يوسف عبدلكي في مواجهة «الملتحين»
أحد أبرز أعمدة الفن التشكيلي السوري الحديث يتعرّض لحملة تخوين بعد ربطه الهوية البصرية الجديدة لسوريا بلحية طويلة في إشارة إلى السلطة التي تمثل حركات إسلامية متشددة.


من النادر أن يهزّ كاريكاتور فني الرأي العام السّوري، ليس استخفافاً بهذا النوع من الفنون وإنما بسبب قلة من يعطوه أهمية في هذا الوقت إلا إذا كان يعبّر عن صدام بين المجتمع الثقافي والسلطة السياسية. وفي هذا السياق، فعلها يوسف عبدلكي، أحد أبرز أعمدة الفن التشكيلي السوري الحديث بكاريكاتور مصحوب بكلمتين «الهوية البصرية » على منصة «أوان ». وسرعان ما اشتعلت حملة تخوين ضد الفنان بعد ربطه الهوية البصرية الجديدة لسوريا بلحية طويلة في إشارة إلى السلطة التي تمثل حركات إسلامية متشددة. وهذا ما اعتبره كثيرون «شيطنة » للنظام السوري الجديد.
بين الفحم والكاريكاتور... سيرة فنية لا تُطوَّق
اسم التشكيلي يوسف عبدلكي ليس طارئاً على المشهد الثقافي، بل ممن رسّخوا حضور الفن في معادلة المواجهة السياسية ضد السلطة. ومن المعتقلات البعثية إلى مرسمه الباريسي، ومن معارضه التي تناولت الموت والمعتقلين والنساء العاريات بالفحم، إلى رسوماته الكاريكاتورية في العقد الأخير، ظلّ عبدلكي يرسم بسكين، لا بفرشاة. لم يكن يوماً فنان النظام، ولا فنان المعارضة الرسمية. هو معارض جذريّ، انتمى في شبابه إلى رابطة العمل الشيوعي، وعاد إلى سوريا خلال ما سمي بالربيع العربي.
كاريكاتور بلحية طويلة... هل تجاوز الخطوط الحمر؟
الرسم الأخير لعبدلكي في منصة «أوان» حول الهوية البصرية الجديدة لسوريا بعد «التحرير» المرفقة بلحية طويلة، هو إحالة بصرية واضحة إلى الطابع الإسلامي المتشدد للحكم المسيطر سوريا اليوم. ورغم بساطته لكنه استدرج حملة غاضبة من مؤيدي الدولة السورية الجديدة. فاتُّهم عبدلكي بتنميط الإسلاميين، وبـ «الاستعلاء النخبوي»، بل بالتسرع وسوء التقدير. وجاء في أحد التعليقات: «يوسف عبدلكي صاير يشتغل كاريكاتير… كان عليه البقاء على الرسم بالفحم، فهو معلم فيها، أما النوع الجديد فلا يبدو عليه النضج».
الانتقادات لم تقف عند حدود الرأي الفني، بل تحوّلت إلى حملة منظمة تمسّ تاريخه وسمعته، في مشهد يذكّر بممارسات أنظمة لا تفصل بين اللوحة والولاء.
اللافت في حملة الهجوم هو انكشاف التناقضات لدى المهاجمين. المترجم السوري المقيم في تركيا، جمال مامو، علّق على الرسم بالقول: «توقفوا عن تنميط الإسلاميين وتشويه صورتهم في مخيلاتكم المريضة النخبوية، وتعاملوا معهم كقوى سياسية لها الحق في الوجود والوصول للحكم». لكنه هو نفسه دافع عن التنميط الذي مارسه وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح بحق أحد مكونات الشعب السوري. وكأن صورة «اللحية» حرام فقط إذا رسمها عبدلكي، وحلال إذا وُظّفت في السردية الطائفية الرسمية.
معارضة مزدوجة... وثورة لم تكتمل
ليست هذه المرة الأولى التي يضع فيها عبدلكي إصبعه على الجرح. في عام 2017، كتب في «القدس العربي» مقالاً بعنوان «وما بدلوا تبديلاً »، قال فيه: «نهاية عام 2012 لم تعد هناك ثورة... أظن أن من يتحدثون اليوم عن «الثورة» إما أنهم لا يعرفون ما حصل خلال خمسة أعوام في سوريا، أو أن أذهانهم تثبتت – بسبب نقائهم وطوباويتهم – عند لحظة الثورة البهية، ولا يريدون أن يعترفوا ببشاعة الواقع الذي جاء بعدها، أو أنّ لديهم مصلحة في تسويق المصطلح لأسباب أعرفها وأخجل أن أفصح عنها». هذا الموقف الذي يتجاوز الثنائيات السائدة عبّر عنه في لوحات سابقة له، ولم يلق ترحيباً من جمهور الطرفين.
قال عبدلكي في إحدى مقابلاته: «ليس المطلوب من الناس أن يفهموا اللوحة كنقّاد، لكن المفروض ألا يصادروا إحساسهم العفوي والسليم تجاه اللوحة في سبيل مشاهدة «المعاني » الخاصة فيها. فاللوحة، مهما كانت معانيها بسيطة أو عظيمة أو صادمة، فإنها كعملٍ فنيّ، أكبر من (المعاني) التي تحتويها». لكن هذا التوق للفن الحرّ يصطدم دائماً بواقع شعوب لم تعتد بعد على الفصل بين المنتج الفني وصاحبه، أو بين الموقف السياسي والحق في التعبير. في زمن يُراد فيه للفنان أن يكون بوقاً أو ضحية، يختار يوسف عبدلكي أن يكون مجرّد فنان... يرسم ما لا يُرسم.





