أن تصف الفردوس كأنك عشت فيه دهراً طويلاً
منذ شهور الإبادة الأولى، كان أكثر ما أُجيد وصفه لصديقاتي اللواتي استشهد أبناؤهن، هو وصف الفردوس الأعلى. إنني أصف الفردوس كأنني حييت به منذ الأزل.


منذ شهور الإبادة الأولى، كان أكثر ما أُجيد وصفه لصديقاتي اللواتي استشهد أبناؤهن، هو وصف الفردوس الأعلى. إنني أصف الفردوس كأنني حييت به منذ الأزل. أصف أنهاره النقية التي لا يتغير شكلها وطعمها. أنهاره التي صنعت من لبن خالص، وخمره الجاري إذ لا يُذهب العقل، عسله النقي الذي لم يعرف مثله أهل الدنيا. أصف ألوان فاكهته، إذ ليست حمراء ولا صفراء ولا بنفسجية، بل كلّها في آنٍ واحد. أصف رفوف الطير بلذة طعمها، إذ تُطهى من دون نار، وتُقدّم من دون يد، وتُؤكل من دون سكين.
إنني أفعل هذا - وليس يهم إن كنت أفعل ذاك عن اقتناع مني أو غير اقتناع - ولكني أفعله، إذ أُؤطر معنى لحالة الانتقال من الدنو (الدنيا) إلى العُلى (السماء)، وقد فعلته هذا الصباح بقوة على غير العادة، ربما لأن الموت كان على غير العادة.
إن ذلك لمن السخرية، كيف يكون هناك موت في فلسطين على غير العادة، وكل ما يحدث فيها على غير العادة؟
في هذا الصباح، كانت صديقتي بسمة (اسم مستعار) تصف واقعة استشهاد ابنها عبد الهادي (ابنها الأكبر). وبينما كانت تتحضر في ذلك اليوم لحفل زفاف ابنها الأصغر، إذ كنا نحمد الله أن الفرح قد دخل هذا البيت أخيراً، بعدما استشهدت طفلتاها علا وملاك في حرب 2014، وأُعدمت عائلتها في هذه الإبادة، إذ بالموت يدخل إلى هذا البيت مجدداً، في ذاك اليوم، في يوم الزفاف المنتظر، يستشهد عبد الهادي.
يسرع عبد الهادي ليسعف الناس جراء غارة، فتصيبه شظية ويقع أرضاً، تسرع أمه إليه فتجده يتمتم لها بكلمات الرضى عليه «ارضي عني يمَّه». كانت تسمع كلماته بينما تضع كل قوتها التي أنهكها السرطان في إنقاذه، تنزع حجابها عن رأسها تربط به جرحه، تضعه على كارة الحمار وتسرع به إلى المستشفى، فيُعلن استشهاده بعد ذلك.
دائمة البكاء هي بسمة، تبكي عبد الهادي، فأقول لها: «ابكي، فالبكاء شيء مهم، افعليه دوماً، ولكن تذكري أنه الآن في الفردوس الأعلى».
في لحظات كتلك اللحظات، أفعل ذلك كاستعادة لمعنى وجود الأبناء على الأرض، فهؤلاء الأبناء لم يتحولوا إلى رماد، إنهم يعيشون في مرحلة انتقال إلى فضاء أعلى، هذا الانتقال من حالة إلى حالة يدفع بالأمهات إلى تقبل فكرة الفقدان.
إنه ينحو بهن نحو وجود الأبناء في وضع مادي آخر وليس في حالة من العدمية التي زالت ولن تعود. لا، بل إن لقاءهم قريب باجتماع في ذلك الفضاء الأعلى، الأكثر عدلاً ورحمة، في الفردوس الأعلى، المكان الأكثر رفعة وجمالاً من مراتب الجنة جميعها، حيث الأشجار والأنهار ورفوف الطير.
هذا الاستحضار للفردوس، بجنانه وأنهاره ورفوف الطير فيه، هو استحضار لوطن آخر تلتقي به العائلة جميعها، يشفعون لبعضهم البعض، ويمسكون ببعهضم البعض، بهذا المعنى، يصبح الفردوس إعادة تشكيل للخيال المكاني، إذ لا مكان له في الدنو (الدنيا) إلى رفعته في السماء حيث (الفردوس). إن ذلك ليس بمواساة، إنما تأسيس لمرحلة جديدة من الحياة تُشبه الانتظار الطويل، ذلك الانتظار الذي لا يتعلّق بعودة عبد الهادي، بل باللحاق به. وتلك لحظة التحول: حين يغدو الموت الذي كان يُفترض أن يكون الأبعد عن عبد الهادي، هو الحلم الذي تركض إليه بسمة لموعد اللقاء، بينما أنا أدفع لها بأمل نحو هذا الركض.
وأثناء ذلك، ومنتقلاً من وصف الفردوس إلى أمانة الأبناء، أقول: «إنهم ليسوا ملكاً لنا، إنهم ملك لله، يعطينا إياهم متى يشاء، وتشاء مقدرته أن يأخذهم إليه متى يشاء».
حين أقول ذلك، أشعر بهدوئها قليلاً الذي سرعان ما يثور ثم يهدأ ثم يثور ثم يهدأ.
في تلك اللحظات، تتخلل تلك الأمانة عملية مد وجزر؛ هدوء وثَوَرَان؛ وإذ يصعد الجزر إلى الحزن ويعلو البكاء، يقطعه المد، إذ معنى الأمانة الكبيرة التي أُعطيت لنا ثم ردت إلى مالكها، وهذا التعبير إنما يُؤطر للمعنى الذي ينشأ عليه الناس العاديون، بكون الله هو المالك الحقيقي لكل شيء، الأجساد والأرواح، الحاضر والمصير، وبأن من أحببناهم إنما هم وديعة يقرر بمصيرها خالقها، وعلينا أن نستسلم لتلك المشيئة.
هل ذاك ما أؤمن بقوله حقاً؟ ربما لا وعلى الأرجح نعم، ولكني أقوله حين يقع الموت وليس قبله، ويجتاحني الغضب تجاهه كخطيب أو حكيم يعد الناس بأن الموت طريق الفردوس، متسائلاً، كيف يجرؤ أحد على فعل ذلك! وقد شعرت بذلك الغضب تجاه «حكيم» ما في نهاية مؤتمر ما، حين قال: «على هذه الأرض ما يستحق الموت».
أتساءل: كيف يتجرأ هذا «الحكيم» أن ينظر إلى الموت من هذا العلو، بينما تركض الأمهات بأبنائهن نحو الحياة؟ إننا، كما يقول زميل لي، مساهمون في هذه المقتلة على نحو ما.
* فلسطين
