ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

نصوص وقصائد راهنة مكتوبة قبل خمسة عقود | أرشيف الوجع الجنوبي: أين يتّجه الزمن العربي؟

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

لكأن الزمن لم يتغير قَط منذ دبج أولئك الشعراء والأدباء قصائدهم على ورقة التبغ المرّة، وجنائز أولادهم تمشي الهوينا ويمشون هم خلف النعش بكوفياتهم المخضبة بالوجع الضارب في التاريخ

محمد ناصر الدين
محمد ناصر الدين
السبت 6 أيلول 2025
(فاطمة جمعة)
(فاطمة جمعة)
الخط

لكأن الزمن لم يتغير قَط منذ دبج أولئك الشعراء والأدباء قصائدهم على ورقة التبغ المرّة، وجنائز أولادهم تمشي الهوينا ويمشون هم خلف النعش بكوفياتهم المخضبة بالوجع الضارب في التاريخ، وكل الشامتين بأحزانهم وكربلائهم المستمرة يطاردونهم بالسؤال -الشوكة: «من لهم؟ هؤلاء الخوارج، لا ينحنون لا يموتون حين يموتون»، ما لهم يطلعون مثل الوردة الصعبة التي تشقّ جذر حياتها في الحجر الميت؟ ما لهم يأخذون من تراب قراهم على الحدود حفنةً من تراب يصنعون بها قرصاً للصلاة؟ ويحملون في قنوتهم أشجارهم وينابيعهم وساحات دبكتهم ومقابر أجدادهم إلى خلف البحار السبعة، يرسمونها دماً ورفضاً كالتوّابين على كف العباس؟
في الزمن العربي الحجري، حين تمعن آلة العدو في قراهم الغافية على كتف الجليل تهجيراً وحرقاً وعدواناً وسط صمت مريب من أهل القربى أولاً، ناهيك بالدعوات المريبة لنزع السلاح الذي يساوي شرفهم وأرواحهم، نسترجع في «كلمات» نصوصاً لم يخفت وجهها وتبدو راهنةً اليوم ونضرة كما كانت الحال حين كُتبت قبل أربعة أو خمسة عقود. نفتح أرشيف وجع الجنوبيين العامليين، كمن يفتح جرحاً لم يجفّ بعد، ويسيل دمه مثل تلك الينابيع الرقيقة التي ترفد الليطاني. يتردد صوت عميق من كل مكان يسيل فيه الدم فوق الأرض الجميلة الخضراء، من كفركلا وحانين ويارين، والدردارة وابنتها الخيام، من الغيم المهاجر بين كفرا وياطر، من وديان الحجير حيث كانت يوماً مقتلة الدبابات: «والله لو ضربونا حتى الحقوا بنا سعفات هجَر، لعلمنا أننا على الحق وأنهم على الباطل»

1- احذروا موتنا في الجنوب

جودت فخرالدين*

انظروا باتجاه الجنوب
تروا زمناً خارجيّاً تسلّل من دمنا
في الجنوب تقول الحرائق: «أين سيتجه الزمن العربي؟
أو الزمن الحجري؟»
نواصل هجرتنا كل يوم
وتنتشر الأرض حيث نحطّ
الجهات عدائية، والدروب عدائية
غير أنّا نواصل هجرتنا كل يوم
نعاكس كل الجهات وكل الدروب
وإذ نتشرد نحو المدينة، تنأى بناياتها
تتساءل في سرها:
«من يحاصرني في السكون؟
من القادمون إلى جهة البحر مثل الخراب؟»
وينهال منها رصاص غزير
تقول الصبايا اللواتي وصلن:
«تركنا على شرفات القرى،
عاشقاً من شذى الأقحوان،
تركناه يبكي، يلمّ الشظايا،
ولكنه حين عانقنا للوداع،
اتفقنا على موعد في المهب الأخير»
وبعض الصبايا بكين
فلاحَتْ بأعينهن المواعيد قاسية:
إنهنّ الجميلات في الحزن والقاسيات
لذلك تخشى المدينة أحلامهن
وتخشى المدينة عاداتنا القروية
هذا الضجيج لنا،
والصراخ لأطفالنا،
فالأزقة ضيقة،
والمباني سجون،
أتينا من الفسحات التي لا تحدّ بغير الفضاء
فلن يسجنوا شمسنا
والقبائل حين أتت لترى موتنا
أدركت أنه كان موتاً مخيفاً
تقول القبائل في سرّها:
«من لهم؟ هؤلاء الخوارج، لا ينحنون
لا يموتون حين يموتون»
في الجنوب تقول الحرائق:
«أين سيتجه الزمن العربي؟
أو الزمن الحجري؟»
انظروا باتجاه الجنوب
تروا زمناً خارجياً تسلّل من دمنا
فاحذروا موتنا في الجنوب
احذروا موتنا في الجنوب.
(1978 ــــ من أرشيف مجلة «الآداب»)

