«المخرّب» والعصير البارد
لم يبدأ ذلك الصباح بصياح الديك ولا برائحة مناقيش أم علي، بل بصوت الجنود يرطنون بالعبرية ويدكّون الأسفلت بأحذيتهم الثقيلة، بينما يقتحمون البيوت الآمنة.


لم يبدأ ذلك الصباح بصياح الديك ولا برائحة مناقيش أم علي، بل بصوت الجنود يرطنون بالعبرية ويدكّون الأسفلت بأحذيتهم الثقيلة، بينما يقتحمون البيوت الآمنة. الجنود الذين لم يألف بعد أهل دير قانون النهر رؤيتهم يدنّسون أزقتهم الدافئة، رغم تكرار المشهد أمام أعينهم مثل كابوس يحلمون بالاستيقاظ منه.
وها هم ينزلون مرة جديدة على القرية كالبلاء، يُخرِجون الرجال من البيوت وسط صراخ النساء وبكاء الأطفال، لم يسمحوا للبعض بارتداء ملابسهم حتى، اعتقلوهم وأخرجوهم من البيوت بملابس النوم.
حسن نسي نظارته. لم ينسَها على وجه الدقة، بل بقيت تحت أقدام الجنود وتحطم زجاج عدستيها. محمود لم يُمنَح الوقت الكافي لارتداء حذائه، دفعوه في أزقة القرية حافياً فجرحت قدميه الأشواك والحصى والزجاج المتكسر في الطريق.
لم يكن أحد يعلم ماذا يريد هذا الضابط «الإسرائيلي» الصلف الذي وقف وسط الساحة بين جنوده، وأمامه المعتقلون من رجال القرية.
— لماذا أخرجوا الناس من بيوتها من دون أي توضيح؟ لماذا اعتقلوهم من دون أي كلام؟ ماذا يريدون منهم؟ من سمح لهم أن يقتحموا البيوت بلا استئذان أصحابها أصلاً؟ وأن يدنّسوا بأحذيتهم كل الأمكنة حتى المكان الذي تصلي فيه والدتي؟
هكذا كان يفكر محمد*، الذي لم ينتبه إلى وجوده أحد في تلك اللحظة، فهو مجرد فتى لا يتجاوز عمره خمس عشر عاماً، ولكن الإعصار الذي يعصف في داخله منذ بدء الاحتلال أضاف إلى عمره عشر سنوات على الأقل. عشرة سنة لا يعلم أحد عنها شيئاً لحسن حظه، فهذا يساعده في مهمته.
كان جالساً بين المعتقلين يعبث بالتراب بأصابعه. هذا تراب أرضه، قريته، جنوبه، بلاده... ويفكر في مشهد الاحتلال المستجدّ والقميء. لم يكن يستطيع أن يتحمل المشهد الذي يراه كل يوم عندما يتجول المحتلون بسياراتهم العسكرية وبزّاتهم الزيتية في دير قانون.
سأل أبو علي أبا حسن هامساً:
— هل تعلم ماذا يريد هذا الكلب؟
كان حذراً من أن يسمعه الضابط الإسرائيلي الواقف وسط الساحة يضحك بصلفٍ أمام الرجال الذين اعتقلهم كي يؤدّبهم ويردعهم عن فكرة حمل السلاح.
محمد كان يعلم أكثر من أبي حسن وأبي عليّ لماذا اعتقلوا كل رجال القرية. السبب هو عملية الأمس، أو العملية التي حصلت قبل يومين، أو تلك التي حصلت قبل أسبوع على أبعد تقدير.
لم يكن أحد يعلم من أين يأتي هؤلاء الأشباح، ولا كيف يقاتلون، ولا كيف يختفون في دقائق، ولا إلى أين يذهبون فلا يبقى لهم أثر سوى ما ألحقوه بعدوّهم من خسائر. وحده محمد كان يعلم، وكان يضحك من اعتقاد الضابط أن صراخه في ساحة القرية بشأن البحث عن «المخرّبين» سيردع الآخرين عن التحوّل بدورهم إلى «مخرّبين» جدد يحملون السلاح ولا يفكرون إلا بتحرير قريتهم وطرد عدوهم.
حكّ الضابط الطويل شعره الأشقر ونظر إلى الرجال من خلف نظارته وصرخ من جديد:
— نريد أسماء «المخرّبين». ومن دون أن ينظر نحوه، سوّى أبو حسن قبعته الصوفية وردّد بهدوء في نفسه:
— خرب الله بيتك، لا مخرّب هنا سواك. نحن لا نعرف أحداً منهم أصلاً. من أين نزلتم علينا مثل البلاء؟ كنا نعيش حياتنا...
ولم يكن أبو حسن يعلم أن أحد الذين يصفهم الضابط بالمخرّبين جالس أمامه الآن، يفكر كيف وصل الغزاة إلى العاصمة بيروت في يوم واحد. محمد!
