أهلاً بكم في «جنة البرابرة» السورية
كثيراً ما دقَّت الثقافة ناقوس الخطر في آذان السياسة. فمحرقة الكتب في برلين 1933 هي الإعلان الثقافي الأوَّل عن محرقة البشر فيما بعد؛ كما إنَّ اغتيال المثقفين الجزائريين كان الإعلان عن عشرية الدم التي لم تشفَ البلاد منها بعد.


كثيراً ما دقَّت الثقافة ناقوس الخطر في آذان السياسة. فمحرقة الكتب في برلين 1933 هي الإعلان الثقافي الأوَّل عن محرقة البشر فيما بعد؛ كما إنَّ اغتيال المثقفين الجزائريين كان الإعلان عن عشرية الدم التي لم تشفَ البلاد منها بعد.
وكثيراً ما قرأنا عن كون «اتحاد الكُتَّاب العرب» (اتِّحاد رسمي سوري على أيَّام النظام السابق) كذراع ثقافية صحبة كَتَبَة التقارير البوليسية لنظام «البعث» السابق ضد الكتاب المعارضين والمستقلين وحتى الذين اختاروا المنفى الطوعي كأدونيس الذي تمَّ تجريده من عضوية لم تكن له أصلاً في يوم من الأيام؛ وإذا بنا نتبيَّن ألَّا شيء تغيَّر من هذه المسلكيات المضطهِدة للحريات العامة، وعلى رأسها حرية التعبير الإبداعي: لا شيء أكثر من هذه الانتهاكات الثقافية يثبت أنَّنا أمام ثورة زائفة مضادة منذ بداياتها، بما أنَّها لم تُحْدِث قطائع مع سلبيات النظام البائد ولم تأتِ بإيجابيات مع تسلُّمها لزمام الحكم. وكان الروائي السوري خليل صويلح، قد أعلن على صفحته الشخصية على فايسبوك، عن رفض الرقابة طباعة روايته «جنة البرابرة» في سوريا في نسخة مطابِقة للطبعة الأولى الصادرة عن «دار العين» (القاهرة، 2014). اعتذر الروائي لقرّائه عن قابلية نشر كتابه إلا بالخضوع لملاحظات الرقابة (انظر نصَّها بخط الرقيب ضمن صورة مرفقة بالمقال)، المتجلِّية في حذف عشرات العبارات في عشرات الصفحات «التي توثّق وقائع ما جرى في البلاد من صراعات بين السلطة والفصائل المسلحة في السنوات الأولى من الحرب» مع ضرورة تغيير عنوانها الرئيسي.
يشير قرار جهاز الرقابة، المذيَّل باسم مدبِّج التقرير، إلى أنَّ الرواية، في ملاحظة أولى «تشوه الثورة السورية من خلال وصف الثوار بأوصاف وأعمال القتل والنهب والتعذيب واعتقالات والذبح والجلد والجنس والتطرف الديني والسجون والتفجير وربطها بالجهاد الإسلامي وغيرها». وهناك ملاحظة ثانية بأنّ عنوانها «ملغوم وغير بريء».
وكان خليل صويلح قد صرّح في مدة لاحقة: «لم يخطر في بالي أن هذا النص سيتعرض لانتهاك رقابي، لظني أنّ الاشتباك الأساسي كان مع سلطة الرقابة السابقة، وأن الأوان آن كي يتنفس هواء آخر ويعود إلى مشتله الأصلي. لكن ما حصل يشبه محاكمة بأثر رجعي والمطالبة بتنزيه الكتائب المسلحة... لا أظن أنّ هؤلاء كانوا يزرعون أشجار الزيتون فوق المقابر الجماعية... عموماً إن هذا النص كان بمنزلة يوميات يعيشها الراوي متمثلاً يوميات البديري الحلاق في تدوين يوميات دمشق قبل مئتي سنة، وتالياً أنا لا أكتب منشوراً سياسياً بقدر عنايتي بسرديات الشهود وتحولات البلاد». كنتُ منهمكاً في ما فعله البرابرة بالبلاد من دون الاصطفاف مع أحد، وهناك جرعات عالية في إدانة السلطة في ثنايا النص والأمر ذاته حول ما كان يسمى إدارة التوحش».
المستغرَب في توابع هذا المنع الرقابي، سقوط مثقفي السلطة الجديدة في المنطق التبريري، بين متَّهِمٍ لخليل صويلح بالتباس موقفه عموماً ومدَّعٍ أنه كان موالياً للسلطة السابقة، وصامتاً أخرس تجاه انتهاك حق الروائي في التعبير والنشر وحق السوريين في المعلومة، بدعوى أن الكاتب كان «صامتاً» على المَقتلة التي تعرض لها السوريون بين عامَي 2011 و2024.
في ما يأتي فصول من الرواية المكتوبة في هيأة فصول وجيزة تتَّخذ شكل يوميات، يمكن لأي قارئ عادي أن يستخلص منهما أنَّ الدَّم السوري هو نفسُه، وأنَّ القاتل هو نفسُه، في المجازر المتنقِّلة منذ بداية الطوفان السوري حتى الآن.