2- العائد

شوقي بزيع*

تمشي جنازتُهُ الهوينا،
ثم ترفعها الأكفُّ إلى مكانٍ غامض
تمشي ويدفعها الدويّ
يمشي جنوبيونَ خلفَ النعش،
كوفيَّاتهم مصبوغةً بجبينه المثلوم...
تتبعهم يدا امرأةٍ،
تشمّ قميصَهُ
وتعشَّبُ الأيام من دمهِ البهي
هو الجنوبيّ الشهيدُ،
مروَّض القمح العنيدِ
يعودُ نحو الأرض،
ملفوفاً بكيس الرمل والعلم الممزِّقِ،
أَفْسِحوا لخطى عليّ
لقوامِهِ الممشوقِ وهو يشفُّ حتى الموت،
للوجهِ المضرَّج بالنعاس الشاعريّ
يمشي وتتبعه رياحين
ويغمُر وجهَهُ خفرٌ طريّ

■ ■ ■

تمشي جنازته الهوينا
في جنوبٍ ما،
وقرب تدفق النيران تستلقي يمامتهُ المريضة
لم يعد سرّاً بأن العمر ولّى...
والحياةٌ تلألأت مثل النجوم
على
شريط
الذكرياتِ،
رأى عليّ نفسه طفلاً،
يحوم على بحيرةٍ روحهِ موجٌ
لفلاحينَ منسيين،
أبصر سندياناً قصَّفته الريح
يركضُ في الهواء الطلق،
أصداء استغاثات لأوديةٍ يحاصرها الحدادُ
رأى عليّاً مقبلاً
في الجانب الفحمي
من تغريبة الدنيا،
يجرٌّ على مدى عينيهٍ بيتاً من عتابا
خلَّعتهُ الريح
أو بئراً من السنوات مملوءة دماً
وغصون تينْ
ورأى محاريث تخوضُ في ظلام يديهِ
يدفعها
وينهر تحت قرص الشمس ثيرانَ السنينْ
ها هو واقفٌ يتأمل الأمواج،
تأتي ثم تذهب عند خطّ العمر،
تصبح طلقةً في كفّ قاتلهِ
فيسقط
كالسؤال
على جبين الأرضِ،
تجتمع المدينة حوله
وترى بأمّ العين نعناع القرى الغافي
على خديه،
فلاحٌ وموجتُهُ
على رمل الحقيقةِ عاريين،
وعند مِحْجَرِهِ القرى تبكي
كأرملةٍ،
إذن متَّ!
انتهى عصرٌ من الصرخاتِ والضحك البريء،
ولعبة الدوران حول بيوت قريتك
الصغيرةِ،
متْ معضوضاً بناب البحر،
حيث حلمتَ بالذهب المذوَّبِ
تحت ألسنةِ المياهِ،
كأنه حلمٌ!
تغاور مع خيوط الفجر صمت الأرض،
تحمل خبزك البلديّ في زوّادة الروح
الفقيرة،
ثم ترجع مع أذان العصر،
محمولاً على أكتاف سنبلتينِ من قمح قديمْ
تمشي جنازته الهوينا
تحت أعمدةِ الجنوبِ وفأسهِ الدهريّ،
يفتح قلبه للشمس والطلقاتِ،
يهوي
…
…
آهِ لو أمي معي لتنوحَ فوق سوادي
النبويّ،
لو كفَّ تلوِّحُ لي من الأعلى
لأتبعها
وأركض باتجاه الأرض،
لكني أموت مضرّجاً بالبحر،
تحملني حقول التبغِ فوق دموعها الخضراء،
أين أبي ليشهد موكبي الملكيَّ
يخترق الأزقَّةَ؟
أين صوت أبي سهيل
وهو يصعد من فضاء اللوزِ
ثم يموجُ مثل القمحِ في الريحِ البعيدة؟
آه زُفّوني،
لأزهو كالعريس على خيولِ الموتِ،
آ... وي ... ها
سيوفكُمُ محناةٌ بلون الدم،
لم تصدأ
ولم يهدأ خريرُ مياهها في الروح،
آ... وي ... ها
لماذا لم تجيئوا بالعروسِ لكي تقبِّلَ ثَغْرَ
فارسها؟
لماذا لم تسِلْ عسلاً على شفتي مغنّيها؟
لماذا؟
لم يقل أحد بأني متُّ،
هاكم وردتي البيضاء فوق الصدر
رجلاي اللتانِ تزلزلان الأرض
في الأعراس،
حنجرتي التي في أوج هذا الصمت
لم تصمت
ففيم تحدِّقون إليّ؟
وا أسفي علَيّ
كأني مت
كأني مت!
كنتَ السواد لناظريَّ
ولم تعد أحداً
سوى جفنٍ يحدِّقُ في شقوق الغيمْ
ها إن قامتك النحيلة
قد براها الضيمْ
ها أنت ترحل في دخانِ الأرض،
لا امرأة بقربكَ كي تضمِّد وردتيْ عينيكَ،
لا كفَّ تنقِّب عن بياض يديكَ
شوك العمرِ،
ضاع العمر
وانهدمت أناشيدي على ثغرك
عيناك مطفأتانِ تحت النورج الوحشيّ،
تشرب منهما عصفورةُ الموتِ
التي جثمت على صدرك
هيهات... لو كان الزمانُ يعود ثانيةً!
أو الطلقاتُ تستدركْ
لو كان للخبَّاز أن يشفيك
أو كانت تعيدُكَ عشبةٌ حياً
لنثرت كلَّ حشائش الدنيا على قبرك

■ ■ ■

يا من تشقّين الدموع لكي تري سكّينها
في الصدر،
هل لكِ وردةٌ ترثينها
حتى أزيِّنها بجثتهِ وأبكيهِ؟
ذاك الذي لا يشرب البخورُ عَثْرَتَهُ
ولا الزيتونُ يشفيهِ
إن كان يا جرحَ الأسى لم تندمل فيهِ
عرِّج على دمه المنوَّم تحت قرص الأرض.
والثمهُ
وبالطيّون غطَيهِ!

■ ■ ■

تمشي جنازته الهوينا
ثم توقفها صنوبرة لتجهش بالبكاء
تنكسِّ الأشجارُ هامتها
ليعبر،
والطيورُ على نوافذها تراقبُ نعشَهُ الغافي
وترمق حبَّتيْ عينيهِ،
وهو يعبُّ ماء الزنزلخت،
فتى الينابيع المتوجُ
يصعد الدفلى إلى دمهِ ويخرج منهُ
أكثر حمرةً،
ويسير...
تتبعه السنابلُ حاسراتِ الرأس
ظريف الطول مَرَّ كنسمةِ الرمانِ أوَّل أمسْ!
شاهدناه،
قال البيلسانُ لأختهِ في الليل،
كان يسير معصوباً بقشّ يابس
وتسيل
منه
الشمس
شاهدناهُ
قال الزعتر البريُّ، يخرج في ثياب العرس
فلاقيناه بالحناء والزوفى،
سقيناهُ جمامَ الكأسْ
ولم نلمح ذبولَ القمح. فوق جبينهِ المسرع
وغادرنا... ولم يرجع
…
لماذا تسقطون؟
وتتركون دمي وحيداً كي يجفَّ كوردةٍ
في الصيف،
أقربكم إلى قلبي يموتُ ولا أودِّعهُ،
وألمحكم جنائزَ في البعيدِ
ولا أشيَّعُ واحداً منكم إلى مثواه،
من سنتينِ لم تبصركُمُ عيناي
لم ألمحْ سنونوة على أسلاكِ غصَّتكمْ
ولم أسمع ثغاءَ الشمس فوق جرودٍ ماعزكمْ
ولم أشتمّ خبزكُمُ الذي يحمرُّ فوق الصاج
من سنتينِ والأمواج تقذفني
إلى فلوات هذا التيه
شيءٌ تقصَّف في ثلاثينياتِ هذا القلب،
لا أرثي علياً فيه بل أرثيه
لو كانت امرأة تنام على شبابيكي
لأغفو ساعةً في العمرْ
لكنها ذهبت لتسكنَ في القصيدةِ
والرفاق تساقطوا
تحت
النسيج
المرّ.
يا ذاهبين إلى الجنوبِ خذوا دمي حجراً
لتحضنهُ السفوحُ
فلديَّ سنبلةً هناك
أريدها أن تنحني فوقي
ويشرب خوفَها جسدي الجريحُ
لو أستطيعُ لسرت - رغم حديد هذا العمر -
نحو قبور موتاكم
ولكن المدى بحرٌ
وهذا السيرُ فوق الماء ينقصه المسيحُ
لو أستطيع جعلتْ قوسَ الروحِ قنطرة
ليعبر فوقها جرسُ الثرى المهدورُ
والقمُر الذبيحُ
لو أستطيع لصرتُ في فجر الحسينيَّاتِ مئذنةً
وأعلنت انتسابي للتراب،
فلي هناكَ أحبّة سقطوا
سيجمعني وأياهم ضريحُ
ولي هناك شجيرةَ الخروبِ
باقية مع الأيام
ما دامت تعرِّشُ بذرةٌ وتهبُّ ريحُ

■ ■ ■

نَمْ يا عليّ
نَمْ يا وارثَ الصخرة الكبرى
لأحلام الجنوبيين،
ناصبةً لقبر طفولتي أنت،
اقتراب دمي من الفصل الأخير لهذه الفوضى:
المسمَّاةِ: الجسدْ
في الشَّبرقِ الغافي على الوديان صمتكَ،
في حداءِ الأمهاتِ سقوطك الدمويّ،
كم ستكونُ قرب النار في السهرات،
تذكرك العجائز في مجالسهنّ،
يستدركن: كان
هل كنت حقّاً؟
أم غفتْ سهواً على جفنيك نايات الزمان!
نم يا عليّ الانتظارِ الصعبِ
فوق ترابٍ ذاك التلّ
فلسوف تنهض من عظامكَ سكَّةٌ
وتشقُّ هذا الانهيار بنصلها الأجمل
وتقاومُ المحتل
وتقاومُ المحتل.
(1984، من أرشيف مجلة «الآداب»)

3- أوراق من دفتر الفتى العاملي

هاني فحص*

حانين ويارين
في الزمن الفاصل بين كفرشوبا ويارين، كانت حانين تهبط في القلب، يقع القلب على أرضها، يميل مع السقوف المائلة، يتداعى مع الجدران ... يرتفع صوت المعزّي:
«كمْ على تربك لما صرعوا من دم سال ومن دمع جرى؟».
وفي لحظة التوحد بين اللحم والأرض، تشتعل الإرادة، تطلع أمنيات مشروعة وأمل، يأتي صوت من التاريخ «والله لو ضربونا حتى ألحقوا بنا سعفات هجَر لعلمنا أننا على الحق وأنهم على الباطل».
وكان أطفال حانين حفاة، وكان الليطاني يابساً يقتله العطش، تيمموا صعيداً جنوبيّاً طاهراً، صلّوا الفجر على أنقاض مسجدها، وغضبوا... بين الفجر والظهر أزهرَ الغضب... قالت إذاعة «صوت لبنان»: سقط لنا أربعة وقال راهب مطرود من كنيسة كفر برعم:
سقطوا في التاريخ، سقط تاريخهم في الوحل.
«وقد ناقشوا فيما ناقشوا، أفضل الوسَائل لنتف ريش العصافير، وأصدروا بياناً طالبوا فيه بزيادة نسبة الفيتامين في علف الخنازير».
وفي يارين ذُبحت عجوز، كان لون القمح في عينيها، وطعم التبغ في شفتيها، وأشرعت يارين دمها، وإذ هم ذاهبون إلى الوحل، يارين تأتي إلى الوطن - كل أهل يارين جاؤوا- ويأتي الوطن إليها، خلسةً، يستدير الوطن في يارين، يأخذ شكل الرغيف، وتستدير العيون في يارين، يأخذ الرغيف لون الدم، ينضج القمح في يارين، كان محصولها ثلاث عشرة سنبلة، في كل سنبلة مئة حبة... قُلْ ألفاً وقُلْ ألفين... منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.
أبو على حلاوي
إذن هذه كفركلا؟ بلى، وهناك أبو علي يشدّ بندقيته إلى صدره، والليطاني يجري بين عينيه... وماذا يصنع هنا؟ ألم يأته أنّ لحوم الأطفال في تل الزعتر قد اختلطت بالتراب؟ وأصبح للماء لون الدم، للدم لون الماء؟
أتاه... ولكن كفركلا لها جاذبية كل التاريخ وكل المستقبل... يروي أبو علي: أنّ هاتفاً أتاه يوماً أن يرتحل دمه إلى تل الزعتر، كان تعِباً وأخذته غفوة، فرآه فيما يشبه الحلم، مهيباً...
قال: الحسين...! بلى... وهذا هو الفرات وتلك كربلاء وغابات النخيل يا أبا علي... ألا تخاف! لماذا لا تأخذ الليل ستراً وتمضي؟ ألا ترى أنهم قاتلوك غداً؟ قال أبو علي: «ما دمنا على الحقّ لا نبالي، وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا». ابتسم الحسين، وقال أبو علي: كربلاء ما تزال بين الضلوع، ونحن حفظنا الأمثولة... وأفاق أبو علي على وقع أقدام غريبة... يقول الشهود: قاوم أبو علي بضراوة، ثم أغمض عينيه وهو يقول: تابعوا... تقول ختيارة من كفركلا اعتاد أبو علي أن يمازحها: إن أبا علي كان يردّد دائماً بأنّ جراح الحسين غير قابلة للجفاف واليباس، وأنها من آن لآخر تخضر وتزهر وتثمر شهداء أثر شهداء... تكتحل بهم عيون الوطن وترتاح للقياهم شرايين الأرض.
(أوراق من دفتر الفتى العاملي، 1979، دار الكلمة)

