ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

هنادي زرقة تركت قلبها على العتبة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

 بين لغة السرد ولغة المجاز، أطلقت الشاعرة السوريّة هنادي زرقة صرختها الوجودية عبر ديوانها «مثل قلب على مدخل البيت» (دار أثر ـــ 2025). عنوانٌ يُظهر تكثيفاً لغويّاً

فاطما خضر
فاطما خضر
السبت 23 آب 2025
هنادي زرقة تركت قلبها على العتبة
الخط


بين لغة السرد ولغة المجاز، أطلقت الشاعرة السوريّة هنادي زرقة صرختها الوجودية عبر ديوانها «مثل قلب على مدخل البيت» (دار أثر ـــ 2025). عنوانٌ يُظهر تكثيفاً لغويّاً؛ فالقلب ليس داخل البيت، ولا خارجه، بل على العتبة، على الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج، بين بُعدين: الطفولة والخمسين من العمر، الوطن (سوريا/ اللاذقية) والمنفى (ألمانيا/ برلين).

البيت هُنا، ليس بمعناه الاصطلاحيّ، بل بمعناه المجازيّ: ذاكرة الشاعرة، التي تختزن فيها ذكرياتها، تُحرّرها عبر ستة وستين نصّاً شعريّاً، لا ينفصل أحدها عن الآخر، بل تُشكّل بمجملها سيرةً ذاتيّةً، يختلط فيها الشخصيّ بالعام، والأنثويّ بالوطني؛ لتُجسّد في المحصّلة فكرة الاغتراب النفسيّ الذي يعيشه الإنسان وسط الانزياحات الوجوديّة: الماضي والحاضر، القلق والخوف، الحنين والغربة، الحبّ والفقد، وغيرها من الثنائيات. يحمل معجم زرقة اللغويّ مجموعة من المفردات المتكرّرة: الطفولة، الخمسون من العمر، الوحدة، الأحلام، البيت، أفراد العائلة (الأب، الأخ، وأكثرهم تكراراً الأم)، الخوف، القلق، الزهايمر، الحيوانات الأليفة (كلب، قطة، حصان)، وغيرها...

تُسيطر مُفردتا الطفولة والوحدة على أكثر من ثُلث القصائد، لتُشكّلا مصدري القلق الوجوديّ الأوّل في حياة الشاعرة، في حين تشكّل الأحلام مصدر خوف يلاحقها في النوم واليقظة. لذا تناولتها في عدد من القصائد.

تبدو الطفولة في حياتها جُرحاً عميقاً، لا شفاء منه. انعكاسٌ تراهُ في مرآة ذاتها، يُثير فيها القلق والألم.
تُعيد الشاعرة تشكيل اللغة، لتُعبّر عن صدمة تُهدّد كيانها الوجوديّ، إذ يصبح العمرُ نهراً تفصل ضفتاه بين عامين من حياتها، ويتطلّب عبورهما القفز. فعلٌ حركيٌّ يتطلّب جهداً ويحمل مخاطرةً، لتعكس ما رافق سنوات حياتها من معاناة: «في طفولتي/ لم يكن لي ميلادٌ يُحتفل به/ وحين أسأل أمي/ ما الذي ستهديني في مولدي/ كانت تجيب حانقة: ليتك لم تولدين/ كبرت وأنا أقفز فوق ميلادي/ كأنّه نهرٌ بين عامين/ أخاف أن أسقط فيه، فتجرفني أمنية أمي!».

تراوح الصور بين اليومي والمُقدّس، إذ تصوّر زرقة طفولةً مثقلةً بالقيود، عبر انزياحات لغويّة متتالية، تُصبح معها لُعبةٌ عاديّةٌ (الطائرة الورقيّة) رمزاً للحريّة المسلوبة؛ تتحوّل بدورها إلى صليب، ليس بمعناه الديني، بل كتجسيد لمعاناة ذاتيّة، تكتنز الألم والاضطهاد. يترافق ذلك مع تكرار مفردة «لو» كترنيمة عجز وتمنٍّ: «لو أنني أفلحت في صناعة طائرة ورقيّة في طفولتي/ لو أن خيوط الملاحف التي كانت تستخدمها أمي أطول وأمتن/ لو لم تنقطع بعد أقل من محاولة/ لو أن عيدانها لم تكن ثقيلة مثل صليب.../ لو لم يصلبوني على تلك الأخشاب.../ لربّما كنت في السماء/ فارداً جناحيَّ مثل طائر حَوم!».

