بيان نويهض الحوت… صوت الذاكرة الفلسطينية
ولدت بيان نويهض الحوت في القدس عام 1937، في بيتٍ مناضل عُرف بإسهامه في القضية الفلسطينية.


خسر القضية الفلسطينية احدى أبرز مناضلاتها، التي جمعت بين الفكر والموقف، التوثيق والنضال، الكلمة والموقف الجريء. إذ توفيت صباح اليوم عن عمر ناهز 88 عاماً.
ولدت بيان نويهض الحوت في القدس عام 1937، في بيتٍ مناضل عُرف بإسهامه في القضية الفلسطينية، فهي ابنة عجاج نويهض، المؤرخ والمناضل القومي اللبناني الفلسطيني، أحد مؤسسي «حزب الاستقلال العربي» عام 1932،الذي ترك بصماته في مقاومة المشروع الصهيوني. نشأت الراحلة في كنف والدٍ كان له الأثر الأكبر في تشكيل وعيها السياسي والقومي، قبل أن تضطر لمغادرة القدس مع والدتها وأخواتها في نيسان (أبريل) 1948 إثر النكبة، بينما بقي والدها في المدينة لمتابعة عمله الوطني.
تنقّلت بيان في طفولتها بين رام الله وعمّان، وأكملت دراستها في دار المعلمات في رام الله، حيث بدأت تكتب الشعر متأثرة بوالدتها الشاعرة جمال سليم.
توثيق مجازر صبرا
وفي خمسينيات القرن الماضي، انخرطت مبكراً في العمل السياسي، فانتسبت إلى «حزب البعث العربي الاشتراكي»، قبل أن تدفعها خيبة الانفصال السوري-المصري عام 1961 للاستقالة احتجاجاً على ما اعتبرته نكسة قومية.
بعدها تحولت بيروت إلى ملاذها منذ عام 1959، ومعها بدأت مسيرتها الصحافية في مجلة «دنيا المرأة»، ثم مجلة «الصياد»، حيث برزت مقالاتها المبكرة حول الثورة الجزائرية، كما أجرت حوارات مع شخصيات فكرية وقومية بارزة من أمثال المهدي بن بركة، وساطع الحصري، وزكي الأرسوزي.
تزوجت في 1962 من المناضل الفلسطيني شفيق الحوت، أحد رموز المقاومة الفلسطينية وأحد مؤسسي «جبهة تحرير فلسطين» (طريق العودة)، وكان ارتباطها به امتداداً لمسيرتها الفكرية والنضالية، إذ عمّق حضورها في أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية، لتلتقي بشخصيات قيادية بارزة مثل كمال عدوان، صلاح خلف، وأبو يوسف النجار.
لم تتوقف بيان نويهض الحوت عن تحصيلها العلمي، فحصلت على إجازة في العلوم السياسية من «الجامعة اللبنانية» عام 1963، ثم دبلوم الدراسات العليا في القانون العام سنة 1970، والعلوم السياسية عام 1971، وصولاً إلى الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1978.
من أبرز المحطات المضيئة في حياة بيان، كانت توثيق مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، إذ شرعت سراً بجمع شهادات الضحايا وذويهم، إضافة إلى شهادات رجال الإسعاف والمتطوعين، من أجل فضح الرواية الإسرائيلية الرسمية المسماة «تقرير كاهانا». وقد تكلّل جهدها المضني بإصدار كتابها المرجعي «صبرا وشاتيلا: أيلول 1982» الصادر عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» عام 2003، وهو عمل وثائقي نادر اعتمد في فترة لاحقة كوثيقة قانونية كان من المفترض أن تستخدم في محاكمات دولية لولا التدخلات السياسية التي حالت دون ذلك.
فلسطين... حياة كاملة
لم يكن ارتباط بيان نويهض الحوت بقضية فلسطين مجرد موقف سياسي أو مهمة توثيقية، بل كان حياة كاملة كرّستها للبحث والتأريخ والنضال. شغلت مواقع قيادية في «الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي»، و«المؤتمر القومي الإسلامي»، و«مجلس إدارة مؤسسة القدس». كما أسهمت في تحرير مجلات فكرية مرموقة مثل «المستقبل العربي» و«الدراسات الفلسطينية»، وعملت مع مؤسسات بحثية كمركز «دراسات الوحدة العربية» و«مركز الأبحاث الفلسطيني».
ودرّست في «الجامعة اللبنانية» منذ 1979، إذ كانت من أوائل الأكاديميين الذين قدّموا مقررات متخصصة عن «القضية الفلسطينية وقضايا الشرق الأوسط»، وواصلت مسيرتها البحثية في توثيق التاريخ الفلسطيني والعربي الحديث، لتترك لنا إرثًا فكريًا يضم عشرات الكتب، من أبرزها: «الشيخ المجاهد عز الدين القسام في تاريخ فلسطين» (1987)، «فلسطين: القضية، الشعب، الحضارة» (1991)، «مذكرات عجاج نويهض: ستون عاماً مع القافلة العربية» (1993)، «إشكالية الوعي والذاكرة العربية» (2012)، «أحاديث ومراسلات عجاج نويهض: الحركة العربية 1905-1935» (2022)، «رجال من فلسطين كما عرفتهم» (2023)
