عودة إلى درس التاريخ الأهمّ: تهجير المقاومين سياسة متواصلة
في «تاريخ الشيعة في لبنان»، ركّز سعدون حمادة على مسار الحكم الشيعي في جبل لبنان، ثم على مراحل تهجيرهم. وفي هذه العودة إلى الجذور، نستعيد الماضي لفهم حاضرٍ تتجدد فيه مشاريع التهجير بوجوه جديدة


في «تاريخ الشيعة في لبنان»، ركّز سعدون حمادة على مسار الحكم الشيعي في جبل لبنان، ثم على مراحل تهجيرهم. وفي هذه العودة إلى الجذور، نستعيد الماضي لفهم حاضرٍ تتجدد فيه مشاريع التهجير بوجوه جديدة، من واشنطن وتل أبيب إلى الرياض، بهدف تفريغ الحدود من الشيعة وفتح الطريق أمام التطبيع
برحيل المؤرخ والباحث اللبناني سعدون حمادة، يخسر لبنان واحداً من أبرز من عملوا على توثيق تاريخ الشيعة في جبل لبنان.
لم يكن حمادة مؤرخاً تقليدياً يكتفي بجمع الروايات وتسطير الأحداث، بل كان صاحب مشروع فكري يرى في التاريخ مادة حيّة لفهم الحاضر ومواجهة التحديات.
في عمله المرجعي «تاريخ الشيعة في لبنان»، الذي توزّع على مجلدين، ركّز على مسار الحكم الشيعي في جبل لبنان ثم على مراحل التهجير والإقصاء التي تعرضت لها الطائفة.
وفي هذه العودة إلى الجذور، نستعيد ملامح من الماضي لفهم حاضرٍ تتجدد فيه مشاريع التهجير بوجوه جديدة، من واشنطن وتل أبيب إلى الرياض، بهدف تفريغ الحدود من الشيعة وفتح الطريق أمام التطبيع العربي مع إسرائيل.
التهجير كسياسة ممنهجة في التاريخ اللبناني
أبرز ما شدّد عليه حمادة في مؤلفاته أنّ التهجير لم يكن مصادفة عابرة في تاريخ الشيعة اللبنانيين، بل سياسة ممنهجة استُخدمت لإضعافهم وتفكيك بنيتهم الاجتماعية والسياسية. فقد وثّق في المجلد الثاني من كتابه كيف أن الشيعة في جبل لبنان عاشوا صراعات مركبة: ضغوط السلطة العثمانية، النزاعات مع القوى المحلية، ومحاولات إقصائهم من مناطق نفوذهم.
ونتيجة ذلك، انحسر وجودهم في الجبل وتوزعوا في الأطراف. هذا الانحسار لم يكن مجرد تحوّل جغرافي بل تحوّل سياسي أيضاً، إذ أدى إلى فقدان الطائفة لموقعها المركزي في التركيب اللبناني الناشئ.
يوضح حمادة أنّ التهجير جاء ضمن دينامية أوسع، إذ جرى رسم موازين القوى في جبل لبنان بطريقة استبعدت الشيعة وحصرت أدوارهم في هوامش السلطة. هكذا تحوّلوا من شركاء في الحكم المحلي إلى ضحايا صراعات فرضتها إمبراطوريات ومصالح طائفية متشابكة.
التهجير المعاصر: أداة في خدمة مشاريع التطبيع
اليوم، ومع رحيل حمادة، يتجدد السؤال: هل نشهد فصولاً جديدة من التهجير؟ إنّ المتابع للمشهد الراهن في الجنوب والبقاع والقرى الحدودية يلحظ بوضوح أنّ هناك تلاقي مصالح أميركية – إسرائيلية – سعودية يستهدف الوجود الشيعي.
الضغوط العسكرية الإسرائيلية، الحصار الاقتصادي الغربي، والتمويل الخليجي لخطابات العداء الداخلي، ليست سوى عناصر في مشروع واحد: دفع الشيعة إلى النزوح عن قراهم الحدودية لتفريغ الأرض وإقامة «منطقة عازلة» تمكّن إسرائيل من تثبيت مشروع التطبيع مع الأنظمة العربية.
فالتهجير لم يعد يُعرض كحلّ أمني ظرفي، بل كجزء من إستراتيجية أشمل تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية بما يخدم دمج إسرائيل في المنطقة ككيان طبيعي. ومن هنا تصبح القرى الشيعية الحدودية العقبة الأكبر أمام المشروع، لأنها تحولت منذ عقود إلى خط الدفاع الأول للمقاومة.
