«جادة» زياد الرحباني... هل أنت جاد، يا ريّس؟
فور انتهاء جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت يوم الثلاثاء الماضي بغية مناقشة (وحسم) قرار نزع سلاح «حزب الله»، خرج وزير الإعلام بول مرقص وأعلن بحماسةٍ عن القرار الحكوميّ الجديد: «نزع» اسم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عن «الجادة» التي حملت اسمه


فور انتهاء جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت يوم الثلاثاء الماضي بغية مناقشة (وحسم) قرار نزع سلاح «حزب الله»، خرج وزير الإعلام بول مرقص وأعلن بحماسةٍ عن القرار الحكوميّ الجديد: «نزع» اسم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عن «الجادة» التي حملت اسمه ليحلّ اسم زياد الرحباني مكانه. هكذا، صار للرحباني «جادّة» تحمل اسمه... على طريق المطار. «هل أنت جاد، يا ريّس؟».
حكومة نواف سلام، هي بالفعل، حكومة عصرية. نواف سلام هو بحد ذاته عصريّ؛ الرجل يذهب إلى «البيال» لحضور حفلة «دي. دجاي» رودج والمطرب الحلاني، «يُصغي» إلى «صوت» الجيل الجديد مثل «التريو» النيابي التغييري ميشال الدويهي وإبراهيم منيمنة ومارك ضو، يعيّن مستشارين إعلاميين يكرهون الأسد، وينتظر كل سنة «معرض الكتاب» ليطّلع على نتاج الشعراء الشباب وعلى أحوال «السرد» اللبناني وشؤونه.
ووزراء حكومة سلام لا يقلّون «عصرية» عنه، وإلا لما اختارهم وزراءً يا صاح. بول مرقص واحد من الوزراء العصريين. هذا وزير عصريّ جداً؛ تراه يقف في المطار ينتظر مواطنين إماراتيين سياحاً حتى يستقبلهم في «بلدهم الثاني»، هل في وسع «العصريّ» غير عشق الإمارات؟
يتحدث بشكل عصري عن حرية الصحافة في لبنان رغم أنه لا يفعل شيئاً في هذا الصدد، كما إنّ «عصريته» قادته للقيام بما يشبه «القطيعة» مع «إرث» عريق عرفته وزارة الإعلام طويلاً. هو عصري راديكالي، مع القطيعة لا الامتداد.
فقد اعتادت وزارة الإعلام تقديم واجب العزاء: عند رحيل أي إنسان ذي «مكانة» سياسية أم اجتماعية (ليس ثقافية، لا «تحزن» الدولة على رحيل المثقفين)، كان «تلفزيون لبنان»- القناة الرسمية للدولة- يفتح الهواء للموسيقى الكلاسيكية كتعبير عن الحداد. لم يحدث هذا الأمر مع رحيل زياد الرحباني. «تلفزيون لبنان»، تلفزيون «الدولة»، من يشاهده أصلاً؟
هذا يُعَد من الأدبيات «الخشبية»، والوزير، وزيرنا، عصريّ! ثم من منّا يسمع الكلاسيك؟ ألم ينتقد زياد الرحباني نفسه التعاطي الساذج مع الموسيقى الكلاسيكية حين تتحوّل إلى «خلفية» حزينة لمناسباتٍ مثل الجنازة؟ لكن ما الضير لو وضعت موسيقى زياد على مدى نهار كامل على «تلفزيون لبنان»؟
ما المانع لو أعاد «التلفزيون» بث حفلات الرحباني (كالحفلة التي أقامها في معرض «رشيد كرامي» والتي اعتاد «تلفزيون لبنان» بثها) ونشر مقابلات إعلامية أجرتها معه هذه القناة، أليس من واجب وزارة الإعلام أن «تُعلِم» أي أن «تُخبِر» مواطنيها بفقيدنا الراحل؟
سارع بول مرقص بعيد انتهاء جلسة مجلس الوزراء للإفصاح عن القرار الحكوميّ الذي جاء بمثابة «هدية» للبنانيين كما اعتادت الحكومات اللبنانية السابقة فعله دوماً. وما دامت حكومة سلام عصرية، فإن عصريتها تفرض عليها التحلّي بكرمٍ باذخ، وهذا ما حدَث.
يعني عصفورين بحجر، في منطقٍ اشتغل على النحو التالي: لقد «راح الأسد»، ألم يحن وقت التخلص من اسمه على هذه «الجادة»؟
هاك الحلّ! لقد مات زياد، فلنغيّر الأسماء ونقول إننا كرّمنا ابن فيروز. هكذا، اعتبر كارهو «البعث» أنّ حكومتهم حققت انتصاراً مدوّياً من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ «عشاق» الرحباني سيفرحون بهذا القرار، و«بلاها بقى» حملة (حفلة) الإمضاء العريضة التي حملت مطلب تسمية أحد شوارع الحمرا باسم زياد الرحباني، اتركوا الحمرا لتجارها.
من حافظ الأسد إلى زياد الرحباني
إذن، أعلن بول مرقص عن قرار حكومة سلام العصرية الذي نصّ على «تعديل» اسم «جادة» حافظ الأسد لتغدو «جادة» زياد الرحباني.
و«جادة» حافظ الأسد وجدت كـ«هدية» من قبل الحكومة اللبنانية، أو بالأحرى «العهد» اللبناني ممثلاً بالرؤساء الثلاثة، لنظام «البعث» ورئيسه.
