عن «لامُعاش» عزه أبو ربعية
هذا الفن يحتاج انتظاراً مبالغاً فيه لمزيد من التأمل والحب وعدم الاندفاع في الإعجاب


قررت ألا أكتب عن معرض «اللامُعاش» للفنانة السورية عزه أبو ربعية الذي تحتضنه غاليري «صالح بركات»، إلا مع انتهائه اليوم بعدما افتُتح في 16 تموز (يوليو) الماضي. كنت قد شاهدته، وتابعت لوحاته من صفحة الفنانة في فايسبوك.
هذا الفن يحتاج انتظاراً مبالغاً فيه (لم أنتظر طويلاً) لمزيد من التأمل والحب وعدم الاندفاع في الإعجاب، والسبب أن المعرض أدهشني. وها أنا أكتب عنه بشيء من الذاتية، وهذا أحد أسباب الانتظار، فقد أردت التخلص من الكتابة بذاتية، لأن ما شاهدته مسّني.
على أي حال، ورغم عدم مهنية الكتابة الذاتية في الصحافة، إلا أني سأكتب عن «اللامُعاش» بوصفه مُعاشاً يثير الحس والفكر معاً. شفافية وظلال اللوحات، ليست مجرد تقنيات مستخدمة في اللوحات، بل أدوات «التوريط» الفنية التي استخدمتها عزه لتلقي فنها من قبل أي متلق. فهي أرادت، ربما، خلق رابط عميق بين «اللوحة» وبين الواقف أمامها، حتى يأخذ لحظة الغياب معه بعد أن يخرج من بوابة الصالة. هذه الحالة ذكرتني بشعر مظفر النواب في «القبطان» حين يقول: «أيها الشاربُ إنْ لم تكُ شفّافاً رقيقاً كزجاجِ الكأسِ لا تدخلْ طقوسَ السكرِ والكينونةِ الكبرى».
استخدمت المزدوجين لأضع اللوحة بينهما، لأن إنتاج عزه الفني في هذا المعرض، خارج الإطار، ففي كل عمل معلق على الجدار، بما فيه ذاك الذي وضع أسفله درج، مرسوم بنهايات غير كاملة كما شعرت ورأيت، وهذا لا يعني أن الأعمال غير مكتملة. لكن ما أكد لي أن هناك المزيد، لوحة ظل الخيط فيها ممتد إلى طرف «الإطار»، فمنحني انطباعاً بأنّ ما في اللوحة مستمر في رحلته إلى بعد آخر، مكانه تفاصيل تحتاج الغرق في مكونات العمل الفني، الألوان، الخيطان، القماش بأنواعه، قماش اللوحة، والقماش الملون الذي استخدمته في بعض اللوحات، فشفّت فيه أحلامها، التي قامت بمشاركتها بهدوء وصمت ضروري، وواجب أمام لوحاتها، كأحد عناصر فنها.
وأحد المكونات الرئيسية لفن عزه في «اللامُعاش» النص الذي افتتحت فيه معرضها، الذي أحببت أن أسميه «بيان عزه الفني». هذا النص، الذي يقدم إجابة جديدة عن سؤال «من أين يأتي الفن؟» أو هل الفن أفكار تأتي في رأس أو قلب أو روح أو لا أعرف الخاص بالفنان، أم ماذا؟ ربما هذا السؤال لا يؤرق الفنان، بل إنه يتعب المترقبين للإبداع، وللحظته التي تأتي غفلة أحياناً، و«مخططة» أحياناً، ويستتبع هذا كله سؤال، هل التخطيط للفن، ينتج فناً؟! تقول عزه: «ماذا لو كان الظل ملّوناً وليس رمادياً؟ كان هناك بكتلته الكثيفة، رحل! وإذا بألوانٍ أراها، ليست رمادية، ليست ظله. بل هي بقايا حديثٍ عابر أو ربما خيالات نشأت من تلك الحالة. كيف أصنع منها عالماً أعمق، غير محدود؟ تنهيدة ضمن العمل. غياب ذلك الوزن الثقيل، وحضور تلك الألوان الشفيفة كهذيان أحياناً... بينما أحلم أراها تارةً وأراه، أرى سمكةً أو شجرة، واللون يصبح شخصاً حاضراً لا يحدَّد بشكل. أنا لا أرسم أحلامي. بل هي تأخذني إلى عالم آخر. كنت أرسم سمكةً وإذ بخطٍ يخترق جسدها ليصبح مهبلاً ولينقلب ذيلُها ضفرةَ شعر. لم أقصد ولكنها طلبت. وهنا تبدأ رحلة بحثي. إنه عالم مشتهى. لا معاش. عالم رغبنا فيه شفافاً. عالمٌ نعيشه فقط في داخلنا ويستحيل أن نعيشه في الواقع». هذا النص/البيان، مفتاح من مفاتيح المعرض، إلى جانب متلق شفاف رقيق كزجاج الكأس.
خطّت عزه توقيعها في معظم أعمال المعرض، بالخيط. وعلى جدار واسع، علّقت نحو 50 عملاً (من أصل مئة تقريباً) بأحجام مختلفة، قدمت حالات مختلفة، روحية وجسدية ببراعة واضحة، وجمع يوحي أن وضع هذه الأعمال قرب بعضها «ذائقة فنية»، فمن الممكن جداً قراءة العلاقة بين اللوحات، وهي مثل باقي المعرض، مشغولة ما بين 2023 - 2025، وعند الانتباه أن هذه الأعوام الثلاثة في منطقتنا حملت ما حملت من قصص وأحداث، وحبلت فأنجبت حكايات ستبقى عشرات السنين في ذاكرة من عاشوها، حروباً وشهداء وجرحى وانتصارات وانكسارات وهزائم. يمكن فهم تركيب هذه اللوحات مع بعضها، ويمكن فهم الهوية الخاصة في أعمال هذا الجدار، وفي أعمال المعرض كله.
عزه أبو ربعية فنانة، يبدو أنها تغمض عينيها، ترى لوحتها، تبقيها بنصف إغماضة، تمسك ريشتها، ترسم. فاللامُعاش في هذا المعرض، رؤيته فقط بعينين مفتوحتين عن آخرهما.
