غيوم ميسو... رواية عن «متاهة» الذات
«من لم يواجه ظلَّه، سيُسقطه على الآخرين» تختصر هذه العبارة المفتاحية، على لسان كارل يونغ، جوهر الصراع النفسي الذي تدور حوله رواية «فتاة المتاهة» (2024) التي صدرت أخيراً عن «دار هاشيت نوفل»


«من لم يواجه ظلَّه، سيُسقطه على الآخرين» تختصر هذه العبارة المفتاحية، على لسان كارل يونغ، جوهر الصراع النفسي الذي تدور حوله رواية «فتاة المتاهة» (2024) التي صدرت أخيراً عن «دار هاشيت نوفل» (ترجمة سمر معتوق) ليست الجريمة هنا هي المحور، بل ما تكشفه من صراع داخلي خفيّ، حيث لا يكون «الآخر» إلا قناعاً للذات.
عبر هذا العمل، يُقدّم الكاتب الفرنسي غيوم ميسو تجربة سردية نفسية غنية بالتوتر والتفكُّك، تدور أحداثها بين مياه الكوت دازور الوادعة وظلال الذاكرة الممزقة، لتسائل القارئ ليس فقط عن هوية القاتل، بل عن معنى الهويّة ذاتها، حين تصبح الذات مأوى للآخر الغريب.
منذ صفحاتها الأولى، تضع الرواية القارئ أمام مشهد متناقض: جريمة عنيفة في مكان ساحر. على متن يخت فاخر قبالة سواحل «كان»، تعثر الشرطة على صحافية إيطالية بارزة تدعى أوريانا دي بييترو، وهي بين الحياة والموت.
عشرة أيام في الغيبوبة تنتهي بموتها، لتبدأ بعدها سلسلة من السرديات المتناقضة، يرويها أربعة: الزوج، المُحقِّقة، الشابة الغامضة، والضحية نفسها. الحقيقة ليست واضحة، بل مكسورة إلى شظايا، تتباين من راوٍ إلى آخر. وبين تعدُّد الأصوات وتداخل الأزمنة، تتضح فكرة واحدة: الحقيقة ليست ما حدث، بل كيف رآها كل من حمل ندبة في داخله. بهذا المدخل الفلسفي والنفسي، يرسم ميسو متاهة لا نخرج منها إلا بمواجهة الذات وظلّها.
الرواية بين الظاهر والباطن: طبقات من السرد والذات
في هذا السياق، يُمكن القول إنّ اختيار العنوان «فتاة المتاهة»، يُعبّر عن جوهر الرواية بذكاء، فالمتاهة ليست فقط أحداث الرواية، بل الذات نفسها. كل شخصية تسير داخل متاهتها الخاصة، حيث تتقاطع الرغبات بالندم، الخوف بالذنب، والماضي بالحاضر. حتى البطلة، في لحظة مفصلية، تكتشف أنها ربما لم تكن تسير أبداً نحو المخرج، بل كانت تدور في دائرة مغلقة داخل عقلها.
أسلوب سردي بصري يحاكي تقنيات الفيلم
انطلاقاً من هذا المناخ النفسي، تتأسس الرواية على خط سردي مُتعدِّد الأصوات، تتناوب فيه الشخصيات على رواية الحكاية، كلٌّ منها من زاويتها الخاصة، ومن عمق جرحها الشخصي، فتروي كلّ شخصية جانباً يبدو، للوهلة الأولى، حقيقياً ومنطقياً، بل صادقاً تماماً.
غير أن الروايات سرعان ما تتعارض، وتتكرر الوقائع من منظورات متباينة، حتى يدرك القارئ أنّ ما يقرأه ليس سوى شظايا من روايات خاصة، تتباين وتتقاطع من دون أن تفضي إلى صورة كاملة لما حدث. لا يتوقف هذا التعدُّد السردي عند البُنية الفنيّة فقط، بل يُسهم في بناء التصوّر النفسي للرواية؛ إذ يُعدّ تضارب السرد انعكاساً لتناقض داخلي في الشخصيات. فكل راوٍ يمارس نوعاً من الانتقاء النفسي، إذ يفلتر الوقائع بما يخدم نظرته الذاتية إلى العالم. وهذا يتقاطع مع ما يؤكده التحليل النفسي الحديث: الإنسان لا يروي تجربته كما هي، بل يُعيد تشكيلها وفقاً لاحتياجاته النفسية، الواعية واللاواعية.
المنهج النفسي: حين تصبح الرواية تشخيصاً سريرياً
إذا تناولنا الرواية من منظور المنهج النفسي، كما صاغه فرويد وطوّره لاحقاً جاك لاكان وكارل يونغ، سنجد أنفسنا أمام نص روائي يستدعي التشخيص أكثر مما يدعو إلى التفسير. فالشخصية المحورية في الرواية لا تخضع فقط لأحداث خارجية مأساوية، بل تنزلق تدريجاً في انقسام داخلي حادّ، يتخذ شكل اضطراب نفسي نادر يُعرف بـاضطراب الهوية التفارقي (TDI).
