رحيل صنع الله إبراهيم: روائي السرد المتمرّد
رحيل الروائي المصري صنع الله ابراهيم عن عمر ناهز 88 عاماً بعد معاناة مع المرض.


عن عمر ناهز 88 عاماً، غيّب الموت الروائي المصري البارز صنع الله إبراهيم، بعد صراع مع التهاب رئوي نُقل على إثره إلى أحد مستشفيات القاهرة. يشكّل رحيله خسارة كبيرة للمشهد الأدبي العربي، إذ يُعدّ أحد أهم الأصوات السردية المتمرّدة التي شكّلت وجدان القارئ العربي خلال العقود الماضية.
تمرد يساري
وُلد صنع الله إبراهيم عام 1937 في القاهرة، ودرس القانون في جامعة القاهرة، قبل أن يتجه إلى دراسة الإخراج السينمائي في الاتحاد السوفيتي. غير أنّ وفاة والده عام 1955 دفعته إلى الانخراط في العمل السياسي، ما أدى إلى اعتقاله خمس سنوات (1959–1964) في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. شكّلت تجربة السجن هذه منعطفاً محورياً في مسيرته، ودوّن تفاصيلها في كتابه الشهير «تلك الرائحة»، الذي أسّس لأسلوبه السردي القائم على المزج بين الواقعية والتجريب.
في حوار سابق مع مجلة «أفكار» الأردنية، كشف إبراهيم أنّ روايته «اللجنة» وُلدت من تجربة شخصية أثناء تقدّمه لاختبار القبول في معهد السينما في موسكو. إذ فشل يومها في أداء المطلوب أمام لجنة من اثني عشر عضواً، فعاد محبطاً، وكتب ملخصاً أولياً من صفحتين تحوّل لاحقاً إلى نص روائي معقّد، يعالج فكرة «اللجنة الإمبريالية» التي تتحكم بالعالم. وقد أقرّ بتأثره بكافكا، خاصة برواية «المحاكمة»، معتبراً أن التشابه بين العملين يعود إلى تقاطع الأفكار لا أكثر.
معارض فذ
لم يكن صنع الله إبراهيم كاتباً صامتاً أمام الظلم، بل كان مثقفاً مقاوماً، لا يتردد في اتخاذ مواقف جذرية. ففي تشرين الأول (أكتوبر) 2003، رفض جائزة ملتقى «الرواية العربية» الثاني بالقاهرة، مهاجماً نظام حسني مبارك، ومعتبراً أن مصر «دولة تمارس التعذيب، وتقمع حرية التعبير، وتفرض الحصار على الثقافة الحقيقية». وأضاف «في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا، تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقّى من الأراضي الفلسطينية، وتقتل النساء الحوامل والأطفال، وتشرّد الآلاف، وتنفّذ، بدقّة منهجية واضحة، خطة لإبادة الشعب الفلسطيني. لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان».
معاناة المرض
في أيار (مايو) الماضي، أصيب بكسر في الحوض، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية. وعلى الرغم من تلقيه العلاج في مستشفى «معهد ناصر»، ناشد مثقفون مصريون الحكومة التدخل لنقله إلى مستشفى متخصّص وتحمّل تكاليف علاجه، إلا أن المرض كان قد أنهك جسده.
الأثر الأدبي
ترك إبراهيم إرثاً أدبياً غنياً، تضمن أعمالاً بارزة مثل: «برلين 69»، «بيروت بيروت»، «التلصص»، «العمامة والقبعة»، «الجليد»، «ذات»، «67»، «شرف»، «أمريكانلي»، «وردة»، «نجمة أغسطس»، و«النيل مآسي». في مجملها، جسّدت كتاباته التزاماً بقضايا الحرية والعدالة، ومزجت بين التوثيق والتخييل، لتشكّل سجلاً أدبياً وسياسياً لعصره.
برحيله، يفقد الأدب العربي صوتاً كان يكتب من قلب المعاناة، ويجعل من الرواية أداة للمساءلة وكسر الصمت. لكن إرثه سيظل شاهداً على أن الكلمة يمكن أن تكون موقفاً، وأن الأدب حين ينحاز للحق، يصبح وثيقة مقاومة لا يمحوها الزمن.
