«طالبان»: الغزل ممنوع
أصدرت حركة طالبان قانوناً جديداً قضى بتنظيم الأمسيات الشعرية في أفغانستان، في محاولة جديدة للسيطرة على المجال الثقافي والفكري والوجداني في البلاد، وإعادة تعريف وظيفة الشعر وتحويله من فضاء حرّ للعاطفة والذاكرة إلى أداة أيديولوجية على مقاس السلطة.


أصدرت حركة طالبان قانوناً جديداً قضى بتنظيم الأمسيات الشعرية في أفغانستان، في محاولة جديدة للسيطرة على المجال الثقافي والفكري والوجداني في البلاد، وإعادة تعريف وظيفة الشعر وتحويله من فضاء حرّ للعاطفة والذاكرة إلى أداة أيديولوجية على مقاس السلطة.
قلّ أن نجد بلداً ارتبط بالشعر كما ارتبطت به أفغانستان. في هذه الأرض الجبلية القاسية، حيث الحروب والغزوات تكاد تكون قدراً دائماً، وجد الناس في القصيدة ملاذاً للروح، وسبيلاً لحفظ الذاكرة الجماعية، ومتنفساً للتعبير عن الألم والأمل.
فالشعر في أفغانستان لم يكن ترفاً نخبوياً، بل جزءاً من الحياة اليومية، يتناقله الناس في أسواق ومقاهي كابول وقندهار، ويرتّله الدراويش والمتصوفة في حلقاتهم، ويرفعه المقاتلون نشيداً في ساحات القتال.
قصائد مرآة البلد
من «بلخ» وُلد جلال الدين الرومي قبل أن يتحوّل إلى شاعر الحب الإلهي الأكبر، وفي الشعر البشتوني برز خوشحال خان ختك في القرن السابع عشر، الذي لم يكن شاعراً فحسب، بل زعيماً ومقاتلاً رفع القصيدة سيفاً ضد القهر، حتى صار رمزاً وطنياً.
ومع كل حقبة سياسية مضطربة من تاريخ البلاد، كان للشعراء نصيبهم من الأسى. فقد دفعت الحروب الداخلية والاحتلال السوفياتي، ثم صعود طالبان، بأعداد كبيرة منهم إلى الهجرة، لتبقى قصائدهم في مضامينها مرآة لبلد مثقل بالفقدان والحزن.
هذا الأسى يتجدد اليوم مع القانون الجديد الذي يحظر الغزل وما يسميه «الحب المجازي والرغبات غير المشروعة»، الذي يجرّم مدح الفتيان والفتيات أو الدعوة إلى صداقات بينهم. قرار يلزم الشعراء بقصر نتاجهم على الدعوة للعقيدة الإسلامية ووحدة الأمة، ورفض ما تعتبره الحركة «أفكاراً غير إسلامية» مثل الديمقراطية والنسوية والقومية والشيوعية.
ارتباط الأفغان بالشعر
أكثر من ذلك، ينص القانون على حظر أي إساءة صريحة أو ضمنية للشعائر الإسلامية أو للعلماء، ويمنع التعرض للقوميات واللغات والمجتمعات المسلمة. كما يُلزم وزارة الإعلام والثقافة بإنشاء لجان رقابية مشتركة مع «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وشورى العلماء، تتولى مراجعة الأمسيات الشعرية، وانتقاء المشاركين، وفرض العقوبات على المخالفين.
هكذا، لم يعد الشعر في نظر «طالبان» فعلاً حراً، بل فعالية مراقَبة تُدار كالنصوص الدعائية. وتسعى الحركة من خلال هذا القرار إلى فرض هيمنة شاملة على المجال الرمزي والثقافي للأفغان بحكم إدراكها أن الشعر في أفغانستان ليس مجرد كلمات منمّقة، بل هو مخزون وجداني وهوية جماعية تُحرّك الوعي الشعبي. ومن هنا، فإن السيطرة عليه تعني السيطرة على مخيلة الناس نفسها. وبذلك تقطع الحركة الصوت على الأصوات المعارضة كون الشعر في التاريخ الأفغاني لطالما كانت أداة مقاومة سياسية واجتماعية. كما تهدف الحركة إلى جعل الشعر وسيلة للدعوة الدينية وتثبيت الطاعة، بدلاً من كونه مساحة للتعبير الحر، معولةً على عمق ارتباط الأفغان بالشعر، وهو ما يمكن أن يعزز من خطابها الديني وانتشاره. وبتجريم الغزل والتعبير عن الحب، تحاول حصر المشاعر بالبعد الديني فقط.
لكن ما تتجاهله الحركة هو أن الشعر في أفغانستان لم يكن يوماً ابناً طائعاً للسلطة. فالرومي لم يُخلّد لأنه مدح سلطاناً، بل لأنه غنّى للحب الإنساني والإلهي. وخوشحال خان صار رمزاً لأنه واجه السلطة بالكلمة والسيف معاً. وخليل الله خليلي ظل يُقرأ في المنافي لأنه جعل من الشعر مرآة لوجع وطنه وأمله.
التاريخ الأفغاني نفسه يكشف أن محاولات تقييد الشعر كانت دائماً قصيرة العمر. فالقصائد التي حُظرت علناً عاشت في السر، وتلك التي مُنعت في البلد انتشرت في الخارج.
