إريفينغ غوه: بيان ضد أيديولوجيا النجاح النيوليبرالية!
يقارب كتاب «العيش ما بعد الفشل» الفشل كبنية وجودية. نص صادم براديكاليته، يفضح تسليع المفهوم، ويكشف هشاشتنا اليومية في مواجهة أيديولوجيا النجاح النيوليبرالية


كصفعة فكرية في وجه خطاب التنمية البشرية والنيوليبرالية التي تلتهم حتى الفشل وتعيد تدويره كسلعة قابلة للاستهلاك، يأتي كتاب إريفينغ غوه عن «العيش ما بعد الفشل» (2025 ـــــ Living on After Failure: Affective Structures of Modern Life, ـــ منشورات جامعة ديوك)، فلا يقدّم وصفات للتعافي ولا تمارين لبناء «عقلية إيجابية» للنهوض من الكبوات، بل يجرّنا إلى مواجهة مباشرة مع الواقع: الهزيمة كبنية وجدانية ــ وجودية تحكم حياتنا وتشكل أساس تجربة عيشنا. إنه كتاب صادم، لا يبحث عن مخرج من الفشل، بل عن الارتماء فيه، عن التعلّق به، والتحاور معه، ومحاولة تفهّمه، ومساكنته في موقف فلسفي راديكالي يتحدى الأيديولوجيا المهيمنة التي طالما روّجت للفشل كـ «مجرد محطة على طريق النجاح».
الفشل كقدر لا يُختزل
ليس الفشل خطأً ليُمحى ولا مرحلة لتُتجاوز. إنه، وفقاً للمؤلف دائماً، بنية أنطولوجية تلاصق وجودنا. كل محاولة لفهم الوجود من دون الاعتراف بالفشل محكوم عليها بالسطحية. الفشل هنا لا يقتصر على سقوط المشاريع الكبرى (الحروب، الأزمات المالية، الكوارث النووية، فقدان الأوطان)، بل لعله يتجلّى بصورة أعمق وأقسى في حياتنا اليومية: في العلاقات العاطفية الفاشلة، في العجز عن الرغبة، في فقدان الإرادة نفسها.
إنه موقف يذكّر بمقولة كوستيكا براداتان التي يستشهد بها المؤلف: «الفشل تجربة مربكة بعمق ــ مربكة بقدر الحياة نفسها»، أي إننا لا ننجو منه ولا نستطيع تجاوزه بالكلية، بل نحيا تحت ظلاله الكثيرات، كأنّه هو الوجه الأكثر صدقاً لوجودنا.
ضد «دراسات الفشل» الأكاديمية
يدخل غوه في سجال مع ما بات يُعرف بـ«دراسات الفشل». هذه الدراسات، المنتشرة في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والأدب، غالباً ما تمنح الفشل بُعداً إيجابياً: كخطوة نحو الابتكار، وأداة للتعلم، أو حتى فضاء لمقاومة السلطة، كما عند جاك هالبيرستام. لكن المؤلف يرى أنّ هذا الخطاب يعيد إنتاج الأيديولوجيا نفسها التي يزعم نقدها: يحوّل الفشل إلى سلعة رمزية، ومورد جديد للمعنى، بل إلى وسيلة غير مباشرة لتعزيز منطق النجاح النيوليبرالي.
نظام يحمّل الفرد مسؤولية النجاح، لكنه يترك الملايين عالقين في فشل يومي بنيوي
هنا تحديداً تكمن أطروحة الكتاب المضادة ودعوته الأثيرة: التأمل في الفشل بلا محاولة للخلاص منه أو إعادة تأهيله، متهماً معظم أعمال «دراسات الفشل» بأنّها «تتسرّع في منح الفشل طابعاً إيجابياً، تاركةً إيّانا بلا تفكير صارم في الفشل، من دون أي انخراط حقيقي مع بنيته الوجدانية».
الأدب كأرشيف للفشل الشخصي
يبني غوه مقاربته عبر تحليل مجموعة نصوص أدبية معاصرة لراشيل كاسك (تكتب عن فشل الحب)، وأوتيسا موشفغ (عن الرغبة في الانسحاب التام من العالم)، ويييون لي (عن تهافت الرغبة في الحياة)، وإدوار ليفيه (عن الفشل بوصفه تجربة وجودية محضة)، وكيت زامبرينو (تلاحق إخفاقات الكتابة)، وهي نصوص لا تُقدّم حلولاً ولا «سرديات شفاء»، بل ترسم الفشل بوصفه قوة سلبية جارفة مستمرة تغيّر الفرد على مستوى وجداني وجسدي وسايكولوجي.