وهذا الاضطراب ينشأ نتيجة صدمة نفسية عنيفة في مرحلة الطفولة المبكرة، فيخلق العقل حينها «ذاتاً بديلة» تعيش داخل الجسد ذاته، لكنها تحمل خصائص مختلفة كلياً، بل تتصرّف بمعزل عن الذات الأصلية.
لا تكشف الرواية هذا الاضطراب منذ البداية، بل تبنيه على مراحل: نبدأ باعتقادنا أن هناك شخصيات منفصلة، ثم تتداعى هذه القناعة تدريجاً حتى نكتشف أن أحدهم – أو إحداهن – قد لا يكون سوى نتاج لعقل شخصية أخرى، لا وجود له في الواقع. هنا تبلغ براعة ميسو ذروتها: فهو لا يخبرنا بحقيقة الانفصام، بل يجعلنا نختبره نفسياً كقرّاء. من هنا تتولد لدى القارئ مشاعر التباس، قلق، وحتى اضطراب إدراكي، مشابهة لما قد يشعر به الشخص المصاب فعلياً بهذا النوع من الاضطرابات.
ويزداد هذا التفكُّك حين نستلهم مفاهيم المُحلِّل النفسي جاك لاكان، ولا سيما نظرية المرآة، التي تفترض أن الذات لا تتكون إلا حين ترى نفسها منعكسة في صورة الآخر. في الرواية، يظهر «الآخر» بوصفه شخصية كاملة، لكنه في الواقع مرآة مظلمة للذات الأصلية، وهو ليس مجرد انعكاس، بل يحمل كل ما قُمِع في اللاوعي: الرغبة، الغضب، الخوف، الذنب. الذات الأصلية، في محاولة للنجاة من الألم، تصنع هذا الآخر وتمنحه حرية التعبير.
غير أن هذا «الآخر» لا يظل تحت السيطرة. شيئاً فشيئاً، يبدأ في الانفصال، يتخذ قرارات، يرتكب أفعالاً، ثم يتمرد على الذات التي خلقته. ميسو هنا لا يكتب عن الجريمة، بل يكتب عن الانقلاب النفسي الخطير الذي قد يحدث حين لا يستطيع الإنسان مواجهة ماضيه، فيلجأ إلى إنكار الذات وصناعة نسخة مشوهة منها لتحمّل الألم.
الكتابة السينمائية: حين تتحول الرواية إلى مشاهد
من يقرأ غيوم ميسو يلاحظ فوراً أن أعماله ليست مجرد نصوص تُروى، بل مشاهد تُرى. فالرجل، المتأثر بوضوح بالسينما، ينتهج أسلوباً سردياً بصرياً يحاكي تقنيات الفيلم في البناء والتقطيع والإخراج. في «فتاة المتاهة»، يبدو كل فصل كأنه مشهد سينمائي مكتمل: بداية حركية تشد الانتباه، تصاعد درامي سريع، ثم مفاجأة تقلب التوقعات في نهايته.
الجمل قصيرة، الإيقاع متسارع، والمشاهد تزخر بعناصر حسّية ملموسة كالبحر اللامتناهي، وانعكاسات الضوء والظل، ونغمات الموسيقى، وزوايا الرؤية، وكلها تُقدَّم بتفصيل دقيق يُقرب القارئ من الشعور بأنه داخل فيلم لا رواية. بل إن بعض المقاطع تُقرأ حرفياً كما لو كانت نص سيناريو: وصف لحركة يد، لنظرة عابرة، لصوت خافت يعلو فجأة، أو لانفعال داخلي مكبوت.
وأكثر من ذلك، يوظف ميسو أسلوباً سردياً يُشبه المونتاج السينمائي؛ إذ غالباً ما ينهي فصلاً بمشهد مُكثف، ليفاجئ القارئ مباشرة بانتقال زمني أو مكاني غير متوقع. في «فتاة المتاهة»، لا يُقدّم لنا غيوم ميسو مجرد عمل بوليسي، بل يُسلّمنا إلى تجربة وجودية شائكة، إذ يحاول الإنسان إنقاذ ذاته من الانهيار بصناعة واقع بديل، وهويّة رديفة، بل حياة كاملة تعيش خارج حدود الحقيقة.
إنها حكاية عن الشفاء المستحيل، عن الوحدة التي لا تُطاق، عن كائن، حين يخاف من ذاته، يخلق وحشاً يسكنه ويتماهى معه. يتجلى النص بوصفه حالة إنسانية أكثر من كونه حبكة بوليسية؛ فمن منّا لم يهرب يوماً من نفسه؟ من منّا لم يصنع نسخة أخرى ليختبئ خلفها ويواصل الحياة؟
بأسلوب بصري نابض، وسرد محكم، ولغة تتقلب كالموج بين الشك واليقين، ينجح ميسو في صياغة عمل نادر لا يمنح القارئ أجوبة، لكنه يعرف تماماً كيف يزرع الأسئلة في أعماقه.