1- كدمة سوداء
2012/12/30
تلح عليّ منذ الصباح صورة رجل عجوز ملقى على قارعة طريق ترابي في إحدى قرى الشمال وآثار دم على صدغه الأيسر، إلى جانب دراجة هوائية، وأسطوانة غاز.
علينا أن نعيد الشريط إلى الوراء قليلاً كي نتخيل المشهد كاملاً للرجل، بعد مكابدات مضنية، حصل على أسطوانة غاز من مركز توزيع بعيد، ثم وضع الأسطوانة في الصندوق الخلفي للدراجة، وانطلق عائداً إلى بيته بمشاعر مضطربة، هي مزيج من نشوة الانتصار، والألم عما آلت إليه أحوال البلاد والعباد. بالطبع لن يظهر القناص في الصورة. على الأرجح، فهو كان يراقب عبور الدراجة من سطح بناية مجاورة، أو من وراء شجرة محاذية للطريق، قبل أن يسدّد رصاصة واحدة من مسدسه نحو صدغ الرجل العجوز. ارتبكت حركة المقود قليلاً بحركة التفافية مفاجئة، فأطاحت طمأنينة الرجل، ووقع أرضاً، إلى جانب الدراجة واسطوانة الغاز. سمح القناص للمصوّر بأن يلتقط المشهد كما هو، أو ربما التقط الصورة بنفسه، على سبيل الذكرى، لكننا في حال عدنا بعد دقائق إلى مكان الحادثة، سنجد، فقط، رجلاً ممدداً إلى جانب الطريق بكدمة سوداء على صدغه الأيسر.
2- مذابح
2013/1/7
مذبحة أمام فرن. مذبحة أمام محطة وقود. مذبحة في قرية نائية. حريق في مخيم للّجوء. نازحون في الحدائق العامة مطر غزير في الخارج. ليس بوسعي أن أتكلم عن المطر، أو أن أستعير إيقاعات بدر شاكر السياب في هذا الشأن: «مطر مطر مطر».
أفكر بكيفية امتزاج ماء المطر الأول ببقايا الدم الجاف في الشوارع، من دون شهقات الضحايا.
نشرة الطقس تتنبأ هطولَ الثلج بعد غدٍ في دمشق. هل ستكفي كمية الثلوج التي ستهطل بعد غد، لمحو صور تتعلق بمذبحة أمام فرن أو بمذبحة أمام محطة وقود أو بمذبحة في قرية نائية، أو بحريق في مخيم للجوء. أو بنازحين في الحدائق العامة؟ عبثية المشهد العمومي وحدها من يستدعي مثل هذه الألعاب اللغوية.
3- تقرير عن المختفين
2013/1/11
ما نحياه اليوم من ضروب الوحشية، سبقنا إليه الآخرون بسنوات طويلة.
نتسلى بساعة رملية لتفتيت خريطة الوقت عن طريق إحصاء عدد القتلى والمفقودين وأماكن الخراب.
كان نيك كيسترو في كتابه «تقرير عن المختفين» أثناء عهد الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، قد أنجز جانباً من المهمة: «بوسع المرء أن يتأمل فقط في الروايات عن الوحشية التي أخذها معهم آلاف القتلى إلى قبورهم غير المعلمة»، وأيضاً «أنا وحدي من أفلت كي أروي لك».
4- بفارق نصف قرن
2013/1/14
حكايات الديكتاتوريات وجمهوريات الموز، وقصص المخطوفين والإبادات الجماعية والحروب الأهلية والأوسمة الوهمية على صدور الجنرالات، وصلت إلينا متأخرة نحو نصف قرن، ليس عن طريق الترجمة وحدها فقط، بل كوقائع معلنة أو صورة طبق الأصل. روايات على هيئة طرود بريدية تُفتح بالذات، فلكل منا حصته من وليمة القتل الباذخة، وفقاً لطريقته المفضلة. بإمكانك أن تصحب ميجيل أنخل أوسترياس في «السيد الرئيس» بطغيانه وشهوته للسلطة وشفافية أوامره في القتل والتنكيل بمعارضيه، وسوف يرسم غابرييل غارسيا ماركيز صورة أخرى للطاغية في «خريف البطريرك» عن طريق مزج ألوان متعددة للجنرالات فوق قماشة واحدة للاستبداد، فالبطريرك هنا، لديه خبرة عالية في الأعمال الدموية فقط، أما المشهدية ثلاثية الأبعاد، فسنقع عليها لدى ماريو فارغاس يوسا في «حفلة التيس»، إذ يحلّ الديكتاتور «محلّ الرّب» قبل أن يرثه المنقذ بالمواصفات نفسها. نحن على موعد إذاً، مع موسوعة ضخمة في «البلاغة الرثة للديكتاتورية».
