لبنان... صور «من الجنة»


الملصق فنّ، الملصق ذاكرة. معاً يصنعان القيمة والجاذبية، ويكوّنان معرض «انطباعات من الجنة» في جناح نهاد السعيد للثقافة في المتحف الوطني في بيروت.
ملصقات سياحية وملصقات أفلام
يضمّ المعرض الذي يستمرّ حتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر) ملصقات سياحية وملصقات أفلام من مجموعة فيليب جبر الفنية التي تعكس صورة وطنية عن لبنان ثقافةً شعبيةً وتراثاً بصرياً. والجنّة المقصودة هي لبنان الجمال الطبيعيّ والتنوّع الثقافيّ والحضاريّ وزمن تألّقه وازدهاره وإشعاعه على كلّ المنطقة.
الملصقات والفوتوغرافيات التاريخية نسّقتها نور عسيران للمعرض ووضعت لها ماري طنب النصوص المرافقة.
يضم المعرض مجموعة فنية نادرة تشمل ملصقات أفلام لبنانية، منها ملصق فيلم «سفر برلك» البديع للأخوين رحباني (بطولة فيروز وإخراج هنري بركات)، وملصقات سياحية ترويجية لمعالم طبيعية وأثرية مشهورة مثل غابات الأرز والآثار الرومانية والشواطئ الذهبية وغابات الصنوبر التي يتخلّلها البيت القرميديّ التقليديّ.
لا يقتصر المعرض على القديم والتاريخيّ، فثمة أعمال لفنانين لبنانيين معاصرين أمثال خليل جريج وجوانا حاجي توما، ولميا جريج، وسعيد بعلبكي وكالين عون. يعيد هؤلاء تشكيل الملصقات القديمة بأساليب فنية حديثة، في ما يشبه التركيب والفن المفاهيميّ الذي يحترفونه في أعمالهم ومعارضهم الخاصة.
من العشرينيات إلى السبعينيات... رحلة ثقافية عبر الزمن
تهدف سينوغرافيا المعرض (تولّاها محترف «ميم نون» والتصميم الغرافيكي لـ «استوديو سبعة وعشرون») إلى إبراز هذه «الرحلة الثقافية الساحرة عبر الزمن» على حد تعبير منسّقة المعرض نور عسيران. إذ ننتقل من عشرينيات القرن الماضي إلى سبعينياته، في جولة لبنانية ترويها ملصقات سياحية عن الوطن أيام العزّ والهناء والطمأنينة، وكان لبنان خلالها وجهة سفر مميزة لسيّاح من مختلف أنحاء العالم، ومن كل الجنسيات.
كان نابليون يعمّم أوامره عبر الملصق الذي يحوي رسوماً ونصوصاً بالعربية
ينقسم المعرض إلى خمسة أقسام: الأول خاص بملصقات دعائية ترويجية لشركات الطيران والبواخر والقطارات التي لعبت دوراً أساسيّاً في جعل لبنان بوابة ومدخلاً إلى الشرق الأوسط. والقسم الثاني يضمّ ملصقات تسويق وترويج من تصميم فنانين عالميين، والقسم الثالث مخصّص لتاريخ شركات الطيران في لبنان، من «اِير ليبان» إلى «الخطوط الجوية اللبنانية» فـ «طيران الشرق الأوسط». من خلاله تظهر معالم من حضارات لبنان المتعاقبة. يحوي القسم الرابع ملصقات أفلام سينمائية تحمل عناوين متّصلة برموز لبنانية مثل بيروت وبعلبك والأرز. أمّا القسم الخامس، فخصّص للأعمال الفنية المعاصرة التي نوّعت بأساليب تعبير حديثة على تيمة «لبنان الجنة».
فيليب جبر... عاشق الماضي
مجموعة فيليب جبر غنية ومتنوعة، جمعها بصعوبة من كل بقاع الأرض منذ أربعين عاماً كجامع هاوٍ، حتى شمل ما جمعه، فضلاً عن الملصقات، صوراً فوتوغرافية قديمة ولوحات وكتباً ذات طبعات عتيقة.
كان جبر يعيش خارج لبنان لكنّ حنينه إلى وطنه لم يفارقه. ومن أجل ذلك، انطلق في مشروعه الذي أراد منه معرفة انطباعات الأجانب عن لبنان، بين أوروبا وأميركا، باحثاً عن هذه المقتنيات الثمينة التي كان يعثر عليها في بعض المكتبات أو لدى تجّار التحف القديمة في أسواق فرنسا وألمانيا، ويطاردها أحياناً في المزادات العلنية، أو يبتاعها من ورثة غير مهتمين بها. لكنّ هذه المجموعات لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا في إطار جامع، إذ ليست لكل قطعة منها قيمة خاصة بذاتها.
حملة نابليون أدخلت الملصق إلى ديار العرب
يمكن إضفاء قيمة تاريخية على الملصق، ويمكن إرجاعه إلى أقدم العصور مثل النقوش والكتابات المصرية القديمة. لعلّ أول معرفة للعرب بفن البوستر أو الملصق تعود إلى حملة نابوليون على مصر عام 1798، إذ كان يعمّم أوامره عبر الملصق الذي يحوي رسوماً ونصوصاً بالعربية ويعلّق على مداخل الحارات المصرية. ثم تعزّز حضور الملصق مع الإعلان عن الأعمال المسرحية منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر. في أي حال، إنّه معرض يستحقّ الزيارة لأنّه فسحة راحة وذكرى وحنين نحتاج إلى مثلها في هذا الزمن الحالك.
«انطباعات من الجنة»: حتى 30 تشرين الأول (أكتوبر) ـ جناح نهاد السعيد للثقافة في المتحف الوطني في بيروت.