خيار الشيعة: المقاومة لا التهجير
لكن ما يميز المرحلة الراهنة عن الماضي هو أنّ الشيعة لم يعودوا مجرد ضحية للتهجير. فمنذ الثمانينيات، تحوّلوا إلى الحاضنة الرئيسية لخيار المقاومة، عربياً وأممياً. تجربة المقاومة في الجنوب، بدءاً من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي المباشر، مروراً بالتحرير عام 2000، وصولاً إلى حرب تموز 2006 وما تلاها من معارك سياسية وعسكرية، جعلت من القرى الحدودية رمزاً للصمود.
هذا التحول الإستراتيجي غيّر معادلة التهجير: بدل أن يكون الشيعة مهددين بالإقصاء من أرضهم، باتوا هم الضامن لبقاء الأرض لبنانية وعربية. خيارهم لم يعد الرحيل، بل البقاء والقتال، ومن هنا استحالة تحقيق أي مشروع تهجير جديد من دون الاصطدام بمقاومة مسلحة وشعبية عابرة للحدود.
التهجير كتوطئة للإقصاء السياسي
لا يمكن فصل مشروع التهجير المعاصر عن محاولة أوسع لإقصاء الشيعة من المشهد السياسي الإقليمي. فبما أنّهم باتوا اليوم القوة الأساسية التي تعرقل التطبيع وتواجه السياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، فإنّ استهدافهم بالسلاح أو بالعقوبات أو بالحملات الإعلامية يهدف إلى كسر هذه الحاضنة. التهجير، بهذا المعنى، يصبح مدخلاً لإضعاف حضورهم السياسي وضرب مقاومتهم.
إرث سعدون حمادة: الذاكرة كسلاح
في مواجهة هذه المشاريع، يبقى إرث سعدون حمادة أساسياً. لقد شدد في كتاباته على أنّ التاريخ ليس مجرد سرد محايد للأحداث، بل هو ساحة صراع. توثيق التهجير، فضح أسبابه، والتأكيد على أنّه سياسة لا حادثة، هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية والفكرية.
فالذاكرة، في نظر حمادة، سلاح لا يقل أهمية عن البندقية، لأنها تمنع إعادة إنتاج الأكاذيب نفسها وتفضح المحاولات المتكررة لاقتلاع الناس من أرضهم.
بذلك، يصبح تكريمه اليوم ليس فقط بإعادة قراءة كتبه، بل بتحويل رسالته إلى وعي جمعي: إنّ التهجير سياسة يجب أن تُقاوَم لا أن تُستسلم لها. وكما واجه شيعة جبل لبنان محاولات اقتلاعهم في الماضي بالصمود والتجذر، فإنّ حاضرهم يفرض عليهم أن يدركوا أنّ أي نزوح قسري اليوم ليس سوى خدمة مجانية لمشروع التطبيع.
من التهجير إلى الحاضنة الأممية للمقاومة
إنّ التحولات التي شهدتها العقود الأخيرة جعلت من الطائفة الشيعية في لبنان أكثر من مجرد مكوّن محلي. فهي اليوم الحاضنة الأممية للمقاومة، من فلسطين إلى العراق واليمن وسوريا.
هذا الدور لم يكن متخيلاً في القرون الماضية، لكنه أصبح حقيقة بفضل التضحيات والتجربة السياسية والعسكرية التي راكمتها. ومن هنا نفهم لماذا يشكّل تهجير الشيعة من القرى الحدودية هدفاً إستراتيجياً: لأنّ بقاءهم هناك يعني استمرار المقاومة، واستمرار المقاومة يعني إفشال مشروع التطبيع الذي تسعى واشنطن وتل أبيب والرياض إلى فرضه كأمر واقع.
رحيل حمادة ودرس الصمود
رحل سعدون حمادة جسداً، لكنّ أثره باقٍ في كتبه التي وثقت تاريخ الشيعة من الحكم إلى التهجير. وفي زمن يُعاد فيه الحديث عن تهجير جديد، يشكل إرثه دعوة واضحة: أنّ مواجهة الاقتلاع لا تكون فقط بالسلاح، بل أيضاً بالوعي التاريخي والتمسك بالذاكرة.
اليوم، إذ يواجه الشيعة ضغوطاً متعددة الأبعاد، يختارون المقاومة لا النزوح، والبقاء لا الاستسلام. فكما لم ينجح التهجير القديم في محوهم من الجغرافيا اللبنانية، لن تنجح المشاريع الحالية في اقتلاعهم من قراهم الحدودية. وبقدر ما حاولت القوى الكبرى أن تجعل منهم هامشاً، تحوّلوا إلى مركز المقاومة العربية والأممية، حائط صد في وجه التطبيع، وضمانة أنّ الأرض والذاكرة ستبقيان عصيتين على الاقتلاع.

