جمعية «بلادي»: إسرائيل تريد محو ذاكرة الجنوب
قبل سبع سنوات، في مطعم ناءٍ في تشاد، كان وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة وفريق عمله يتناولون الغداء بعد يوم عملٍ شاق.


قبل سبع سنوات، في مطعم ناءٍ في تشاد، كان وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة وفريق عمله يتناولون الغداء بعد يوم عملٍ شاق.
استقبلهم صاحب المطعم، اللبناني الأصل، ولم ينتظر طويلاً حتى أشار إلى صورة منزله المعلّقة على الحائط، قائلاً: «أنا هنا وُلدت، ووُلِد أبي، ولا يمكنني أن أنسى هذا البيت»، قبل أن تنهمر دموعه.
منذ ذلك اللقاء، لم تفارق صورة البيت ذهن سلامة، ولا يزال يتساءل إن كان لا يزال قائماً أو بات ركاماً بفعل الغارات الإسرائيلية، كما حدث مع عدد من البيوت والأسواق في النبطية وجوارها.
بين الترف العاطفي والتحدي الواقعي
في لقاء دعا إليه الوزير سلامة لعرض نتائج تقرير المسح الميداني الذي أجرته جمعية «بلادي» في منطقة النبطية للمنازل التراثية في المكتبة الوطنية في منطقة الصنائع قبل أيام، عبّر نقيب المهندسين السابق، جاد تابت، عن موقف يصفه بعضهم بالواقعي وربما المتشائم.
قال إنّ الحديث عن التراث في ظلّ القصف والمسيرات الإسرائيلية قد يبدو «ترفاً عاطفياً» أمام مشهد الدمار والخراب المتكرر.
-
«سوق الغلّة» في النبطية عام 1952 (ماهر غندور)
لكن يلفت تابت إلى نقطة محورية، بأن هذه الحجارة التي نرثيها اليوم ليست جماداً، بل هي امتداد لذاكرتنا الجماعية، التي بناها الأجداد وتفاعلت مع البيئة المحيطة، من السهول والجبال والوديان، ومع الساحات العامة والمجالس.
هذه البيوت والأسواق ليست فقط أماكن إقامة، بل أماكن ذاكرة وهوية، وهي الركن الأساسي في صمود الناس وتمسكهم بالأرض.
يشير تابت إلى المواجهة الخفية بين «ذاكرة الأمكنة» كما نعرفها في قرانا، وبين «نموذج المستعمرة» كما تسعى إسرائيل إلى فرضه.
فالمستعمرة ليست مجرد احتلال جغرافي، بل مشروع استيطاني يطمح إلى طمس الذاكرة، ومحو ما كان، وخلق أماكن جديدة بلا تاريخ، وبلا رواية، وبلا انتماء، لتصبح تجمعات عمرانية مُستحدثة يُجلب إليها غرباء لا يملكون صلة بالمكان سوى رواية «أرض الميعاد».
في المقابل، «ذاكرة الأمكنة» في الجنوب اللبناني هي ذاكرة عضوية، متعددة، نمت وتطورت من بيت الفلاح إلى السوق إلى الخان إلى ساحة الضيعة، وهي لا تزال شاهدة على حياة الناس وعلى مقاومتهم الممتدة، وهي ليست فقط جزءاً من الماضي، بل أداة في معركة الحاضر.
التدمير كجزء من المشروع الاستعماري
من جهته، اعتبر وزير الثقافة غسان سلامة أنّ ما جرى في النبطية ومحيطها لم يكن مجرد أضرار جانبية، بل جزء من مشروع منهجي، يهدف إلى التدمير أولاً ليُزيل الموجود، ويمهّد لبناء نموذج جديد يُكرّس الاستعمار والسيطرة.
وبقاء الأبنية التراثية يشير إلى استمرار الوجود الأصلي وشرعية الأرض، لذا تعمل إسرائيل على تدميرها قبل أي توسّع.
ورغم وقف إطلاق النار المعلن، ما تزال الاعتداءات مستمرة. ويرفض سلامة اعتبار ذلك اتفاقاً حقيقياً، بل يرى فيه تفاهمات سياسية هشّة، فيما تُستكمل عمليات الاغتيال والانتهاكات.
الحرب، كما يقول، لم تتوقف. وفي ظل تراجع المساعدات الدولية بسبب أزمة أوكرانيا، تعهد الوزير بأن تلعب وزارة الثقافة دورها في إعادة البناء، رغم إمكاناتها المحدودة، مؤكداً أنّ لبنان بحاجة إلى ما بين 11 و12 مليار دولار لإعادة الإعمار.
عندما يُصبح الحجر غباراً
من جهتها، قدمت رئيسة جمعية «بلادي»، جوان فرشخ بجالي، عرضاً لنتائج المسح الذي أجرته الجمعية بالتعاون مع كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية والبلديات، وقد شمل خمس قرى شمال الليطاني، وهي: النبطية، النبطية الفوقا، كفرتبنيت، زوطر الشرقية، وزوطر الغربية.
أظهرت النتائج أن 25 في المئة من البيوت التراثية كانت مهملة قبل الحرب، وهي نسبة طبيعية. لكن بعد القصف، تبيّن أنّ الاحتلال استخدم أسلحة فتاكة إلى حد أنّ الحجر التاريخي الذي لا يحتوي مواد كيميائية، تفتت وبات غباراً، ما يعني أن عملية إعادة بناء هذه البيوت مستحيلة.
وتبيّن أنّ بعد الحرب، باتت 66 في المئة من البيوت التراثية غير قابلة للسكن، وهذا في خمس قرى فقط. أما باقي القرى، فلم يكن ممكناً حتى إتمام المسح فيها بسبب حجم الدمار، كما حدث في العديسة، إذ بدا هدف الاحتلال واضحاً، وهو محو الآخر عبر محو عمرانه وسرديته.
وحذّرت فرشخ من كلفة تغيير السردية من «هذا منزل جدي» إلى «كان لجدي منزل»، فهذا سيمهد إلى تغيّر العلاقة بالأرض والارتباط بها، ويصبح هناك عامل فصل بين الأجيال.
وتضمّن اللقاء أيضاً شرحاً قدمته الأكاديمية رنا الدبيسي للمنهجية التي اعتمدت في عملية المسح، فيما استعرض الباحث حبيب صادق واقع التراث العمراني في النبطية، محذراً من أزمة هوية كاملة في حال استمر هذا التجاهل أو العجز أمام الدمار.