الأدب عند غوه ليس علاجاً، بل مرآة قاسية تعكس هشاشتنا اليومية، فيقول: «إن الاعتراف بالفشل (أي كبنية وجدانية للوجود) يعني أن نمنح صوتاً لما كنا نخشى دوماً أن نعترف به: أننا لا نستطيع أبداً الهروب من الإحساس بالفشل، وأن هذا الإحساس سيلازمنا كظل عنيد».
الفشل مسلّعاً
يشن غوه هجوماً بلا هوادة على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى في وادي السيليكون التي سطت على عبارة بيكيت الشهيرة «افشل مجدداً، افشل أفضل» (Fail again. Fail better)، لتحوّلها إلى شعار ريادي مبتذل.
في هذا المنطق، يُعاد تعريف الفشل ليصبح مجرد «مرحلة» في عملية إنتاج المزيد من القيمة، كخوارزمية تحسين مستمر: عليك – كفرد - أن تفشل بسرعة، وتفشل كثيراً، كي تنتج أكثر.
يفضح غوه هذا الخداع: فالنيوليبرالية لا تسمح بفشل حقيقي، بل تنتج فشلاً مبرمجاً يُعاد تدويره في ماكينة الربح. أما الفشل الحقيقي، ذلك الذي يجرّدك من المعنى والإنتاجية، فهو غير مقبول، يُدفع بصاحبه إلى الظل، والتهميش، ويُقمع أو يُسخّف.
مرآة لفشل النظام
يأخذنا أحد مستويات قراءة الكتاب لفهم الظاهرة على مستوى المنظومة الرأسمالية بكليتها: نظام يحمّل الفرد مسؤولية النجاح المتواصل، لكنه يترك الملايين عالقين في فشل يومي بنيوي: فشل الوظائف الهشّة، فشل السكن، فشل العدالة الاجتماعية. الفشل ليس فقط تجربة ذاتية، بل انعكاس لانهيار جماعي متراكم منذ عقود: من تدمير أفغانستان، إلى سقوط دمشق، ومن غزو العراق إلى تخريب ليبيا، ومن الأزمة المالية العالمية 2008، إلى جائحة كوفيد إلى حرب أوكرانيا وهكذا.
يرفض غوه «التعزية الليبرالية» التي تقول «ستخرج أقوى من هذا»، بل يصرّ على أنّ بعض الانكسارات لا شفاء منها، وأنّ الاعتراف بها كوجود دائم هو بحد ذاته فعل مقاومة ضد أيديولوجيا النجاح المستمر.
بين التحليل والنقد
رغم جرأته، قد يُتهم الكتاب بالعدمية. فهو لا يقدّم بديلاً سياسياً ولا يفتح أفقاً للعمل الجماعي. يعترف المؤلّف منذ البداية أنه لا يعد بأي «نظرية للتغيير» أو «برنامج للثورة»، وإنما يجزل المديح لفكرة «التساكن مع الفشل».
وهذا، وإن كان ضرورياً لكسر خطاب «النجاح» الزائف، إلا أنه يترك القارئ في حالة من العجز ما يمكن تفسيره بالنظر إلى مرجعيات المؤلف في المؤسسات الأكاديمية الغربيّة المرموقة. على أن هذا التخلي أفقد النص فرصةً ثمينة لترجمة قوة التحليل الراديكالي في مواجهة الفشل إلى لغة السياسة، بمعنى تحويل «التساكن مع الفشل» إلى نقد فعّال للبنية التي تنتجه – الرأسمالية المعاصرة – لا الاكتفاء بتأمله كقدر وجودي محض.
مع ذلك، يبقى الكتاب مساحةً مغايرة لكل أولئك الذين لم يعودوا يريدون «الاستمرار» بشروط النظام، ويعيشون فشلهم كصيغة للوجود، حتى ولو بدا ذلك عبثياً، أو غير منتج.