4- القمح السكري

محمد علي فرحات*

أحضروا القمح المحلى لزيارة الموتى هذا الصباح.
قبل بزوغ النور، نزيح من طريقنا الضباب والندى المتطاير. باكرة زيارة الموتى ومقدس ترابك يا أرض، أيتها الأم. يا ذات الأبناء العاقين.
القمح السكري أحضروه، القبور البيض في نهود التلال تنتظر (نحن على عجل) قبل أن ينشق النهار عن دوي المدافع وباعة الكلام والجرائم الملفّعة بالذرائع الوردية.
ذوات الوجوه النورانية يتلفعن بالأبيض، يتوحدون وغبش النور الأول.
أمينة تحمل جرة القمح، تنثر الحبات فوق الشواهد:
يا زائري لا تنسني
من دعوة لي صالحة
ارفع يديك إلى السما
واقرأ لروحي الفاتحة
ترفع أمينة وجهاً إلى السماء، واليد تنثر على الأرض الحبات (قال الشيخ إن فعلها من تُرهات الأولين) ردّدت النسوة حكايات الأسلاف عن رغبات الموتى: القمح المحلّى بالسكّر، لتخصبه التربة وينبت إلى الأعماق. القمح المحلّى لتنقده العصافير وتعلو إلى السماء أجنحة قريبة من روح الكون العظيم.
- هل شهدت تبدل الفصول وأحسست نبض الأرض في ارتحال النبات وإقبال البذور؟
- إنني مواطن منذ أكثر من عشر سنوات.
أنمت ذات صيف في عرزال الوزال، ونشرت ثياب أطفالك على العوسجات ونصبت المطافح لعصافير الخريف؟
- أنت غبي وثرثار، ماذا تخبئ في برذعة حمارك؟
ما خفّ حمله وغلا ثمنه... وفكرت أمينة كيف لها أن تحمل التراب وشواهد القبور.
- أسرعي أيتها الفلاحة الحمقاء، لا مكان هنا للمدنيين...
سارت قوافل المهجرين، سراعاً كانوا يعبرون الكوابيس الصغيرة نحو كابوس الشمال الأكبر. لم يفتشهم أحد. كان بشار الصغير يهرب في جيبه حفنةً من التراب. قال سيصنع منها قرصاً يضعه تحت جبهته وقت الصلاة. كان يحسّ أنه سيصلي في أرض بعيدة خلف البحور السبعة.
وصلوا إلى مدينة بلا وجه. بالإيماء تحادثوا مع سكان بلا لغة. تذكروا أمينة التي تخلّفت في عالم أثير ولا يتسع للمدنيين، شاعت سيرتها على ألسنة المهجرين.
قالوا وقالوا وتقوّلوا إنها بنت غرفة من شواهد القبور واعتصمت بالموتى. تطلعت إلى أرض تحترق وأحست نبات القمح السكري، يخصب إلى تحت، إلى مدينة الموتى الترابية. بشار الصغير كتب عن أمينة أول إنجازاته. كتب مادة إضافيةً في شرعة حقوق الإنسان: «للموتى الحق في سكنى قبورهم دون أي موانع، وتعتبر باطلة عقود البيع الخاصة بالمقابر، ويحق لأقارب الموتى أن يسكنوا فوق القبور، ويدفنوها في غياهبها دون أي موانع، ومهما تبدلت السلطات الزمنية».
(1979، من أرشيف مجلة «الآداب»)

