الكنيسة... مسرحيّته الأخيرة
درجات الحرارة مرتفعة، والكنيسة تزدحم بنجوم ومشاهير يبحثون عن مقعد. النعش يرقد هادئاً، لا يبدو أنّ ما يجري يعنيه، فالجنازات تُقام للأحياء لا للموتى.


درجات الحرارة مرتفعة، والكنيسة تزدحم بنجوم ومشاهير يبحثون عن مقعد. النعش يرقد هادئاً، لا يبدو أنّ ما يجري يعنيه، فالجنازات تُقام للأحياء لا للموتى.
هل ثمّة نهاية تليق بزياد الرحباني أكثر من أن تُقام جنازته في الكنيسة، لا بوصفها «بيت الله»، بل بوصفها مسرحاً؟ هل يمكن تخيّل مشهد أخير لهذا الفنان المتمرّد، أكثر فوضويةً من هذا التجمّع الذي بدا كأنّه استُخرج من نصوصه المسرحية، ومن جمهوره الموزّع دائماً بين الغناء والاعتراض، بين الصلاة والشتيمة، بين البكاء والضحك؟
إذاً، هي الكنيسة. المسرح الأخير للفنان زياد الرحباني. مكانٌ مناسب للمسرح السياسي وللخصومة. أليست الخصوم تجتمع عند الله؟
درجات الحرارة مرتفعة، والكنيسة تزدحم بنجوم ومشاهير يبحثون عن مقعد. النعش يرقد هادئاً، لا يبدو أنّ ما يجري يعنيه. فالجنازات تُقام للأحياء، لا للموتى.
لكنّ زكريا القابع داخل زياد في «بالنسبة لبكرا شو»، لن يترك اللحظة تمرّ من دون «مانفيستو» جديد: «بدّك تعمل ثورة؟ بلّش من بيتك، من حالك». ويبدو أنّ الكنيسة أغرته للتنفيذ.
وبينما يحاول الرهبان بدء الصلاة، تبدأ مجموعة من رفاق زياد أو محبّيه بالغناء: «وتذكرت عيونك يا ليلى...». يتأفّف بعضهم: «هلّق وقت ليلى؟ مش سامعين الصلاة؟».
أليس هذا الحوار فالتاً من زياد؟ حسناً، إذا لم تصدّق، زاد عدد المنضمّين إلى فرقة الغناء. لكنّ الكنيسة لن تسمح بهذا العصيان، فرفعت صوت التراتيل، وانهزم الفنّ مرة جديدة أمام السلطة... أي سلطة. لكنّ زياد لن ييأس سريعاً.
يحاول أن يلملم عناصر مسرحيّته. يستفيد من حضور شخصيات تتزاحم للبكاء عليه. وهي تمثّل كل شيء وقف ضدّه. يضحك وبقول في سرّه «هيدا مش استديو.. هيدا كاريكاتور عن البلد». لكنه يحتاج إلى عنصر أقوى. عنصر يهزّ الكنيسة والرأي العام معاً. يدخل شبابٌ من بعلبك، يقتربون من النعش، يقرأون الفاتحة. تزداد الكتلة الإسلامية داخل الكنيسة، فيصرخ «منيحة».
في زاوية أخرى على أكتاف بعض الحضور، تستريح الكوفيات والأعلام الفلسطينية... «يبتسم». الآن، صارت الكنيسة تشبه مسرح زياد أكثر. كل مجانين مسرحية «فيلم أميركي طويل» اجتمعوا في مكان واحد: ليس المستشفى، بل الكنيسة. ولم ينقص إلا من يتقمّص شخصية نزار ليقول: «إذا إجا حدا لهون ورشنا».
في هذا المشهد، تندمج رموز زياد: الدين، الثورة، الطبقة، الجنون، السلطة. لم يعد الفرق واضحاً بين التمثيل والحقيقة. لم يعد أحد يعرف من بكاه صدقاً، ومن اختبأ خلف دمعة مدروسة. حتى أصدقاؤه الحقيقيون اختاروا الابتعاد عن النعش... جلسوا في الممرات الخلفية يراقبون ويعلّقون بسخرية: «قولكن لو كان هون، شو كان قال؟»، فيأتي الجواب كما يليق بزياد «شتيمة» لا تمرّ على الورق إن مرّت على الهواء. ربما قالها في إحدى مقابلاته.
تدقّ الأجراس. يجري التحضير لإخراج جسد زياد الرحباني من الكنيسة إلى التراب. يقترح أحدهم حمل النعش على الأكتاف. يفعلون.
وهنا يشعر زياد بالحاجة إلى عدم الإصغاء لما تقوله الكنيسة: «ليرقد هنا بسلام». يفعلها «رضا العنيد».
يزيح غطاء النعش، ويحصل على لحظة صمت بين ضجيجين. انتزع كلمته الأخيرة، ولحظة الرهبة التي أراد تركها، وأنزل الستار للمرة الأخيرة.
كما مرات كثيرة في «شي فاشل» وهو يتمتم «يا ريت فينا ننام، مش لنرتاح... بس لنهرب». وهكذا هرب زياد... من بلدٍ يمكن «صارت بلد».
لم تكن حياة زياد الرحباني مجرّد تجربة موسيقية أو مسرحية، بل كانت محاولة دؤوبة لكشف نفاق السلطة، الدينية والسياسية والاجتماعية، سواءً عبر النقد اللاذع أو الفكاهة السوداء.
موته، كما حياته، لا يُقرأ إلا ضمن هذا الإطار: زياد لم يكتب النهاية، بل صمّم مشهداً أخيراً يُختزل فيه كل ما حاربه.
لقد حوّل زياد «عن غير قصد» (فالعبقري غالباً لا يعرف بعبقريته) الكنيسة إلى مسرح، والجنازة إلى نقد... كأنه يقول لنا للمرة الأخيرة: لا تُصدّقوا المراسم.
في النهاية، لم يغادر زياد، بل أبقى الستارة نصف مفتوحة، تاركاً الجمهور أمام السؤال: من سيُكمل المسرحية؟
