ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

التجويع بوصفه «سياسة إماتة»: أكيل مبيمبي... غزة مدينة الجثث

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

تتصدر صور الغزيين الذين يتعرضون للتجويع من قبل العدو الإسرائيلي أغلفة المجلات والجرائد المحلية والعالمية. 

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 9 آب 2025
«تجويع غزة»  -  عماد أحمد (فلسطين)
«تجويع غزة» - عماد أحمد (فلسطين)
الخط


تتصدر صور الغزيين الذين يتعرضون للتجويع من قبل العدو الإسرائيلي أغلفة المجلات والجرائد المحلية والعالمية.

في الصور المروعة المعروضة أمام العالم أجمع، نرى أحجاماً متفاوتة من العظام؛ هياكل عظمية طويلة القامة، فيما بعضها الآخر أقصر وأصغر حجماً، ووحدها قياسات الطول هذه تميز الطفل الجائع عن المسن الجائع. كل الوجوه في غزة تتشابه: نحيلة، شاحبة، خائرة، وتكاد تختفي من شدة الضمور.

الكل هناك واحد: مجوع. حتى القطط في تلك المقبرة المفتوحة فقدت قدرتها على المواء من شدة الوهن والجوع. في الفيديوهات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، تبدو علامات الفزع الرهيب من الانقراض بادية في نظرات تلك القطط، ولو كان في إمكانها النطق لأفصحت: «نحن لا نتضور جوعاً هنا، إننا نموت من التجويع».

منذ أكثر من عامٍ والخبر الصحافي هو نفسه يُذاع ويتكرر: «غزة محاصرة، وسكانها يتعرضون للقصف وللمجاعة». كما لو أنه نداء، رغم أنه ليس كذلك - ومع هذا، لم تُصغِ الكثير من الآذان لهذا النداء الدرامي - لهذا الاستنجاد - بل عبر الخبر جانبياً وكأنه نشرة أحوال جوية.

إنه إنذار رعب، إنه إعلان: إشهار عن مرحلة «ما قبل» انقراض الغزيين؛ انقراض، وإلا ماذا نعني عندما نقول إنّ ثمة إبادة تحدث في غزة؟

إ.ب.ا.د.ة. هكذا تُهجّأ. أن تُبيد يعني أن ترتكب فظاعة، والإبادة أي القتل المتعمد (مع خط عريض تحتها) لمجموعة كاملة من الأشخاص.
تُبيد إسرائيل الغزيين، وترتكب الفظاعة متعمدةً حلول الفظيع؛ في حالة الكيان المجرم، إنّ الموت هو الحل الوحيد، لا لنشوئه فحسب، إنما لضمان صيرورته. إنّ صناعة الموت لهي ممارسة سياسية. إسرائيل تمتهن سياسة الإماتة. القتل جوهريّ هنا، الجريمة جوهر إسرائيل.

ولادة مصطلح «نيكروبوليتكس»

اجترح المنظّر والفيلسوف الكاميروني أكيل مبيمبي (1957) مصطلح «نيكروبوليتكس» (Necropolitics)، وفي وسعنا تعريبه إلى «سياسة الإماتة»؛ كون مبيمبي استوحى مفهومه من «نيكروبوليس» التي تعني «مدينة الأموات»، وهو مفهوم استُعمل في القرن التاسع عشر لوصف المقابر القابعة في ضواحي المدن المركزية.

ومصطلح «سياسة الإماتة» أو «نيكروبوليتيكس» هو مفهوم نظري ابتدعه مبيمبي، واعتمده عنواناً لكتابه Necropolitics، الصادر عام 2003، والمترجم إلى العربية بعنوان «سلطة الحياة والموت»، وفيه يشرح نظريته عن «سياسة الإماتة» حيث السلطة المهيمنة - الاستعمارية بشكل خاص - لا تتحكم في حياة الأفراد فحسب، إنما تدير أيضاً موتهم.

في حين ركز منظرون مثل ميشال فوكو على الطرق التي تمارس بها السلطة إدارة الحياة وشؤونها، أو ما أسماه بـ«السلطة الحيوية» (Biopolitics)، ارتأى مبيمبي إيلاء النظر إلى العنف المباشر والحيّ بوصفه صنو السلطة، ومن تجلياتها، ويظهر هذا تحديداً في المجتمعات المستعمَرة.

إسرائيل في خلقها «عوالم ميتة»

منذ قصف مستشفى المعمداني، ومع بداية الإبادة الإسرائيلية في غزة، أصرّت إسرائيل على استهداف كل المراكز الحيوية في المدينة. تدمير المستشفيات ومراكز الإسعاف وضرب الهيئات الطبية هدف إلى قطع الطريق أمام كل أشكال الطبابة، أي الصحة، أي الحياة.

