جو قديح عائداً كي يحكي «القصّة كلها»
أن تسمّي مسرحيتك «القصة كلها» فيها الكثير من الشجاعة، لا بل حتى الغرور في مكانٍ ما.


مَن يكون هذا الشخص الذي يريد أن يروي «القصة كلها»؟ أو القصة كاملةً؟ من يمتلك مفتاح الحكاية وتفاصيلها كي يحكيها كاملة؟ هناك مثلٌ بالإنكليزية يقول بما معناه: «إنه ليس ادعاءً إذا ما استطعت إثبات أنك تستطيع الإتيان بالأمر».
ما يريده الجمهور
من هنا كان أمام أستاذ المسرح والمخرج اللبناني جو قديح مغامرةٌ ما بعدها مغامرة. أن يبقى في عباءة الستاند أب كوميدي التي قدّمها في السنوات الفائتة، مازجاً إياها مع مدرسته الخاصة في المسرح القائمة على «فهمه» الذكي لمجتمعه وجمهوره قبل أي شيء.
يفهم قديح جمهوره تماماً، يعرف ماذا يريد، وكيفية الحديث معه. وهذه ربما أهم ميزةٍ لديه، أهم حتى من أي لعبةٍ مسرحية يمكنه أداءها.
التلميذ المحبّب لجلال خوري -أحد أعمدة المسرح اللبناني- فهم لعبة المسرح وتدرّب عليها على مدى سنواتٍ طويلة.
صحيحٌ أنه غاب لأكثر من خمس سنواتٍ عن الخشبة، إلا أنه أثبت في عرضه الجديد على «كازينو لبنان»، أنَّ «الدهن في العتاقي» كما يقول المثل المصري الشعبي.
يعرف من يفهم في لعبة الستاند أب كوميدي، أنَّ جو تعدّى الأمر منذ مدةٍ طويلة، خصوصاً بعدما قدّم مسرحيةً عميقة متعددة الأبعاد والأصوات والأبطال من نوع «علاقات خطرة» (مسرحية مقتبسة عن الرواية الفرنسية الكلاسيكية Les Liaisons Dangereuses للكاتب بيار شودرلو دو لاكلو.
عُرضت للمرة الأولى عام 2016 على خشبة مسرح «الجميزة» في بيروت)، وأخرى سياسية وذكية بامتياز مثل «الشرّ الأوسط» (مسرحية سياسية ساخرة عُرضت للمرة الأولى عام 2003 على مسرح «لاماما» التجريبي في نيويورك. أُعيد تقديمها في بيروت عام 2008، ثم نُظّمت عروض جديدة لها عام 2019 على مسرح «مونو»).
من القضايا السياسية إلى مرض السرطان
خلال هذه السنوات الخمس، غاص جو بداخله قبل كتابة هذه المسرحية كي يخرج بما يمكن اعتباره «خلاصة» دينامية لما حدث ليس معه فقط، بل حوله وخلاله حتى: من القضايا السياسية الكبرى، إلى اليومي المعاش، إلى الشخصي الأنوي المليء بالتناقض والألم، وصولاً حتى إصابته بمرض السرطان.
إنها ليست حكاية فردٍ بمقدار ما هي حكاية شعبٍ بأكمله، وتجارب ممتدة. لعلّ قديح هو الوحيد الذي تناول بجرأة موضوع الجمعيات غير الحكومية ومجتمع المثليين، مشيراً إلى «تابوهات» الحديث في هذه المواضيع ساخراً من أنّها تتحول شيئاً فشيئاً إلى ما تحاربه: شأن مقدس لا يجرؤ أحدٌ على الحديث عنه.
بجرأة موضوع الجمعيات غير الحكومية ومجتمع المثليين
استخدم قديح تقنية الدمج المسرحية حين جمّع مقاطع من عروضه الفردية السابقة («حياة الجغل صعبة»، و«أم الكل»، و«أبو الغضب» وسواها).
هل ما تزال هذه «التعليقات» أو «القفشات» التي انتقاها حيةً ويمكن مراكمتها لدى الجمهور؟ هنا تظهر «حرفة» قديح: إنه يعرف جمهوره جيداً. الميزة نفسها ظهرت عبر اختياره إضافة «لعبةٍ» بصريةٍ عبر إيجاد حوار له مع طبيب نفسي لا يتكلّم إلا بالموسيقى، عبر المايسترو بسام شليطا عازف البيانو ومؤلف الموسيقى الخاص بالعمل.
منح قديح لشليطا قدرة التحدّث بالموسيقى لا بالكلمة، وهي أيضاً خطوة متقدمة، ذلك أنّه لا يريد إلا صوته على المسرح. قد ينظر بعضهم إلى الأمر باعتباره «ديكتاتورية مسرحية» كما أشار أبو المسرح الألماني بريتهولد بريشت متحدثاً عن الصوت الواحد في العمل المسرحي الدرامي (أو حتى الكوميدي). إنه صوت المتحدث الذي يستفيد من جميع الأصوات الخافتة حوله ليخلق صوتاً مستقيماً يضعه أمام الجمهور المتلقي لخلق الصورة المشتهاة، وهو ما فعله قديح بدقة.
عودة قديح للمسرح ليست أمراً عادياً، ولا شأناً بسيطاً، خصوصاً لمن ينظر إلى الفنّ بصفته دافعاً لتقدّم المجتمعات بأسرها. قد يسأل القارئ: أليس في المسرحية أخطاء؟ أو عثرات؟. بالتأكيد هناك، لكن في مجتمعٍ لا مسرح فيه، إلا القليلُ، فإن أي «إضاءة لشمعة مسرحية» عملٌ يستحق التصفيق، خصوصاً إذا ما بذل فيه الجهد المبذول في «القصة كلّها».