تُسيطر مُفردتا الطفولة والوحدة على أكثر من ثُلث القصائد

- ما بين الواقعي والرمزي، تحوّل تفاصيل الفقر الماديّ إلى سرد ذاتيّ، يُعيد إنتاج معاناة الطبقات الفقيرة، بدءاً من الطفولة حيث الحرمان المُضاعف، تاركةً للقارئ قراءة ما بين السطور، كالحقبة الزمنية التي أنتجت هذا الفقر: «أشياءٌ ينبغي ألا يعرفها الآخرون عنك: كأن تقضي طفولتك حافياً/ تنتظر أن تضيق ثياب أخيك الأكبر/ وأن تمضي إلى المدرسة بقلم واحد/ وسترة واحدة من متجر الثياب المستعملة.../ كأن تضيق أحلام إخوتك فترتديها/ مع أنّها لا تناسبك...».

بعد الطفولة، تأتي الوحدة كرفيق ثانٍ يُصاحبُها في قصائدها: تؤنّث زرقة روحها، لتغدو بانزياح لغويّ كياناً ملموساً، وليس مجرّد مفهوم مجرّد.

تصبح الشاعرة أمّاً لروحها، تعتني بها، وتحنو عليها. وبانزياح لغويّ آخر، تغدو الريح قوّةً خارجيةً مجهولة، قد تكون القدر أو الزمن أو الله أو اللاشيء! تتكئ عليها في وحدتها لحظة الضعف أو الاستسلام: «في الليل/ أربّت على كتف روحي/ أحكي لها حكايات طويلة/ أقول لها: لا بأس، سيكون كل شيء بخير/ أقبّلها على رأسها/ أغطيها جيداً، وأتمنى لها أحلاماً سعيدة/ تعلّمت أن أكون أمي/ أسند ظهري للريح/ وأقول: فلتكن مشيئة الريح». عبر تشبيه غير مألوف، تُعيد زرقة تعريف علاقة الإنسان مع وحدته، طارحةً سؤالاً وجوديّاً: مَن يملك الآخر في العلاقة بين الإنسان ووحدته؟

تقدّم بلغة تمزج بين الواقعي والسوريالي، ونبرة تُراوح بين السخرية والشفقة، رؤية جديدة للعلاقة مع الذات، تحوّل عبرها الوحدة إلى شخصيّة مستقلّة بخصائص حيوانية، فتغدو رفيقاً مؤنساً وكائناً عدوانيّاً وضحيةً في الوقت ذاته، لنصل إلى خاتمة مؤثّرة تخلق انقلاباً في علاقة القوّة: «يخشى البشر الأنانيون الوحدة، فيربّون كلاباً/ الكلاب وحيدة/ وكذا العجائز/ أنا أيضاً أربّي الوحدة/ وحدتي كلب شارد/ لا أُحسن ترويضه».

مع زرقة، تتحوّل محطة القطار من مكان ماديّ إلى استعارة للحياة والانتظار الوجودي العقيم. تختزل سنوات حياتها في مشهد محطة، بلغة تجمع بين بساطة التعبير وعمق الدلالة، مُتعمّدة تكرار لفظ القطار كرمز للفرص الضائعة، لتقدّم بذلك مشهداً مكثّفاً عن الوحدة في عالم تسيطر عليه الحركة والفرص الضائعة: «هي لا تعرف شيئاً عما يقولون/ تعرف أن عطباً في ذاكرة أمها أخّرها عن موعد القطار/ وأن قطارات كثيرة مرّت في ذاكرتها ولم تأبه لها/ قطار الحب/ قطار الحياة/ وها هي تقبع وحيدة في المحطة».

تتضاعف النزعة التشاؤميّة في قصائدها عن الأحلام: الصباحات غير رحيمة، والكوابيس تلاحقها، والذكريات المرعبة تتملّكها، في إشارة مبطّنة للوحدة مجدّداً: «أنام مع ذكريات ترعبني/ أستيقظ وأنفض الذكريات عن الوسادة/ أطرد الأشباح/ وأقول ليكن يوماً جديداً/ لكن الجديد لا يأتي».

بالنسبة إلى زرقة، حتّى أحلام اليقظة صعبة، في بلاد اختبرت الحرب لسنوات، وتصبح مستحيلة في غربةٍ تمحوها: «في المدن الضيقة نحلم كثيراً فتتسع الشوارع/ وحين منحوني مدينة كبيرة وشوارع فسيحة توقفت عن الأحلام».

هكذا تُقدّم زرقة عالماً شعريّاً يترنّح بين الذاكرة والضياع، ويمزج بين البساطة والعمق، ويرتكز إلى ألفاظ يوميّة تحمل دلالات وجوديّة مكثّفة، تعكس ألم الطفولة وقسوة الوحدة ورُعب الأحلام، في بحث متواصل لها عن المعنى.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك