ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

المثقف الذي هزمه الجميع

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

هل مات زياد الرحباني وهو يقاتل؟ أم اختار الموت بعدما خذله كل من خاطبهم؟ لم يكن زياد مجرّد موسيقي أو كاتب مسرحي ساخر، بل مثقّف عضوي خاض معركة مفتوحة ضد النظام السياسي والاجتماعي في لبنان والعالم العربي

مروة جردي
مروة جردي
الجمعة 1 آب 2025
زياد الرحباني في مسرحية «مجنون يحكي» (2013) للمخرجة اللبنانية لينا خوري  (هيثم الموسوي)
زياد الرحباني في مسرحية «مجنون يحكي» (2013) للمخرجة اللبنانية لينا خوري  (هيثم الموسوي)
الخط


هل مات زياد الرحباني وهو يقاتل؟ أم اختار الموت بعدما خذله كل من خاطبهم؟ لم يكن زياد مجرّد موسيقي أو كاتب مسرحي ساخر، بل مثقّف عضوي خاض معركة مفتوحة ضد النظام السياسي والاجتماعي في لبنان والعالم العربي، مستخدماً المسرح والإذاعة والكلمة الساخرة واللحن النافر للاشتباك مع «الرأي العام».


لكنه كان يدرك هشاشة الحياة وعبثيتها. كما قال يوماً: «إذا بكرا آخر نهار لإلي، بجرب سرّع النهار اللي بعرف إنو آخر النهار. خبرية بالناقص. شو الحياة هيي 12 ساعة. شو بدك تعمل فيا؟». ربّما أدرك في لحظاته الأخيرة أنّ كل ما قدّمه لم يُفهم كما أراد، وأنه، رغم الضحك والتصفيق، ظلّ يخاطب مجتمعاً أصمّاً.


الضحية التي لم نرَها

في مراجعة لتجربته، نكتشف أننا لم ننظر إلى زياد بوصفه ضحية. رأينا فيه فقط الفنان الساخر، الابن «الثائر» لفيروز وعاصي الرحباني. لم نتعامل معه كصاحب مشروع سياسي وفكري متكامل، بل كحالة فنية خارجة عن المألوف. كان زياد يصرخ منذ سنوات، في مسرحياته وبرامجه الإذاعية، أنّ هذا النظام لا يُصلَح، وأن المجتمع الذي يصفّق له هو نفسه الذي يخذله. في إحدى المرات، سأل طفلةً أحبّت «رفيقي صبحي الجيز» عمّا فهمته من العمل، فأجابته بعفوية: «حلوة بحبا». لم يستغرب زياد، ولم يكن يختبرها، لكنه كان ينتظر إجابة تنقذه. إجابة تقول إن نداءه وصل إلى أحدهم.

كلما سُئل عن محطة في
حياته، جاء جوابه مرتبطاً بحدث عام: خيبة يسار، انهيار مشروع،
أو سقوط بلد


في برنامج «شباب توك» على DW عام 2018، تحدّث زياد بنبرة رجل استنفد كل ما لديه. قال إنه لا يستطيع صناعة الموسيقى وسط هذا الخراب، رغم أنّ الحرب الأهلية انتهت رسمياً. بالنسبة إليه، الحرب لم تتوقف يوماً، بل تبدّلت أشكالها: من صواريخ وقنص إلى فساد وطائفية وعبث عام. قالها صراحة: «حسّيت ما إلي عازة». ورغم كل محاولاته لإحداث خرق، شعر أنّ المجتمع اللبناني، رغم حبّه الظاهري له، عاجز عن التغيير، بل رافض له في العمق.


بين الضحك والبكاء: أزمة الثقافة

لا شيء أزعج زياد أكثر من تحويل مسرحه إلى مساحة للضحك فقط. كان يسأل نفسه: «لماذا أحبّوا المسرح السياسي الذي قدّمته؟ لأنه مضحك؟» بينما كان يرى في الكوميديا سلاحاً لا وسيلة ترفيه. وفي زمن تحوّل فيه المسرح إلى عروض «ستاند أب» ليلية، فقد شهيته للاستمرار. هذه لم تعد مسرحيته ولا جمهوره، فتراجع ثم صمت. اعترف في إحدى مقابلاته الأخيرة: «بس قعدت بلا شغل فكرت انتحر لما قررت أترك كل الموسيقى والكتابة. ولقيت الفكرة سهلة. لأنو صعب ضلّ تخترع أمل وتعمل مسرحية».


تحوّل مسرح زياد، بالنسبة إلى الجمهور، إلى مكان للتسلية، بينما كان يريده ساحة اشتباك سياسي وثقافي. ومع الزمن، شعر أنّه غير ضروري.


زياد لم يكن استثناءً. كثير من اليساريين والمثقفين عاشوا ما عاشه مع تراجع حركات التحرر الوطني والأحزاب اليسارية. لكن الفرق أنّ زياد رفض أن يتصالح مع الهزيمة. ظلّ مؤمناً بالأممية، رافضاً للأحزاب الدينية، ومع ذلك منبهراً بقدرتها على التأثير.


في المقابل، كانت الأحزاب التي ينتمي إليها فكرياً عاجزة. صوته بقي وحيداً في مواجهة مجتمع لا يسمع إلا ما يريد، تماماً كبطل جورج أورويل الذي تُمارس عليه كل أساليب الترويض حتى ينهزم من الداخل. لقد خذلته «الجماهير»، و«الرفاق»، والمؤسسات الثقافية، وربما خذل نفسه أيضاً.


عزلة صاخبة وهشاشة معلنة

لم يتصنّع زياد الصلابة. كان صادقاً حتى في هشاشته اليومية. قال مرةً بمرارة: «كل ما تسألني كيفك... بتذكر إني مش منيح... يعني بتعرف... لو بلاه هالسؤال... لأنه صراحة أنا مش منيح... بس معقول تقول لي كيفك... وقلك مش منيح؟».
هذه الصراحة العارية جعلته أقرب إلى شخصية تراجيدية تسير نحو نهايتها بوعي كامل، ووسط جدار من العزلة الاجتماعية والثقافية.


رحل زياد ليس من المرض وحده، بل من الغربة، من الشعور بأنه غير ضروري، ومن السؤال الذي ظلّ يؤرّقه: «هل سمعني أحد؟ وإذا سمع، هل فهم؟». لم يفصل زياد بين الخاص والعام. كلما سُئل عن محطة مهمّة في حياته، جاء جوابه مرتبطاً بحدث عام: خيبة يسار، انهيار مشروع، أو سقوط بلد. سحق الشخصي لمصلحة العام، حتى باتت مرايا الذات عبئاً. لم يحب النظر إلى نفسه، كان يراها «غير جميلة»، ويشعر أنه «مجنون» إذا أطال النظر في المرآة.


مع ذلك، لم يختبئ خلف أقنعة القوة. كما عنونت «الأخبار» يوماً: «الواضح دوماً»: أخبرنا عن مآسيه العاطفية، عن بحثه الدائم عن امرأة تحبّه كإنسان لا كفنان، عن هواجسه من شكله، وعن شعوره بأن الشهرة لا تمنحه دفء القبول. ظلّ ضحية الشائعات، لكنه أصرّ على أن يكون حقيقياً حتى النهاية.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك