مارغريت كوكر... تمثال مفخّخ للبطل العراقي
في الظاهر، فإنّ كتاب الأميركية مارغريت كوكر «جاسوس بغداد» أو «القصة غير المروية لخلية الاستخبارات التي قلبت موازين الحرب ضد داعش» (منشورات بينغوين ــ 2022)، كشف للعراقيين عن واحد من أبرز أبطالهم في العصر الحديث


في الظاهر، فإنّ كتاب الأميركية مارغريت كوكر «جاسوس بغداد» أو «القصة غير المروية لخلية الاستخبارات التي قلبت موازين الحرب ضد داعش» (منشورات بينغوين ــ 2022)، كشف للعراقيين عن واحد من أبرز أبطالهم في العصر الحديث، وجاء تعويضاً عن تأخر العرب المزمن في الاحتفاء بأبطالهم كما يليق بهم، وأعاد النصر الذي سرقته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أصحابه الأصليين وهم العراقيون.
وتعزّز تلك النظرة، الشهرة المتأخرة والمستحقة التي حظي بها بطل الكتاب النقيب الشهيد حارث السوداني (1981 – 2017) بعد صدور الكتاب، وتحوله في الوجدان العراقي إلى نسخة جديدة محلية من الجاسوس المصري الشهير رأفت الهجان (اسمه الحقيقي رفعت الجمال)، وصولاً إلى إنجاز مسلسل تلفزيوني يحكي قصته عُرِضَ في رمضان من هذا العام (مسلسل «النقيب» ــــ كتابة جعفر تايه وإخراج وثّاب الصقر).
«صائد الدواعش»: الترجمة والتصويب
لكنّ الاطلاع على النسخة العربية من الكتاب، التي صدرت عن «دار سطور» في بغداد، بعنوان «صائد الدواعش» (القصة الكاملة للنقيب حارث السوداني)، وبتوقيع المترجم عمار كاظم محمد، يوحي بأنّ الكاتبة بذلت مجهوداً استقصائياً استثنائياً للكشف عن بطل حقيقي، قبل أن تحاول في سردها تجريده من هالة البطل!
وإذا كان السوداني قد نجح عبر تغلغله في صفوف «داعش» على مدى سنوات، في إحباط عشرات العمليات الانتحارية والتفجيرات التي كان التنظيم يخطط لها في بغداد وأسواقها الشعبية المكتظة، فإنّ عمار كاظم محمد نجح بدوره في تفكيك معظم ألغام كوكر، مديرة مكتب «نيويورك تايمز» السابقة في بغداد، وكان أميناً في ترجمة المادة الأصلية كما هي، ثم في لفت نظر قارئه إلى هناتها الكثيرة عبر ملاحظاته وهوامشه.
وأصابت لمسة المترجم العنوان، فتحول من «جاسوس بغداد» إلى «صائد الدواعش». علماً أن بطل الحكاية الأساسية معني بإحباط هجمات التنظيم وبعضها غير انتحاري (بلغ عددها 48 عملية) أكثر من كونه معنياً باصطياد عناصره، بحيث يوحي العنوان الجديد بالحديث عن قناص لا رجل استخبارات.
تعتبر الكاتبة أنّ القوات الأميركية تحاول مساعدة
هذا البلد للوقوف على قدميه
وخلافاً لعنوان الكتاب في نسختيه الأصلية والمترجمة، الذي يدور حول حارث وحده، فقد اختارت الكاتبة تقسيم صفحاته على أربع شخصيات رئيسية هي السوداني وشقيقه مناف، وقائدهما في خلية الصقور الاستخبارية «أبو علي البصري»، والإرهابية أبرار الكبيسي المعروفة بـ «أخطر امرأة في داعش».
يغدو هذا الخيار مفهوماً للقارئ مع تقاطع مصائر الشخصيات واكتشاف دور أبي علي في حياة الأخوين وفي مهمة حارث، ودور خلية الصقور في توقيف أبرار التي كادت تخدع الجميع.
محو العار، ودوافع أخرى...
وبصورة اعتباطية، تربط الكاتبة بين ما سمعته عن حياة حارث ونشأته وبين قراره بالتصدي لمهمته الخطيرة، مصرّةً في غير موضعٍ من الكتاب على حصر الأمر برغبته في «محو العار». أما عار حارث فليس سوى رسوبه في الجامعة وتعرضه للتوبيخ والإهانة من والده القاسي بعد قصة حبّ فاشلة أثرت في تحصيله الدراسي، بطلتها نسرين، الفتاة السنية من كردستان التي رفضت العائلة زواجه منها وهددته بالتبرّؤ منه إن فعل.
ولا ترى الكاتبة في رغبة حارث بالانضمام إلى شقيقه مناف في خلية الصقور في البداية، إلا رغبة في استعادة مكانته داخل العائلة كابنٍ أكبر، من مناف نفسه الذي صار موضع احترام الجميع وتقديرهم، قبل أن يأتي تطوعه لاحقاً للمهمة الخطيرة التي أحجم عنها الجميع في السياق ذاته.
وتضيف الكاتبة سبباً آخر لتطوّع حارث لتنفيذ المهمة وهو رغبته في حماية ابنه مؤمل الذي حالت أمتار قليلة ودقائق معدودة دون أن يكون واحداً من ضحايا تفجير إرهابي استهدف سوق جميلة في مدينة الصدر، وهو دافعٌ يحمل عاطفة أبوية نبيلة من دون شك، ولكنه يبقى شخصياً بشكل ما وقاصراً أمام تضحيات من حمى العراقيين جميعاً من أخطار بلا حدود.
قبل ذلك، لم تفوّت الكاتبة فرصة الإشارة إلى ضحك حارث ومناف من «الطلب الفظيع» الذي عرضه قائدهما «المسكين» على الرجال في اجتماعهم الأخير وهو تطوّع أحدهم للتسلل إلى داخل التنظيم.
وفي الإطار ذاته، تأتي إشارة الكاتبة إلى أحلام حارث لما بعد الانتصار النهائي على «داعش» في العراق، والتي باح بها لشقيقه مناف أثناء رحلة استجمام إلى بيروت سبقت تنفيذ العملية، كما لو أنها تعبير عن تغافله عن الطابع الانتحاري للعملية، لا عن أمل طبيعي بالحياة، فضلاً عن تركيز الكاتبة على الطابع الترفيهي العابث للرحلة الأخيرة وإشارتها إلى وقوع الشقيقين في حالة سكر شديد بسبب ما تناولاه من ويسكي رخيص في ملاهي بيروت على وقع أغاني البوب الصاخبة.
أين «الحشد الشعبي»؟
وإذا جاز القول على سبيل المجاز إنّ كوكر صنعت لبطلها الخارق تمثالاً مخلخلاً آيلاً للسقوط، أو زنّرته بالمتفجرات على طريقة الجماعة الإرهابية التي تكره التماثيل، فإن هذه الخلخلة امتدت من شخص حارث السوداني، إلى قائده أبي علي البصري الذي نراه دائماً ظلاً وذراعاً لرئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، الذي بالغت المؤلفة في الحديث عن مذهبيته وبطشه وطموحه للزعامة، وصولاً إلى خلخلة الأسس الأخلاقية التي قام عليها الصراع الذي كانت مهمة حارث جزءاً منه.
فالكاتبة التي بذلت جهدها الاستقصائي الكبير للإضاءة على دور الأجهزة الأمنية العراقية في القضاء على داعش بالتعاون مع الأميركيين، أغفلت تماماً الإشارة إلى «الحشد الشعبي» الذي قدّم تضحيات وكانت له الحصة الكبرى في هذا الإنجاز، ولكنها لم تهمل الإشارة إلى «الميليشيات الشيعية» قبل نشوء الحشد بوصفها فرق قتل طائفي لا تختلف تقريباً عن «داعش»!
وتحولت «داعش» على يديها من تنظيم إرهابي معادٍ للإنسانية، يتوزع ضحاياه على جميع الطوائف والمذاهب، إلى ما يشبه الامتداد الطبيعي للوجدان السني الغاضب من فساد السياسيين الشيعة وتواطئهم مع الاحتلال. أما على الضفة الأخرى، فهناك شيعة يسعون إلى تثبيت مكاسبهم في عراق ما بعد الاحتلال، بالفساد والظلم والقتل، ولو وصل ما يفعلونه إلى مستوى ما تفعله داعش نفسها.
وسط هذا المشهد السوداوي لطرفين متناحرين يجمعهما التخلف والمذهبية والإجرام، لا تضيء المشهد ربما سوى القوات الأميركية التي تحاول مساعدة هذا البلد للوقوف على قدميه!
بين الموضوعية والوسطية وتبرير الإرهاب
موضوعية الكاتبة تكاد تتجلى وقوفاً بين «داعش» وأعدائها، وإن حرصت على وصفها دوماً بالتنظيم الإرهابي الذي حمى بطل الكتاب المدنيين من هجماته القاتلة، وترى الكاتبة في وقفتها هذه وقوفاً بين السنة والشيعة، خلافاً للواقع.
ولهذه الغاية تبرّر لأبرار الكبيسي تخطيطها لتسميم مياه الشرب التي تغذي بيوت العراقيين الشيعة بمن فيها من أطفال ونساء، لأنّ أختها قُتلت على حاجز في ظروف غامضة، وتنقل عن والد أبرار الأستاذ الجامعي الرصين الذي تضعه في موضع المستهجن فعلة ابنته، أمنياته بـ«عودة العراق إلى أيامه المجيدة على يد رجل قوي يضع الشيعة المدّعين في مكانهم الصحيح» ما يعني حنيناً إلى جمهورية الخوف الصدّامية بدل استنكار الجريمة الرهيبة التي خططت لها ابنته.
أما أبو مريم الذي كان القائد المباشر لأبي صهيب (كنية حارث في داعش) في خلية الطارمية، والمسؤول عن كل التفجيرات الإرهابية التي أحبطها حارث وسواها، فهو ليس سوى «مزارع ذي عزم يفتخر أنه شخص كانت شكواه من الحكومة الشيعية ومن الوجود المُهين الذي أُجبِر جميع سنّة العراق على تحمله». وتستدل الكاتبة على رقة أبي مريم المزعومة بامتناعه عن قتل حارث بيده بعد انكشاف أمره وتركه المهمة لرفاقه في الخلية!
اجتهادات دينية قاصرة
فضلاً عن إقحام الكاتبة نفسها داخل صراع الحياة السياسية في العراق، على غير دراية كافية رغم عملها الصحافي في البلاد لسنوات، فإنها تقحم نفسها وعلى غير دراية أيضاً وسط «الخلاف السني الشيعي»، فتارةً تجتهد في الحديث عن «خروج الإمام الثاني عشر للشيعة من سرداب تحت الأرض» وهي رواية مكذوبة تستهدف الاستهزاء بعقيدة الشيعة الذين تؤكد رواياتهم وسواها أنه يظهر في مكة ويبايع بين الركن والمقام، وتارةً تعرّف الشيعة بوصفهم «الجماعة التي أدارت ظهرها للتفسير الصحيح للإسلام». وقد لا تتسع المساحة هنا لإيراد كل ما تضمنه الكتاب من أخطاء في أسماء المساجد والشخصيات المعروفة والرتب العسكرية وسواها.
وبمعزل عن فضل مارغريت كوكر في تعريفنا إلى واحد من أبطال تاريخنا المعاصر، عبر كتابها الذي بذل مترجمه جهداً في تصويب ما أمكن من معلوماته، فإن السؤال يبقى قائماً عن حال المرآة التي يرانا الآخرون عبرها، ودورها في تأخرهم بالوقوف إلى الجانب الصحيح من قضايانا المحقة، في ظل موضوعية هشة وناقصة يتغنى بها إعلامهم الحر، يقابلها تقصيرنا في كتابة روايتنا ونقلها إلى العالم.
