حيث يكون زياد... تكون الثورة
كنّا نحمل الهوية الرحبانيّة في نقاشاتنا وجلساتنا مع بطاقاتنا الجامعيّة وهويّاتنا الشخصيّة، وانقسمت الشلّة بين فيروزيين حتّى النخاع، وزياديين حتّى العظم


هيدي معلومات مش أكيدة
عشرات المنشورات ما بين فايسبوك وانستغرام، أتنقّل بينها بصمت، بعينين مشدوهتين، وعقلي الباطني يردّد عبارة واحدة «هيدي معلومات مش أكيدة»، إلى أن وقعت عيناي على نَعي جريدة «الأخبار»: «رحيل العبقري/ زياد الرحباني 1956-2025».
«الأخبار» تنعى رفيقها اليساري، الذي كتب فيها عبر عمود ثابت، بلغة ساخرة وجريئة وذكيّة، قائمة على سلسلة مفارقات لا تنتهي، لا تختلف عن تلك التي عرفها عشّاقه واعتادوها في مسرحياته وأغنياته وبرامجه الإذاعيّة.
إذن هي معلومات أكيدة... رحل العبقري: «ودايماً بالآخر، فيه آخر، فيه وقت فراق»!
طرطوس والرحابنة
- «مدارس طرطوس مختلطة»، عبارة لم أفهم معناها حتّى التقيت في الجامعة بطلاب من محافظات أُخرى، علمت منهم أنّه في محافظاتهم ثمّة مدارس للذكور، وأخرى للإناث.
في مدارس طرطوس المُنفتحة على الجمال، كُنّا نصل إلى المدرسة ما بين السابعة والنصف والثامنة إلّا خمس دقائق، نقف في باحة المدرسة في الوقت الفاصل بين الوصول وسماع جرس الاجتماع الصباحي، ونستمع إلى فيروز. كان ينبعث صوتها من الإذاعة المدرسيّة المتواضعة (مسجّل موسيقي موصول إلى مكبّر صوت)، حيث كان مسموحاً فقط أن تُوضع أغانٍ للرحابنة أو إحدى مسرحياتهم... وهكذا نشأت أجيال كاملة على الفن الرحباني المُلتزم، وأصبح جزءاً من برمجة عقلهم اللاواعي، وبديهيات حياتهم.
في مرحلة دراستي الثانوية، ولاحقاً الجامعية في كلية الاقتصاد، كنت غالباً أستمع إلى البرنامج الإذاعي الصباحي «يا ريما». تحدّثت ريما نجيم في أحد صباحاتها عن خبر مفاده أنّ محافظة طرطوس السوريّة تُحارب تلوث الضجيج بموسيقى الرحابنة.
اقترح حينها ضابط في فرع مرور طرطوس استبدال أغاني فيروز بالطرْق على عبوات الغاز، وقوبل الاقتراح بالموافقة والتعميم. وهكذا أصبحنا نعلم أنّ السيّارات المُحمّلة بعبوات الغاز المنزليّة التي تجوب شوارع المدينة والقرى، تقترب من منازلنا عبر أغاني فيروز المُنبعثة من مكبّر صوت زُوّدت به السيارة. هذا الأمر البديهي بالنسبة إلينا في طرطوس، أدركت عظمته حين سمعت الخبر من ريما، وما تلاه من تعليقات إيجابيّة منها ومن المُستمعين.
نتبادل المُزاح قائلين «زياد من عنّا» على اعتبار معظم الذكور في طرطوس يحملون اسم علي
في مدينة طرطوس البحرية، تحمل غالبية أسماء المقاهي اسمَ أغنية من أغاني فيروز.
في طرطوس، عشّاق زياد المتطرفون في محبته يتمسكّون بندائه باسم مقطوعته «أبو علي»، وعلى اعتبار معظم الذكور في طرطوس يحملون اسم علي، نتبادل المُزاح قائلين «زياد من عنّا».
كلّ مسرحية ألّفها الأخوان رحباني أو زياد، كلّ أغنية غنّتها فيروز، أو زياد، أو نصري، أو وديع، أو جوزيف صقر... نقطفها مع حبة التين وعنقود العنب وحبة الكرملتين، ونشربها صباحاً مع كأس المتة أو فنجان القهوة، لا فرق. نقطفها عن عرائش الياسمين التي تزنّر مداخل بيوتنا، ومن مساكب الحبق - «لِمنْرَشْرشها بالصيف صباح ومسا».
في طرطوس... الرحابنة لا يموتون.
فلاش باك/ هوَس المراهقة
يتطلّب الحديث عن معرفتي الأولى بزياد، العودة إلى معرفتي بفيروز والأخوين الرحباني.
أعود بذاكرتي إلى عمر السادسة، عندما وقفت أمام المكتبة الموسيقيّة التي بناها أبي بيديه من خشب السنديان. كانت مُقسّمة لعشرات الرفوف، تتموضع أعلاها وبشكل منظّم مئات الكاسيتات، بدأت أسحب كاسيتاً تلو الآخر، أتهجّأ الأسماء والعناوين وأسال أبي عنهم.
عندما سألته مَن هي فيروز، حدّثني عن أغنية «خبطة قدمكم»، وانطلاقها من الإذاعة الذي مثّل كلمة السرّ لبدء انطلاق الدفعة الأولى من الصواريخ السوريّة باتّجاه الكيان المحتل في حرب تشرين التحريرية، وغدَت تُبث بعد أيّ نبأ لتدمير أسلحة أو طائرات للعدو حينها.
ثمّ حدّثني عن عائلة الرحباني. لكن في ذلك العمر الشيء الوحيد الذي بقي عالقاً في ذاكرتي هو الارتباط الوثيق بين كلمتَي وطن وفيروز.
في الصباحات الباكرة وقبل الذهاب إلى المدرسة، كانت أمّي تُدير المذياع، فيصدح صوت فيروز. هكذا كانت جزءاً من الصباح المنزلي وما تزال.
لاحقاً في المدرسة الثانوية تحديداً، انتبهت أنّ كثيراً من أغاني فيروز التي أحببتها، كتبها ولحّنها زياد، وهُنا بدأتُ رحلةً معه عنوانها «هَوَس زياد»، فإن كان اسم فيروز بالنسبة إليّ مقترناً بالوطن. اسم زياد اقترن بالثورة بمفهومها الجمالي والفنّي والفكري.
لم أنتمِ يوماً إلى أيّ حزب، لكنّني مدينةٌ لزياد بوعيي السياسي الأوّل، وفهمي لقضايا الهمّ العام والوطني. كان المرشد لاطّلاعي على اليسار والمنهج الماركسي تحديداً، أنا وأصدقائي على اختلاف اختصاصاتنا الجامعيّة. حينها، كنّا نحمل الهوية الرحبانيّة في نقاشاتنا وجلساتنا مع بطاقاتنا الجامعيّة وهويّاتنا الشخصيّة، وانقسمت الشلّة بين فيروزيين حتّى النخاع، وزياديين حتّى العظم.
كان يكفي أن يرن هاتف أحدنا ليأتي الصوت من الطرف الآخر «نزل السرور... رور»، لتكون الإجابة: «رور، اي رور... لوين بدنا نرور؟»، أي إلى أين سنذهب. نقرّر وجهة رحلتنا، يرافقها عزف زكريا -كما كان يُصرّ أن نُناديه- على العود، ويُصرّ أن يُناديني عليا قائلاً: «بالإذن من حبيبك، بس يخرب بيت عيونك يا عليا شو حلوين».
أغانٍ ومسرحيات ردّدناها في رحلاتنا بين سد الصوراني في الشيخ بدر، ومنحوتات قرية الملاجة في الدريكيش، وأكبر منحوتة في سوريا في برمانة المشايخ، وبالقرب من برج صافيتا، في مقاهي المدينة، وعلى الكورنيش البحري. شكّلنا فرقة موسيقيّة فاشلة، بقي منها تلك الذكريات: مجتمعنا الصغير المُطلّ على البحر، محاولاتنا لكتابة أغانٍ وتلحينها، تنافسنا من يحفظ أغنيات فيروزيّة وزياديّة أكثر، من يحفظ مسرحياتهم عن ظهر قلب أكثر، ومن قرأ كتباً يساريّة أكثر.
