إكس ساحة تحقيق في ملابسات اغتياله: تشارلي كيرك... الخطاب اليميني فقَدَ صوته


بانغ بانغ، انتهت المناقشة. كلماته هبطت على الخصم على شكل لكمات متتالية. صَفَّق جمهور الشباب اليميني الذي كان متأكداً بأنّ بطله سيفحم تلك الشابة «اليسارية الجهادية ذات الشعر الزهري». لم ينتهِ الحدث عند التصفيق. التقطت الكاميرات المشهد كاملاً، والمقاطع ستنتشر كالنار في الهشيم على الهواتف، وستتلقّفها الصفحات اليمينية المتعطّشة لمثل هذه اللحظات. غداً ستصل إلى ملايين الشاشات، وستُقتطع الجمل وتُعاد صياغتها في ميمات ومنشورات، وسيتحوّل المقطع إلى دليل جديد على أنّ اليمين قادر على الهيمنة في ساحة الجامعات.
جاء بطل هذه القصة، المؤثّر اليميني تشارلي كيرك، الشاب المولود عام 1993 في ضاحية أرلينغتون هايتس في ولاية إلينوي، وتحول بسرعة إلى أحد أبرز وجوه اليمين في الجامعات الأميركية.
أوّل من أمس، انتهت رحلته برصاصة واحدة اخترقت عنقه، بينما كان منخرطاً في نقاش حول عدد مرتكبي حوادث إطلاق النار الجماعي في أميركا خلال السنوات العشر الماضية أمام حشد من الطلاب تحت خيمة نصبتها منصته «ترنينغ بوينت» في جامعة «يوتا فالي».
دوّت رصاصة واحدة أطلقها مسلّح يرتدي ملابس داكنة من فوق سطح مبنى يبعد بين 160 و180 متراً تقريباً عن الباحة التي جرى فيها الحدث.
اعتقلت الشرطة والمباحث الفدرالية شخصين ثم أفرجت عنهما. بقي القاتل طليقاً. في الأثناء، تحوّلت منصة «إكس» إلى غرفة تحقيق مفتوحة: خبراء أسلحة، محلّلون عسكريون، ومستخدمون يبحثون عن طائرة خاصة أقلعت بعد ساعة من الاغتيال وأطفأت جهاز إشارتها.
مناظراته صنعت إحساساً لدى الشباب المحافظ بأنّ لهم صوتاً مسموعاً وسط بحر من الخطاب الليبرالي
بعضهم ربط الطائرة بجهات إسرائيلية. مجموعات من تيار «ماغا» الانعزالي رسمت سيناريو آخر: كيرك الذي جاهر طويلاً بدعمه لـ«إسرائيل»، بدأ يميل أخيراً إلى خطاب أقرب إلى أفكار تاكر كارلسون، فكان الثمن تصفيته. آخرون ذهبوا أبعد، افترضوا أنّها عملية للموساد هدفها إشعال اضطرابات في الداخل الأميركي، تمنح دونالد ترامب الذريعة لإدخال الحرس الوطني إلى المدن والولايات ذات الغالبية اليسارية. مجموعات أخرى ربطت التوقيت بصدور كتاب جديد عن جيفري إبستين قبل ساعات، معتبرة أنّ الاغتيال جاء ليحجب الأنظار عمّا يكشفه من صور وتعليقات ومحادثات بين سيّئ الذكر والرئيس ترامب.
كان تشارلي كيرك مترجماً لأفكار الرئيس ترامب في أوساط الجامعات، تلك الجامعات التي يصفها تيار اليمين بأنّها مسروقة من قبل اليسار، ومليئة بأساتذة ونقاشات تزرع الشك في ثوابت «أميركا أولاً» وتغذّي خطاباً عدائياً ضد «إسرائيل». في هذا الميدان بالذات، ظهر كيرك، المقاتل الأشدّ حاجة إليه. كان ماكينة إعلاميةً متنقّلةً تحمل لغة الجيل الجديد: جمل قصيرة، سخرية حادّة، وقدرة على تحويل أعقد النقاشات إلى شعارات يهتف بها الطلاب في المدرجات.
بالنسبة إلى تيار «ماغا»، حضوره كان ضرورة استراتيجية. الخيمة التي كان ينصبها في الحُرُم الجامعية جعلت من كل سؤال يطرحه خصم يساري فرصةً لتصوير «المواجهة» وتحويلها إلى مادة تعود لتصبّ في طاحونة ترامب. آلاف المقاطع التي انتشرت من مناظراته صنعت إحساساً لدى الشباب المحافظ بأنّ لهم صوتاً مسموعاً وسط بحر من الخطاب الليبرالي.
لكنّه كان أيضاً مهرّجاً بالمعنى الفكري: يضحك جمهوره بالنكات الرخيصة، يربك خصومه بالاستفزاز، غير أنّه سرعان ما يتهاوى أمام ناقد يساري متمكّن يعرف كيف يواجه الحجة بالحجة. ما بدا لجمهوره مصارعة كلامية كان في كثير من الأحيان ضحالةً ينتهي بها المطاف إلى مقطع فيديو يظهر على الشاشات خلال السكرولينغ اللانهائي.
بالنسبة إلى ترامب، ظلّ كيرك واجهةً لا غنى عنها، حتى أنّه نكّس الإعلام من أجله. أمّا خصومه، فلم يروا فيه سوى مؤثّر فارغ، مهرّج سياسي عاش على التصفيق وهرب من اللحظة التي يفرض فيها النقاش مستوى يُعرّي ضحالة خطابه.
