حواره مع بسام كوسا: نهايات العصر الذهبي الثاني
بسام كوسا: «في رأي على فكرة حلو وقاسي كتير على زياد، إنه بعد ما عملت انت «وحدن بيبقوا»، إذا متت، انت [تعتبر هيك] سويت كل شي، بكفي إلي عملتو هاد».


بسام كوسا: «في رأي على فكرة حلو وقاسي كتير على زياد، إنه بعد ما عملت انت «وحدن بيبقوا»، إذا متت، انت [تعتبر هيك] سويت كل شي، بكفي إلي عملتو هاد».
زياد الرحباني: «كتّر خيرو الي قايل هيك، هيدا أنا بشوفو إيجابي منو عاطل».
لن يتفق كثيرون معي إن قلت إنّ حقبة (2006-2011) كانت عصراً ذهبياً ثانياً انطوى على انتعاش عربي سياسي وثقافي وفكري، لأنّ العصر الذهبي بالنسبة إلى شخص ما قد يكون عصر الظلام بالنسبة إلى شخص آخر والعكس صحيح.
شارل جبور مثلاً يرى أنّ عصر «الهدنة» مع إسرائيل (1949-1968) هو العصر الذهبي. هو لن يرى في حقبة تلاحم الثورتين الفلسطينية واللبنانية عصراً ذهبياً أول، لمَ إذن سيرى في الفترة الواقعة بين انتصار المقاومة في حرب تموز وبدء الحرب السورية، عصراً ذهبياً ثانياً؟
كنت أردت، قبل وفاة زياد الرحباني بكثير، كتابة مراجعة لحوار بسام كوسا مع زياد الرحباني، على هامش حفلات زياد الصيفية في قلعة دمشق عام 2009، لكون زيارة زياد لسوريا إحدى نواتج تلك الحقبة. واليوم، أستبدل النعي أو السيرة الشخصية بهذه المراجعة كونها صنفاً كتابياً مرادفاً. مثل تلك الحوارات غير القابلة للتكرار هي نسخة مصغرة من حياة الإنسان.
هذا ليس حواراً قيماً كونه بين «حبيب الشعب» زياد و«حبيب الشعب» بسام، بل لكونه حواراً بين قامتين عظيمتين أنتجهما بالمصادفة تاريخان قائمان على أزمتين مختلفتين (حتى لا ننحصر بثنائية العصر الذهبي والمظلم)، أي أزمة الحرب الأهلية في لبنان وأزمة الدولة السلطوية في سوريا.
يقول زياد في المقابلة مستدركاً الواقع اللبناني: «أنا كل ما يتوتر الوضع ببيروت بنتعش. لأنو كل هيدا السلم كذب منو سلم». ويقول مستدركاً الوضع السوري وتقاطعه مع لبنان: «السلطة [السورية]... مشهورة بإنو في عراقة بالعمل الاستخباراتي، يشهد لها بالعالم، إنه بينجح السوري استخباراتياً، بس ما بيتفوق على لبناني بالتجارة وبالزعبرة، مش ممكن. اللبناني بضل يتعلم منه السوري الإبداعات الجديدة بالزعبرة».
زياد الرحباني: اليسار كلّفه لرفيق الحريري لأنه بياخذ أكثر من اليمين
هذا الحوار كذلك درس عابر للمكان والزمان في نقد اليسار لليسار، سواء أكان نقد اليسار في نقده للفكر الديني حيث يقول زياد: «اتحاد رأس المال (العالمي) ما إلو وطن أساساً، ولا دين ولا رب ولا أخلاق، هو دين بحد ذاته.
الدين معاملة؛ ممتازة هذه الجملة ما بعرف مين اخترعها»، أم من ناحية اليسار اللبناني الممول من 14 آذار والخليج، حيث يقول: «اليسار كلفه الله يرحمه لرفيق الحريري، كلفه اليسار لأنه بياخذ أكثر من اليمين.
