حتى لولا الصوت بعيد...
هل نعلم كم هو مستفز حصر وطن، بحجم ومفهوم أو آخر، في جبال خضراء ذات نسيم منعش و«حْساسين تزقزق وتطل»؟


هل نعلم كم هو مستفز حصر وطن، بحجم ومفهوم أو آخر، في جبال خضراء ذات نسيم منعش و«حْساسين تزقزق وتطل»؟
زياد كان يعلم، مثلما علم تركيب هذا الوطن المربك، ورأى فيه - رغم صغره المدهش - العالم وتناقضاته. تتكثّف الحقائق الكبرى في الجزئيات حقاً، وبقدر تفرّد الخاص لا يُعرَّف بالمبدأ إلا بالعام.
موقف لمصلحة المستضعفين وثقافتهم
لم ينشغل مشروعه الفني والفكري بالعناوين التي يفضلها الجميع بمرارة: الطائفية والانقسام وعجز الأنظمة في لبنان وعند العرب، بصفتها مرضاً محلياً يثير السخط علينا وعلى «ثقافتنا». هو موقف لمصلحة المستضعفين وثقافتهم، بالأساس في مواجهة العالم.
عالم أسهم في إدارة فصول من الحرب الأهلية الطويلة واحتواها، ولم يكن ضدها، ورعى إنهاءها ضامناً مصالحه وهشاشة الحل والدولة.
عالم دمّر سوريا وخنقها (من قبل غزة) بقرار واضح وجعل فقراءها الضحية الأكبر، ويعلم الجميع أنه يهندس الخارطة والأسواق مستخدماً كل العناوين البراقة والوسائل الوحشية، ويستخدم أبناء جلدتنا لتدمير اجتماعنا البشري وذبحنا. ومن هنا قال ببساطة مثلاً إن فلسطين لديها «داعش» أخرى.
لماذا اختار الحمرا؟
على عكس وضوحه الحاد، لعله اختار الحمرا تحديداً للإقامة فيها لافتقارها «الوضوح» الطائفي، سمة حاضرة نسبياً في بدارو مثلاً لكن مع طابع برجوازي واضح، مقارنة بالحمرا التي لم تزل أقرب لمنطقة تجارية وسكنية بسيطة، متواضعة الملامح يأتيها الجميع.
كأنه أراد دوماً الانتماء إلى كل الناس، بقدر ما تسمح مواقفهم، ومواقعهم على خارطة علاقات القوة. كان وحيداً على الأرجح، تصعب مجاراة نقده الثاقب الشامل، ولم يلبِ لبنان توقه إلى واقع أوسع ربما، أو أكثر وضوحاً، أو أكثر إنتاجاً من كل منطقتنا لا لبنان وحده.
لذلك بادر في مرحلة (على عادته بتفتيت الأصنام إلى مكوّناتها الأولية) إلى التحدث عن علاقته ــ الفنان بالسوق، ولم تسلم ذاته ولا الجمهور من نقده المتجرد، ورفض أن يُتصور كائناً نورانياً من خارج السياق، وهو يكافح لتأمين كهرباء تشغّل أجهزته للعمل.
اليسار لم يعد موضةً
لم يعد اليسار موضة، لكن الكارثة الأكبر أنه بات أقرب إلى محض ظاهرة ثقافية، وباتت الليبرالية واللا أيديولوجيا الموضة، وأصحابها على يقين بأبديتها.
ترى ماذا قال لنفسه وقتها؟ بدا تعاطيه بسيطاً وعملياً مع انحسار النموذج الثقافي المألوف الذي عمل عبره، بعد انتهاء الحرب وبدء المرحلة الحريرية، التي قال نجاح واكيم أخيراً إنّ زياد أدرك خطورتها مبكراً، منذ بدايتها. مثل إدراكه في «العقل زينة» كارثية تبسيط الموقف «اليساري»: يسهل الحديث عن الفقر على أريكتك، وأن «تتبنّاه»، موضوعاً إنسانياً لذيذاً. الصعب هو الحرمان ذاته وما يعنيه من قسوة.
الاشتراكية العلمية
لعله لذلك قالها مباشرةً منذ سنوات بوضوح: أنحاز إلى «الاشتراكية العلمية»، كأنه يُبعد أصحاب الموضة عن فضائه، ويكشف بنفسه من قد يبتذله، مثل ما يُبتذل كل عظيم، ويضع معياراً حدياً وراء الظاهر والبديهي.
الاشتراكية ليست للإنسانية الأخلاقية المجردة، التي بات أعداء الإنسان أنفسهم يضعون معاييرها، إنما للإنسان المشخّص، في مكان وزمان ووسط أسئلة معينة لا تنفصل عن الجغرافيا.
وهذا ما يسمح باكتشاف تفاهة وهشاشة الطبقات الأعلى في أوطاننا، في الجنوب العالمي، وكلاء الخارج المتربحين من المستثمرين في تخلفنا.