قرر رفيق الحريري عام 1998 الاحتفاء بالرئيس السوري وتكريمه، بالمختصر لأخذ رضاه، وبرعاية رئيس الجمهورية آنذاك (السيادي) الياس الهراوي، تم «تخليد» الأسد بـ«جادة» حملت اسمه على طريق المطار. القصة كلها لا تشبه زياد الرحباني بشيء.
هذه «الترويكا»: الحريري، حافظ الأسد، المطار، في جهةٍ، وزياد الرحباني في الجهة المقابلة. رفيق الحريري «ما غيره»، اختار أن يكرم حافظ الأسد بـ«جادة» تحمل اسم الأخير على طريق المطار؛ المطار المسمّى بـ«مطار رفيق الحريري الدولي». الآن، باتت تلك «الجادة» التي قرر الحريري تسميتها بحافظ الأسد تيمناً به، تحمل اسم زياد الرحباني.
وفي وفرة الأسماء هنا، يبدو اسم زياد الرحباني شاذاً كما لو أنه ممنوع من الصرف، هو الذي دائماً ما كان «خارجاً» على هذه «القاعدة». وأليس هذا ما ميّز الرحباني مرحلة ما بعد اتفاق الطائف؟
أنه لم «يُعرَب»، ولم «يصرَف» عندما كان كل من رفيق وحافظ على قيد الحياة، يتباهيان بمطارات وجادات ودول تحمل أسماءهما؟
عهد أشبه بـ«عجقة سير عالفاضي»
لم يكن ينقص تلك الخطوة التي أقرتها الحكومة العصرية سوى حضور «الشيخ الدعفوس»، أي خلف الحبتور، لتدشين «الجادة» وقصّ قالب حلوى جلبوه «ديليفري» من مطعم «بيبرُم» وبجانبه بول مرقص. وكونها سيرة وانفتحت، فإن واحدنا يتساءل: ألم يكن من الأجدى لو أزيل اسم هذه «الجادة» بعد خروج «البعث» من لبنان عام 2005، خصوصاً أن معظم رجال ونساء «العهد» الحاليين كانوا من صقور ثورة أربعطعش آذار؟
طيب، لماذا بقيت بعد رحيل بشار الأسد؟ الظاهر أنّ هذه «الجادة» كانت في طيّ النسيان، وموت الرحباني المزلزل وإصرار محبّيه على احتفاء «الدولة» به قد أيقظا «وجودها». هذا بالعامية اللبنانية يدعى: «تمريك» سياسي.
إنه أيضاً زج زياد الرحباني في خانة سياسية لم يرفضها فقط إنما جلبت له الاشمئزاز والمرض. ثم ما علاقة زياد الرحباني بالمطار؟
المطار في «وادي» والرحباني في «وادي»، إنها المسافة البعيدة نفسها التي تفصل الاسمين عن بعضهما؛ حافظ الأسد وزياد الرحباني الذي حضر بعد «تعديل».
زياد الرحباني المخرّب صار «مُعدِلاً»، هو الذي رفض الهجرة ومغادرة لبنان في أحلك الظروف وفي أيام «القتل العادي» باتت ذكراه «مخلّدة» على طريق المطار.
وهكذا، كما يقول زياد أبو عبسي في مسرحية «شي فاشل»: «عجقة سير عالفاضي»؛ إنها حكومة عصرية مثل «عجقة سير عالفاضي».
ثمة مصروف هائل للوقود وللوقت وبلا فائدة. شيء أشبه بهذا العهد، مهرجانات واستعراضات، وانتظار السياح على المطار، وما من حدثٍ حقيقيّ إلا القصف والموت وظلّ الأموات الثقيل.
شوارع تحمل اسم المستعمِر
لم تصدر الحكومة بياناً رسمياً واحداً عندما خرج جورج عبدلله من سجنه الفرنسي. بقي وزير الإعلام صامتاً، من دون أن يدلي بأي تعليق حول عودة جورج عبدلله إلى لبنان.
لم يخطر في بال الحكومة العصرية أن تسمّي شارعاً باسم جورج عبدلله، أن تزيل، أو «تعدّل» مثلاً شارع «سبيرز» أو شارع «غورو» ليصير مثلاً شارع جورج عبدلله.
فالأخير بالنسبة إلى الحكومة العصرية مثل «تلفزيون لبنان»، مثل زياد الرحباني، شخصية «خشبية»، فالمعجم الذي يضم مصطلحات مثل «مقاومة» و«مناهضة الغرب» لهو كالأناجيل المنحولة، مرفوض وغير معترف به، فالناطقون بلغته هم على الضد من «لبنان الجديد» الذي وصفه الرحباني بـ«لحم بعجين».
لذلك، سيبقى مثلاً شارع «أميركا» في بيروت، وسيبقى شارع «جان دارك» أيضاً، سيأخذ الغرب نصيبه من شوارعنا، وزياد الرحباني الذي أمضى حياته في شارع «بليس» وجواره، سيحضر اسمه على بعد أميالٍ عنه، تفصله مساحة ثقافية وسياسية واقتصادية شاسعة عنها؛ هي «جادة» بعيدة كثيراً عنه، وهو بعيد كثيراً عنها، وهذا يحتاج إلى محو وليس إلى تعديل.