لن نتحدث عن إلقاء القنابل الثقيلة على خيم النايلون التي يلوذ إليها النازحون، ولا عن ارتكاب المجازر؛ يكفي أن نشير إلى خلط المساعدات الغذائية القادمة إلى الغزيين بمواد سامة، وأن نتذكر القناص الإسرائيلي الذي ضحك حتى كاد أن يُغمى عليه بعد قتله حصاناً يركض بلا وجهة في أحد الأحياء، هارباً من القصف الثقيل.

بنى مبيمبي مفهوم «سياسة الإماتة» بعدما أجرى مطالعة تاريخية عن غزة وسلطة الأبارتهايد

إسرائيل أطلقت العنان لإرادة القتل - إرادتها - وبالنسبة إلى أكيل مبيمبي، فإنّ هذا القتل، هذا الشكل من الموت الناجم عن القتل، يؤسس لـ«السيادة الحديثة».

على أن السيادة، من منظور مبيمبي، لا تعني قوة الحكم وتشييد حدود السلطة وصونها، إنما هي القوة المشتقة من السلطة التي تحدد من يعيش ومن يموت.
على هذا النحو، تنتج القوة السلطوية المعاصرة، بحسب مبيمبي، ما يسميه «عوالم ميتة»: خلق مساحات فارغة وغير مأهولة، خالية من كل مقومات الحياة، ثم زجّ المجموعات السكانية في داخلها لتعريضها للموت أو لحفظها في حالة من الموت المعلّق.

هكذا، نستحضر تلقائياً تلك البقعة الجغرافية التي يجتمع فيها آلاف المجوعين الغزيين الذين يقفون في الصفوف، ينتظرون الحصول على الطعام، قبل أن يطلق الوحش الإسرائيلي النار عليهم، ليتضح أنه فخ منصوب يراد به «أن يمتزج الدم بالطحين»؛ أن تكون «ساعة الأكل» موعداً دامياً مع الموت.

الفلسطيني ككائن مستباح

أتاح فعل الإبادة للكيان الإسرائيلي أن يحذو حذو أميركا والكثير من الدول الغربية في استئصال، واقتلاع، وقتل السكان ليسلب «مكاناً» ويأخذه لنفسه.

منذ نشوء الكيان، والشخصية الفلسطينية - تحديداً - تتعرض للقتل، يطاردها الموت؛ مهددة بـ«التمويت»، أي بالإماتة.

مع أكيل مبيمبي، نتعرف نظرياً إلى العالم الواقعي الذي نختبر جحيمه ونشهد عليه. نظريته «سياسة الإماتة» مرآة عاكسة لما يجري في غزة. مبيمبي أصلاً بنى مفهوم «سياسة الإماتة» بعدما أجرى مطالعة تاريخية عن قطاع غزة وسلطة الأبارتهايد الإسرائيلية، وقد صرّح أخيراً بأنّ «ذروة السلطة القاتلة تحدث في فلسطين.

لقد أصبحت غزة مختبراً لسيادة عمودية تفصل ما بين التفتت الشديد والسيطرة الكاملة».
في «سياسة الإماتة» يظهر براديغم الحكم، وسلطة الحاكم، وكأننا إزاء «ليفياثان» - الذي تكلم عنه هوبز - فاقدٍ لعقاله.

الكائن المستباح

إرادة القتل، والقوة السانحة لتصنيف من يستحق الحياة ومن يستحق الموت. والحال، يتداخل مفهوم «سياسة الإماتة» مع مفهوم «الكائن المستباح» الخاص بالمفكر الإيطالي جورجيو أغامبين.

سبق للأخير أن أعطى تعريفه للكائنات البشرية المستثناة من حقوقها القانونية والأخلاقية، ما يجعلها عرضة للعنف من دون أي عواقب، كأن تقتل فلسطينياً فقط لأنه فلسطيني، كما تنص الإيديولوجيا الصهيونية، على سبيل المثال.

يقترن وجود «الكائن المستباح» وفقاً لأغامبين بفكرة القتل؛ إنه يعيش في «فضاء استثنائي» خارج القوانين والمبادئ الأخلاقية التي تحكم المجتمعات. يبدو الفلسطيني المتروك اليوم وحيداً، لا شرعة حقوق إنسان تحميه، ولا قوانين دولية ترعاه وتحميه، أبرز مثال عن «الكائن المستباح».

إنّ سيطرة العدو الإسرائيلي على قرار الموت والحياة، ومحاولة قتل الوجه الفلسطيني (قتل الوجه هو إخفاء الأثر، وإزالة البصمة، وإطفاء العينين) عبر التجويع، ليس تمهيداً لجعل الفلسطيني «كائناً مستباحاً»؛ في غزة المجوعة، إنّ «سياسة الإماتة» تحدث بسلاسة، لأن الفلسطيني، ببساطة، «كائن مستباح»، وقد أقرّ العالم - وسمح - بذلك، وكان له عرّاباً.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك