هذا الدور، مؤكدةً أن «العالم أعجب سابقاً بـ«شطارة» الحاكم، لكنه اليوم مسجون».
وشددت الشهّال على أن الدعوات لتغيير الصيغة السياسية اللبنانية لا طائل منها، لأنها عملياً انتهت، ولم تتبلور صيغة بديلة. واعتبرت أن مفتاح الخروج من احتمالات الانفجار المستمر يكمن في بلورة دور جديد للبنان، مع التأكيد أن «الازدهار السابق لن يعود»، بل المطلوب إعادة تعريف للدور يقوم على الإمكانات المتبقية، وعلى رأسها التعليم، الذي دعت إلى حمايته باعتباره خط الدفاع الأخير عن بقاء الدولة. وذكّرت بأن لبنان كان يضم 82 دار نشر عشية الحرب، ما يعكس مستوى إنتاجه الثقافي والمعرفي حينها.
-
دعت نهلة الشهال إلى حماية التعليم باعتباره خط الدفاع الأخير عن بقاء الدولة
«إعمار لبنان... مرآة لحرب لم تنتهِ»
من جهته، تناول جاد تابت المسألة من منظور سياسات الإعمار، مؤكداً على أنّ «المنطق الذي أرسته الحرب لا يزال يحكم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى اليوم»، ما يعني أن الحرب لم تنتهِ فعلياً. ورأى أن الخطاب حول «الاستثناء اللبناني» هو خرافة مكررة، فكل ما عاشه لبنان خلال الخمسين سنة الأخيرة من فوضى، وإخفاقات، وسياسات عمرانية مجتزأة، هو انعكاس لموجات عالمية بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي.
واستعرض تابت تجارب إعادة الإعمار، بدءاً من مشروع بلدية بيروت بعد «حرب السنتين» الذي لم يرَ النور بسبب استئناف الحرب، وصولاً إلى مشاريع الثمانينات مثل مشروع ساحل المتن الشمالي، حيث مُنح الحق لشركة خاصة بردم البحر مقابل حصة من العائدات للدولة.
ثم توقف مطولاً عند تجربة «سوليدير»، واصفاً إياها بـ«الانقلاب» على مشروع البلدية السابق. فقد قامت على فكرة إلغاء الوسط القديم وبناء وسط جديد، مستندةً إلى وهم التسويات الإقليمية وأوسلو والسلام، وعلى طموحات بعودة لبنان كوسيط مالي وتجاري. ورغم الترويج لهذه الطموحات، فإن المشروع عزل المساحات العامة، وهمّش الدولة، وأفرغ قلب العاصمة من بعده الاجتماعي.
وفي المقابل، أشار تابت إلى تجربة «وعد» بعد حرب تموز 2006، التي قدمت نموذجاً مغايراً لـ«سوليدير»، عبر إعادة السكان إلى أماكنهم الأصلية بدلاً من تهجيرهم. إلا أن المشروع أعاد إنتاج منطق الفوضى العمرانية، عبر تغيب الدولة، وتفشي مخالفات البناء، وغياب الحدائق والمساحات العامة.
أما تجربة إعادة إعمار بيروت بعد انفجار المرفأ، فرأى فيها تابت حالة مكررة. فقد غابت الدولة، وغاب التمويل، فيما تولّت منظمات غير حكومية المهمة بموارد خارجية ومبادرات تطوعية. رغم بعض المحاولات لإعادة إحياء الفضاء العام، اصطدمت المشاريع بـ«الفيتو» السياسي، كما حصل في مار مخايل، حيث رفضت «القوات اللبنانية» إقامة ساحة عامة بذريعة أنها ستجلب «بائعين سوريين ومخدرات»، في موقف يعكس النزعة الطائفية والمناطقية في التخطيط المديني.
الجنوب كاختبار جديد
واختتم تابت مداخلته بالإشارة إلى أن إعادة إعمار الجنوب اليوم تشكل تحدياً حقيقياً، خاصة في ظل محو عدد من القرى بالكامل. ودعا إلى صياغة نموذج جديد يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، من بلديات ومديريات آثار وإسكان، ويستفيد من رساميل الاغتراب، ويؤسس لمشاريع قائمة على خطط تشاركية مع السكان. فإعمار الجنوب، وفق تابت، ليس مجرد مشروع ترميم، بل رهان على كسر الحلقة المفرغة التي كرّستها الحرب وتوارثتها أجيال ما بعد الحرب.
