جزء من إرث شارع الحمرا وذاكرة بيروت الجماعية: صندوق التذاكر فتح مجدداً في «الكوليزيه»!


في أحد شوارع الحمرا، بقيت لافتةٌ لحفلة محمد منير معلّقة على واجهة مسرح «الكوليزيه» لسنوات، تُعلن أن الحفلة ستُقام «اليوم والأربعاء». كان ذلك آخر عرض في الصالة قبل أن تُغلق أبوابها عام 1984بفعل الحرب الأهلية. شُيّدت السينما عام 1945، لتُصبح واحدة من أقدم دور العرض في بيروت. وغداً (ابتداء من السادسة مساءً)، تستعدّ لاستقبال روادها من جديد بعد إعادة افتتاحها وتحويلها إلى «المسرح الوطني اللبناني». يتزامن ذلك مع انطلاق «مهرجان لبنان الدولي للمونودراما»، بمشاركة فرق مسرحية عربية وأجنبية.
داخل الصالة المرمَّمة، ما تزال ملامح الزمن القديم حاضرة: بقايا أشرطة العرض الضخمة، زجاجات المشروبات الغازية والبيرة من ثمانينيات القرن الماضي، صور وأفيشات الأفلام، وحتى صندوق التذاكر الذي ينتظر عودة الناس. حافظ القائمون على المشروع على الطابع التراثي للمكان، بأعمدته العالية وزخرفته وألوانه، إذ يشعر الداخل إلى القاعة أنه عاد عقوداً إلى الوراء. وإن كان آخر ما سمعه رواد السينما في الثمانينيات أصوات الرصاص والقنص، فقد ترافقت أعمال الترميم هذه المرة مع دوي الطائرات الإسرائيلية في سماء لبنان.
يقول مؤسس «المسرح الوطني اللبناني» الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي في حديث معنا إن ورشة الترميم بدأت العام الماضي، ولكن ما إن اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان حتى تحولت الصالة إلى مركز إيواء للنازحين. «ترافق بناء خشبة المسرح مع أصوات الـ MK، وكان علينا أن نوفّر أيضاً أماكن للنوم للنازحين»، يضيف إسطنبولي.
المشروع امتداد لحلم «جمعية تيرو للفنون» الذي انطلق من صور، وانتقل إلى النبطية وطرابلس، قبل أن يتوَّج بإنشاء «المسرح الوطني اللبناني». ويضيف أن «المهم هو وجود مراكز ثقافية مستقلة تُزيل الحواجز بين المناطق وتعيد ربط الناس ببعضهم»، مشدداً على أن «هذا اللقاء بين اللبنانيين عبر الثقافة والفنون أساسي، ويجب أن ترافقه ورش تدريبية ومهرجانات في مختلف المناطق، لتشكيل هوية خاصة بكل مدينة».
شُيّدت السينما عام 1945، لتُصبح واحدة من أقدم دور العرض في بيروت
تطلّب الترميم جهداً هائلاً، إذ جرى العمل بشكل يدوي وتطوعي بالكامل. فالسينما كانت مدمّرة بعدما أُقفلت لسنوات طويلة وباتت بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة. وبحكم الخبرة التي راكمها المتطوعون في الجمعية، تمكّنوا من إنجاز كل شيء بأنفسهم: من تمديدات الكهرباء إلى تأمين الكراسي. ويقول إسطنبولي إنهم حرصوا على الحفاظ على زخرفة وألوان المكان، وإبقاء روحه القديمة حيّة، إذ إن المقاعد الموضوعة في القاعة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي. بذلك، ظلّت السينما حافظةً للذاكرة والهوية، وفي الوقت نفسه قادرة على احتضان عروض سينمائية ومسرحية، فضلاً عن مكتبة ومساحات ثقافية أخرى.
تمثل «الكوليزيه» جزءاً من إرث شارع الحمرا وتاريخه، وبالتالي من ذاكرة بيروت الجماعية. وإعادة فتحها غداً تضيء بعضاً من بريق الشارع القديم. وعن اختيار الحمرا تحديداً، يوضح إسطنبولي أن «الشارع كان مليئاً بدور السينما، ومقصداً للكتاب والشعراء والرسامين، وفيه مقارّ صحف ودور نشر». وعودة «الكوليزيه» إلى الحياة تعني عودة تلك الذاكرة إلى الناس، إذ يستعيد بعضهم قصصه الشخصية معها، كجدّ يخبر أحفاده أنه التقى جدته للمرة الأولى داخل هذه الصالة.
ورغم أنها ستبقى معروفة باسم «الكوليزيه»، فإن تسميتها الجديدة «المسرح الوطني اللبناني» هي جزء من حلم أوسع: «المسرح هو للناس، والأمل أن يكون لدينا مسرح وطني وقومي، وهذا واجب الدولة» وفق اسطنبولي.
في قاعة «الكوليزيه» اليوم مسرح وسينما معاً، والهدف دعم الخريجين والطلاب بالتعاون مع المراكز الثقافية والفنانين. غداً سيكون الافتتاح مع كرنفال يواكب انطلاق «مهرجان لبنان المسرحي» من 14 إلى 16 أيلول، حيث تُعرض أعمال لفرق من إسبانيا وألمانيا وسوريا وفلسطين والعراق، إلى جانب عروض لبنانية يومية وسهرة موسيقى سودانية. ويُشارك في الافتتاح وزير الثقافة غسان سلامة والممثلون صلاح تيزاني (أبو سليم) ورفيق علي أحمد وجوليا قصار. وتُخطط الجمعية لاحقاً لتنظيم ورش تدريبية للأطفال والشباب، إلى جانب مهرجانات وعروض وأفلام تعليمية.