محاولات احترقت مع المحرقة السوريّة التي أخذت تتسع وتتسع، وتلتهم كلّ شيء!
ثُمّ... اختلفنا، وتفرّقنا، وتشظّينا كهذه البلاد.
«وقمح»
أحببت لاحقاً رجلاً، اختبرنا معاً قصّة حبّ ثلاثيّة، ثالثها «أبو علي» كما كنّا نُحب أن نناديه. غنّينا معاً بصوتينا الرديئين أغانيه، وردّدنا مسرحياته، ورسمنا في خيالنا عشرات اللقاءات معه، حتّى إنّنا مرّة خُضنا معه ثورة تُشبهنا.
وكأيّ عاشقين، كان الخلاف يدور بيننا بين الحين والآخر. ولإنهاء الخلاف اتفقنا على قول كلمة واحدة، يُمنع بعدها قول أيّ كلمة تؤجّج الخلاف، وتُلغي فكرة العودة إلى الحديث المسبّب لذاك الخلاف: «وقمح».
كان اسم مقطوعته الموسيقيّة الأشهر من أن تعرّف، مُفتاحاً يُغلق باب الخلاف. وما زلت ليومي هذا، أحبُّ أن أستمع إليها وأرقص بطريقتي التي أنفصل معها عن الواقع.
زياد من جديد
في أحد الأيام، قرّرت أن أُعيد مجريات حياتي، لأشفى من اكتئاب رافقني لسنتين، فقرّرت الالتحاق بكلية الآداب في اللاذقية (ترجمة/ لغة إنكليزية).
حينها توجّب عليّ الاستيقاظ عند الخامسة، ومغادرة منزلي في طرطوس عند السادسة، فالتنقّل بين وسائل النقل حتى وصولي إلى باب الجامعة، ما يتطلّب منّي ساعتين. أعدتُ في هاتين الساعتين تشكيل علاقة جديدة مع فيروز وزياد. أعدت الاستماع إلى جميع مسرحيات الأخوين رحباني ومسرحيات زياد من دون استثناء؛ وأخذت أبحث في الكتب والمراجع للقراءة حول الحرب الأهليّة في لبنان. كان عليّ أن أفهم ما حدث في سوريا بقراءة لبنان!
إنّها الحربُ الأهليّة خاصّتنا، فلمُنا الأميركي الطويل، بطريقة أكثر عنفاً وتشوّهاً، وبخسارة أشدّ من حيث البلاد واقتصادها والمحبّة بين ناسها.
إنّها طبقاتنا المثقّفة المزيفة والمُدعية، التي تحمل الهَشاشة والتعتير، وتحلم بالثورة والتغيير. هأنا مجدّداً أمام العرّاف والمقاوم الحقيقي زياد، في كلّ ما كان سبّاقاً في طرحه حول لبنان، أعيشه في سوريا: «ما فيه أقوى من التعتير، هيدي حكيان عنّا أنا بالفصل التالت: التعتير، ميزات التعتير، أيديولوجية التعتير. إنتو حاملين أخطر ســلاح بإيديكم. الثورة هي الدوا. إنتو راضيين عن وضعكم شي؟ / - عم يحتكروننا/ - عم يحتكروككن... عم يحتكروككن!» (نزل السرور).
من البديهي رجوعي الدائم إليه، إذ قلّة التي اتّسقت مسيرتها الفكريّة وأعمالها مع أفعالها. حدّثنا مطوّلاً عن الثورة الجاهلة، قبل فورات الربيع العربي جميعها. فورات لم تُنتج مسرحاً ولا فنّاً ولا جمالاً ولا قيماً ولا أخلاقاً. لم تُنتج سوى الدم والجوع والتطرّف، وبلغ قُبح أتباعها، الذين خرجوا لأجل حرية الرأي، بأن انتقدوا في نعيه حرية رأيه حيال فوراتهم.
زياد لم يخن قناعاته، وبقي مُنحازاً إلى الحقيقة العارية، رافضاً أن يكون جزءاً من الزيف العام الذي التهم الثقافة والسياسة والفن، في زمن التصهين، والتطرّف، وتعفّن الثورات. حيثُ يكون بفنّه وسخريته ومسرحه وبرامجه وأغانيه... تكون الثورة.