عم تشتري فكر إنت، بدك تشتري واحد جاي في وراه مخزون فكري ونضال سنين، شهريته أغلى من غيره»، أم من ناحية النقد الموضوعي للأجيال الشابة التي ستكون مستقبلاً عنوان 17 تشرين بعد عقد من الزمن، قائلاً إن هؤلاء المراهقين والشباب «بتفكرهن أجانب جايين أو عايشين فترة برا… يمكن لو كنا محلن لنعمل نفس الشيء، إنه ما بده يسمع شيء عن البلد، معه حق يمكن».
ربما من الأفضل هنا استبدال مصطلح «العصر الذهبي» بكل إشكالياته بمصطلح «النوستالجيا». دائماً ما يتعرض الحنين إلى الماضي لهجوم فكري، خاصة ضمن ثقافة 17 تشرين المتوجسة من الماضي. يتعامل كثيرون مع هذا الحنين كأنّه حالة غيبية لا تملك أي أساس مادي. لكن ثمة حدس تاريخي صحيح، ولو جزئياً بشأن الحنين نحو حقبة ما، خاصة إذا كان نحو ظواهر فقدناها ولن تعود، لأن أنماط إنتاجها التاريخية لم تعد موجودة.
إذا كنت تعود مرة تلو الأخرى إلى موسيقى زياد الرحباني أو المسلسلات السورية القديمة، أو ارتأيت أنّ حوار كوسا- الرحباني أفضل من أي بودكاست سمعته أخيراً، فلربما حدسك صحيح.
ليس الموضوع أنك متخشب تكره الجديد. الموضوع هنا أن نمط الإنتاج في القرن العشرين كان مختلفاً، وهو ليس نمط إنتاج مذموماً لارتباطه حصراً بالدولة الأسدية في سوريا أو محموداً لارتباطه بالحركة الوطنية في لبنان، بل هو يتعلق بالدولة والحركة السياسية الطلائعية في أنظمة وأحزاب سياسية متعددة ومتناقضة أحياناً، من دولة «الصفقة الجديدة» في الولايات المتحدة إلى الدولة السوفيتية، إلى الدولة العالم-ثالثية المتحررة من الاستعمار.
يقول القدير بسام كوسا أثناء الحوار: «كل الأمم كل نص قرن بتطالع عظيم، بالثلاثينات طالعت سيد درويش، بالثمانينات طالعت زياد الرحباني». الظرف التاريخي الذي أعطانا زياد كان ببساطة واقعاً عروبياً ينتمي إلى القرن العشرين.
وهنا يؤكد زياد في الحوار عروبَته: «في جزء من لبنان محطط على السوريين لأسباب سياسية، وأكثر من هيك عنصرية، لأنه هو ضد العرب مش ضد سوريا، مين جاره بس؟ سوريا. ملخصتله العرب كلن، لسوء الحظ هي هيك. في جزء عنصري، إنه العرب كلهن للإبادة».
لم يكن مفاجئاً في هذا الحوار المتعلق باليسار والعروبة أن يأتي زياد على ذكر إدوارد سعيد، في معرض نقده للموسيقى الغربية الاستشراقية: «هيدا اسمه الاستشراق، التفكير المسبق عن كيف بدهن إيانا نكون»، رافضاً الحداثة السائلة السياحية-التراثية أو ما يعطيه زياد اسم «التوراثزم».
كثير ممن يعتبرون أنفسهم يساريين اليوم في مناخنا «الثورجي» حيناً و«الإبراهيمي» أحياناً يعتقدون أن زياد لهم (هذا إن لم يحاولوا إلغاء زياد). هم يحاولون اقتباس تهكم زياد وما بعد حداثته من دون إدراك عمق عقيدته وحداثته، التي لم تتحقق في مشرقنا، أو كما يقول الراحل الداعم لقضايانا، الكوميدي الأميركي جورج كارلن: «داخل كل تهكمي، هنالك مثالي خيبت آماله».
المدة الواقعة بين عامي 2006 و2011، لم تكن مثالية بالأخص لأنها جاءت قبل الانهيار الكبير. مع ذلك، كان فيها نفس أخير من الحداثة العربية المشرقية فقدناه، كما نفقد زياد اليوم.
ذاك الفقيد عبّر عنه بسام كوسا في نهاية الحوار: «إلك كثير مكانة كبيرة بقلوبنا، بدون مانشيتات وبدون شي، لأنك انت إنسان شريف وحقيقي».