5- الطفل والمسدس

حسن العبدالله*

أخذ الطفل المسدس ــ اللعبة وقرّر قتل جميع من في البيت: الأب والأم والأخوة الكبار، ثم أطلق طلقات عدة...
لكي يجعل الكبار الطفل ينتصر، تحوّلوا جميعاً إلى جثث بلا حراك.
راح الطفل يتأمّل ضحاياه بزهو وغبطة... وعندما ضجر من ذلك، انصرف إلى الأحجار الورقية المكومة في زاوية الغرفة وراح يعمّر بيتاً جديداً لحياته الجديدة.
كان الموتى يفتحون أعينهم من حين لآخر ويتأملون الطفل الرائع وهو يبني البيت.
كانوا يعرفون أنه يضع حجارة كثيرة في غير أماكنها... ولأنهم موتى لم يكن باستطاعتهم أن يتكلموا أو يقوموا بأدنى حركة.
ومع كل دقيقة تمرّ كان الموتى يزدادون صمتاً ويأساً...
حين كبُر الطفل كبرَت أخطاؤه... وهكذا سقط البيت قبل أن يتم بناؤه... استيقظ الموتى على رنين الحجارة التي تتدحرج... وبدل أن يعودوا إلى الحياة عادوا إلى الموت... تاركين للطفل فرصة جديدة لإعادة التجربة من جديد. الشمس التي لا علاقة لها بالموضوع غابت ذلك اليوم بسرعة... لأن كمية كبيرة من الدم اندلقت على الأرض الجميلة الخضراء.
(1979، من أرشيف مجلة «الشباب»).

6- أناشيد كف العباس

محمد علي شمس الدين*

ها أنت تغادر مملكتك
منزلك الطيني
وروث زرائبك السفلى
وثغاء الماعز والأغنام
على أبواب الليل الساكن
في قريتك المهجورة.
ها أنت تغادر كوفيات الفلاحين البيضاء
وعيون نسائهم الخرزية
حدقات الأطفال
وأشكال الغيم على الأفق السائل
حسناً
ها أنت تغادر مملكتك
مثل حصانٍ مطعونٍ في وسط جبينه
دمه يزرب من منخره
وحمائله تسحب فوق الأرض المربوطة من قدميها
خطّيْن لخارطة يرسمها التوابون على
كفّ العباس.
(من الأعمال الشعرية الكاملة، «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، 2009).

7- رسالة من الحدود

الياس لحود*

-إلى محمود درويش-
سألت عن حبيبة منحتها هواك
وكل ما لديك من مشاعر الصبى
فقيل لي إنها هناك
على الدروب في مشارف الربى
تُغير. ترتدي من الصفيح ثوبها
وقربها
طلائع المحاربين. قربها
أزاهر البيوت والمدى الكبير والصباح

■ ■ ■

أنا على الحدود أسأل الرياح
إذا أتت من الجنوب ما دهى الجنوب؟
صفاؤه مباح
وشمسه كثيرة الشحوب.

■ ■ ■

أنا هناك على الحدود أضرم الرياح...
سمعت صوتك العنيد يقهر الحديد
سمعته نشيد
من الجنوب آتياً بأعظم الرعود
رأيته يفجّر الغضب
وينشر اللهب
على معاقل الغزاة يمطر الصخب...
رأيته يعود
إلى ذرى حبيبة منحتها هواك
وطوّقت يداك
من السجون ــ خصرها. سمعته هناك
يوزّع المحاربين كالرعود في ذرى الجرود.
(1968، من أرشيف مجلة «الآداب»)

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك