«شهرزاد» تعود إلى أمّتها العربية
عادت شهرزاد إلى أمّتها العربية ليطغى صوتها على حفيف أوراق العريش في نسمة الصيف الجبلية


محاطة بالمروج الخضراء وغروب الشمس الذهبي، أفردت «أوركسترا الفردوس» أمسية راقية في قلب بساتين عنب مصنع نبيذ «إكسير» في قضاء البترون، فعادت شهرزاد إلى أمّتها العربية ليطغى صوتها على حفيف أوراق العريش في نسمة الصيف الجبلية، فيما تربّع شهريار على عرش المسرح المركّب فوق الكروم. وكما كان يُقال إنّ الإكسير يحوّل الفضّة إلى ذهب، حوّلت الأوركسترا «إكسير» إلى فردوس، فاستحقّت اسمها عن جدارة.
نقطة تلاقي الشرق والغرب
بقيادة المايسترو هاروت فازليان، قُدّمت مساء الخميس الماضي رائعة ريمسكي كورساكوڤ، «شهرزاد» المستوحاة من رواية «ألف ليلة وليلة»، بحلّة أعادت إليها «شرقيّتها»، بل أضافت إليها كما أضفت عليها نكهة لبنانية خاصّة. هكذا، عادت أنغام المؤلّف الروسي الكبير لتصدح من آلات الأوركسترا الآتية من دبي، فتحقّق الانسجام في لبنان الذي يتغنّى بكونه نقطة تلاقي الشرق والغرب. علماً أنّ الفرقة تتألّف من عازفات نساء فقط، من جنسيّات مختلفة.
تعاون مع الشاعر هنري زغيب
فوق ذلك، أبى فازليان إلّا أن يعرّج على المتتابعة السمفونية التي صدرت عام 1888 في ذروة الانبهار الاستشراقي مستمدّةً رونقها من «ألف ليلة وليلة». فأضاف لمسته الخاصّة من آلات شرقية وموسيقى وإعادة ترتيب، بالإضافة إلى عرض تمثيلي أثمر تعاوناً مع الشاعر هنري زغيب لإنتاج نصّ لعبت فيه جنى أبي غصن دور شهرزاد، فيما تولّى جلال مروان الشعّار دور الملك شهريار. وفيما يبدو بعض المقاطع مغايراً تماماً عن العمل الأصلي، وكأنّنا فقدت شرارتها، إلّا أنّها من ناحية أخرى تظهر منسجمة مع هوية العمل الجديد، علماً أنّ التقييم النهائي يعود إلى كلّ شخص وذوقه.
عمل أكثر حميمية
في حديث معه، يقول لنا المايسترو الذي يقود أيضاً الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية وسبق أن قاد حفلات السيّدة فيروز، إنّه يتصوّر العمل الأصلي لكورساكوڤ «الأوركسترالي العظيم على أنّه مسرف، كأنّه في قصر. لذا أردت تحويله إلى عمل أكثر حميمية، ربّما مع آلات شرقية وأوركسترا وترية وخيمة». ويلفت إلى أنّه «غيّرت مفهوم العنف من أساسه لأنّني لا أستسيغه. أضفت كلّ آلة شرقية كأنّها لوحدها، أي لكلّ منها شخصيّتها، بعكس الانسجام المعتاد في المعزوفات الذي لا يعجبني».
باللهجة اللبنانية
عن تعاونه مع الشاعر هنري زغيب، يقول فازليان إنّه يعود إلى أعمال سابقة، بحيث «ترجمنا في المرّة الأولى أوبرا موزار Bastien und Bastienne إلى اللهجة اللبنانية، إذ لم يقبل زغيب بالعربية الفصحى. في المرّة الثانية اقترحت Egmont لبيتهوفن، فترجمناها إلى العربية وقدّمناها مع الأوركسترا. أمّا بالنسبة إلى «شهرزاد»، فذهبت إليه وفسّرت كلّ ما أردت القيام به بما في ذلك الفكرة والمونتاج والشخصيّات». ويشير إلى أنّه رغم صعوبة العزف في الهواء الطلق بالنسبة إلى الموسيقيّين لما للندى من تأثير، إلّا أنّه لا يمكن تخيّل نوع آخر من الموسيقى في مكان مثل الذي اختاره لعرضه الأخير، وهو «جيّد جدّاً لما أردت قوله موسيقيّاً». ويؤكّد أنّه ستكون هناك عروض جديدة في لبنان في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
كيمياء بين جنى أبي غصن وجلال مروان الشعّار
تمثيليّاً، تظهر بين الثنائي جنى أبي غصن وجلال مروان الشعّار كيمياء لا تخالف الخيال الجماعي عن الحكاية الأصلية، فتستحيل المشاهد سلسة، سهلة الهضم، غير مزعجة عندما تأتي بين المقطوعة الموسيقية والأخرى. غير أنّ هناك عاملاً مؤثّراً ربّما لا يتنبّه إليه الجمهور أو حتّى يكترث، لكنّ ذلك لا ينفي أهمّيته: اللغة. من الواضح أنّ الممثّلَين ركّزا على قواعد اللغة وحفظا الكلمات كما يجب أن تكون عن ظهر قلب، غير أنّه كان هناك بعض الأخطاء في القواعد والتحريك، والأهمّ في اللفظ، كما في همزة المدّ، ولفظ الجيم على أنّها حرف شمسي، وعدم تحريك أواخر بعض الكلمات (عدا عن التحريك الخاطئ في حالة أو اثنتين)، والركاكة في لفظ القاف (بالنسبة إلى أبي غصن). هو عامل قد يُعتبر سخيفاً لكثر، غير أنّ لبّه يكمن في متطلّبات رواية مثل «ألف ليلة وليلة» عمادها اللغة، وقد وقف ذلك عائقاً أمام اكتمال حلقة السلاسة التي أظهرها التمثيل والتألّق الذي تميّز به العامل الموسيقي.
لا يؤثّر ما سبق كثيراً في النتيجة النهائية، فنكون أمام عمل متماسك، بل عظيم إلى درجة يمكن إضافته كمحطّة ثالثة إلى جانب إصدار «ألف ليلة وليلة» ومن ثمّ سمفونية «شهرزاد». لا شكّ في أنّ هناك جهداً كبيراً مبذولاً، وهو أمر جيّد، علّ الشرق يسترجع كلماته فتليق بألحان الشرق والغرب.