كان محمد يبدو صغيراً جدّاً على ذلك، ولم يكن لأحد أن يعلم أن داخل هذا الفتى رجلاً أكبر مما يظنون. «مخرّب» يحلم بتحقيق أحلام أطفال القرية عندما كانوا يقاتلون في الأزقة بالبنادق الخشبية ويطردون «الإسرائيليين» من قريتهم ومن كل الجنوب ويقتلعون علمهم البغيض عن التل الذي كان سفحه يوماً ممتلئاً بالأشجار المثمرة...
في خيالهم، كانوا يصفعون الضابط «الإسرائيلي» بكل قوتهم، وينصبون العلم اللبناني من جديد فوق التل. بعد نصف ساعة من الصراخ في وسط الساحة وتهديد «المخرّبين» بأنه سيفعل بهم كذا وكذا، تعب الضابط. كان الصيف في ذروته وحرارة شمسه تحرق الرجال. ابتسم أخيراً. كان يظن أنه بعد محاضرته وتهديداته، لن يجرؤ أحد بعد اليوم على الانضمام إلى «المخرّبين»، ولم يكن يعلم أن محمداً ورفاقه جالسون بين الناس، ولا أحد يعرفهم.
ولو فكر الضابط بهدوء وتعقل، لأدرك أن الأمر ليس بهذه البساطة، فهذا ليس التهديد الأول ولا حملة الاعتقال الأولى، ورغم ذلك فهو لا يزال يسمع أخبار عملياتهم كل يوم، من دون أن يستطيع تحديد هويتهم ولا اكتشاف المكان الذي يأتون منه ويذهبون إليه.
نظر الضابط إلى ساعته.
كان يظن أن مهمته تمت بنجاح، تخويف أهل القرية جميعاً: النساء، الأطفال، وحتى الرجال. كان يظن أن أحداً لن يفكر بالمقاومة بعد اليوم. أمر جنوده بتجهيز طاولة كبيرة ووضع العصير البارد فوقها، ليثبت محبته لأهالي هذه القرية الذين أرهقهم الوقوف الطويل تحت شمس الصيف الحارقة، وليخيّر كل واحد منهم بطريقة غير مباشرة بين الحياة والموت: إما حياة هانئة رغيدة ككوب عصير بارد في عز الصيف القائظ، وإما حرارة الرصاص يخترق الجباه التي يتصبب منها العرق غزيراً ويتسلل منها إلى الأعناق قبل أن يبلل الملابس.
كانت حلوقهم وألسنتهم قد جفّت تماماً من الانتظار الطويل تحت أشعة الشمس، ولعل محمداً كان أشدّهم عطشاً، ولكنه قطع الطريق على تردد بعضهم، ولم يسمح لهم بالتفكير أكثر. وبعزيمة فتى يشارك في العمليات الفدائية خِفْيَةً ويحلم بتحقيق أحلام أطفال القرية باقتلاع العلم الأبيض والأزرق من فوق التل، نهض من مكانه بقوة، وصرخ من دون أن يفكر في عواقب فعلته:
— نحن لا نشرب من عصيركم، نصوم ونموت من الجوع والعطش، ولا نشرب من عصيركم. هذه قريتنا. اتركوا قريتنا...
نظر إليه من حوله بخوف، وظلوا صامتين، بينما همس له أحدهم:
— سيقتلونك! اصمت يا محمد!
ولكن محمداً لم يصمت، فصراخه كان في نظره جزءاً من المقاومة، وفي وقته تماماً، ولم يكن فعل اندفاع وتهور. استعر الغضب في عيني الضابط الزرقاوتين، ولكنه لا يريد لأحد أن يفهم أنه فقد التحكم في أعصابه أمام فتى لا يتجاوز عمره خمسة عشر عاماً، مراهق بلا حول ولا قوة، لا يعرف أنه واحد من أولئك الرجال الذين يخشى حتى رؤية ظلالهم. لذا، أخفى غضبه واصطنع الضحك بصوتٍ عالٍ قائلاً:
— كما تحب...
ارتفع صوت الأذان من مسجد القرية، فقام محمد بسرعة، ومن دون أن يسأل أحداً أو ينتظر إذناً لا يحتاجه، أقام الصلاة في موضعه أمام أعين الجنود والضابط الذي يحاول بصعوبة تمالك غضبه. التحق به البعض ولم يفعل آخرون. ثمة من اختار العصير ومن فضّل العطش!
وعندما كان الضابط وجنوده ينسحبون من الساحة حانقين وقد انكسرت هيبتهم على يدَي فتى لا يتجاوز عمره خمسة عشر عاماً، كانوا يعلمون أنه بعد ذلك اليوم سيكون عدد «المخرّبين» أكبر، بعدد الذين شاركوا محمداً الصلاة، بعدد الذين لم يشربوا العصير البارد.
*همدان/إيران.
* محمد جعفر قصير «الحاج ماجد»، استشهد أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، في غارة جوية بتاريخ 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2024، ووصفه الاحتلال بقائد الوحدة 4400 المسؤولة عن نقل الأسلحة من إيران وحلفائها إلى «حزب الله»، وهو شقيق الاستشهادي أحمد قصير وثلاثة شهداء آخرين.