على خلاف كثيرين، لم يحزنّي تصدّر معروفين بعكس مواقفه الوطنية الجذرية لبعض لوحات مشهد رحيله. هؤلاء يعلمون جيداً أن تسامحه ولا اكتراثه بالقشور يسمحان، وأنه في كل الأحوال ومختلف المراحل سيقول حقيقة مواقفهم في وجوههم، من دون شخصنة أو حساسية أيديولوجية بعينها، فقط الحقيقة.
والفارق بينه وبين الناعين من خندق آخر واضح: الرجل يستقصي الأسباب والمسؤولين الجوهريين، ولا يحارب شراً شيطانياً غامضاً، ولا يحوّل شعارات وجدانية عن رفض الشر والسخط على أي سلطة إلى رأس مال في الحياة، ووسيلة للعيش من كنف «سلطة» ما بالحساب الأخير.
هذا «إلهامه السماوي»
هو لم يأبه بمن تغضبه كلماته، ووقّع منذ البداية تعاقداً ضمنياً مع الجميع، ومع والديه (الظاهرة الفنية العربية الفريدة)، أنني لا أعيش لإرضائكم، وإحساسي بالموسيقى أو فكري الاجتماعي السياسي ليسا مزاجاً خالصاً بل على علاقة وثيقة بالواقع، وبمنهج عقلاني في قراءته: لا تحدثني عن جمال الفقراء، ليس لأنه غائب لكن لأن الفقر دميم منكور الأثر، ولأن علاقات الاستغلال أمامك تصدم الأعمى.
من دون فلسفة. وعندما رفض اعتباره أثراً تذكارياً نلتقط معه الصور، كان يرفض التشيؤ، والنظرة المثالية إلى المبدع على أنه سماوي. هل أرفض تصنيم فيروز وأقبل تصنيم نفسي؟ الفنان شغّيل ما، وهذا «إلهامه السماوي» الوحيد القابل للإدراك.
لا صراع طبقياً من دون تحرّر قومي
يقول زياد إن الثريات المذهبة لا تمنع هدر الحيوات ولا تخفي انقطاع الأفق واستحالة التقدم، وإفلاس الطبقة الوكيلة للخارج عضوي: ستبحث للأبد عن انتماء ولن تبلغ الأبعد من الربح والرفاه، في مستعمرات يحيطها المحرومون، سوريون وفلسطينيون وغيرهم، وتؤدي دورها المرسوم من أعلى بإخلاص.
لذا لم يؤمن بصراع طبقي يحلّق في الفراغ المجرّد، بريئاً من المسألة الوطنية ومعضلة التحرر القومي، وانحاز إلى أصحاب الأرض لأنهم أصحاب الأرض، «اللي ماتوا».
وعاد وسأل منذ سنوات مجيباً نفسه «أمريكا مين؟ شياطينها»، على تنوعهم، ليقدم تشريحاً بسيطاً لمشهدنا العام بحسّ صادق حيّ عند أي عربي مبصر.
حد علمي كانت تلك آخر أغانيه، بلهجة مصرية ولحن بالطابع نفسه. يحلو لي تصوّر أنه أحب مصر والمصريين، وتغويني المركزية المصرية طبعاً مثل غالبيتهم.
إلا أن تقصّي أثر زكريا أحمد، أحد مفضّليه التأسيسيين، وسيد درويش، الذي أشاد بأهميته مراراً، في فنه يتطلب دراسة متخصصين.
وأذكر تواضعه الجمّ ولهجته المصرية المحببة مع مذيعة بمستوى ثقافي ومهني محرج، ونسبة مشاهدات كبيرة، وأيقنت أنه أراد فترتها التحدث إلى أكبر قاعدة من المصريين، وكان قد استضافه قبلها بسنوات يسري فودة ــ مكتشف بن لادن إعلامياً على «الجزيرة»، وسط سيولة إعلامية عالية وتحولات سياسية، وأعطاه زياد - بجسارة - تقييماً استشرافياً دقيقاً لدور التكفير المسلح في المنطقة، مثلما صرّح لآخرين حينئذ، وبعدها، برؤيته المركّبة عن الربيع العربي.
بعيداً من نقاش الأمل، وأنه يبدو وقاحة واضحة أحياناً، أرى حياتنا هنا قصة غالبيتها حزينة ويظللها عجز كبير، ولا مناص من الاعتراف.
كيف يكتسب محيطنا قيمة أو نكتسب أماناً وجدانياً تحت القنابل وقرارات وتشريعات من يطبعون المال، ومعهم العوار التاريخي الذي جلب انكفاءنا؟
لكن الفخ الأزلي أن هذا نفسه ما يجعل الحقيقة، قولاً وفعلاً، والأفكار الأصيلة، ضرورة حيوية، لا لتدفع واقعنا وتاريخنا للأمام بالضرورة، بل لتدفعنا نحن، المتعَبين، فنحاول محو بعض من الظلام والزيف والحواجز العبثية. حتى لولا الصوت بعيد يا رفيقي الجميل.
