ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

دومينيك موازي يقرأ تحوّلات جنوب العالم بعدسة «العواطف»

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

في كتابه الجديد «انتصار العواطف»، يقرأ المفكر الفرنسي دومينيك موازي الجيوبولتيك من منظور وجداني. يرى أن مشاعر الحقد والغضب والخوف تغلّبت لتشكل نظاماً عالمياً ثلاثي الأقطاب: جنوب يملؤه الاستياء والأمل، وشرق غارق في الإذلال، وغرب يسوده الخوف

سعيد محمد
سعيد محمد
السبت 13 أيلول 2025
دومينيك موازي يقرأ تحوّلات جنوب العالم بعدسة «العواطف»
الخط


في كتابه الجديد «انتصار العواطف: الجيوبولتيك في عصر الاستياء والغضب والخوف»
(The Triumph of Emotions: Geopolitics in an Age of Resentment, Anger and Fear ـــــ بوليتي 2025 )، يواصل المفكّر الفرنسي دومينيك موازي ما بدأه قبل أكثر من عقد ونصف عقد في مؤلفه السابق «جيوبولتيك العاطفة» (2009)، الذي قدّم فيه تحليلاً للسياسة الدولية عبر عدسة غير تقليدية تركز على المشاعر الجماعية كقوة محركة. في ذلك الكتاب، رسم خريطة وجدانية للعالم قسّمته بين آسيا المفعمة بالأمل، والغرب المثقل بالخوف، والعالم الإسلامي الغارق في المهانة.

أما اليوم، فيعود ليؤكد أنّ العالم قد انزلق بالفعل إلى السيناريو الأسوأ. فالخوف انتصر على الأمل، تغذّيه عودة الحروب إلى أوروبا، وانحسار العولمة، وتسارع التغير المناخي. وفي خضم ذلك، تحولت التكنولوجيا الرقمية – من الذكاء الاصطناعي إلى التضليل الإعلامي – إلى مُعجّل للأزمات، ليجد العالم نفسه غارقاً في مدار من الانفعالات الخام كالغضب والحقد والكراهية التي تتجلّى في القوميات المتطرفة، والخطابات الشعبوية، والصراعات المفتوحة، ما يجعل السياسة أكثر هشاشة وانفعالاً، ويعزز مزاجاً عالمياً من الرعب واللايقين.

نظام ثلاثي جديد

يرصد موازي ما يراه تحوّلاً في «الجغرافيا العاطفية». فإذا كان الأمل قد ساد الصين والهند في 2009، فإنّه اليوم أكثر وضوحاً في الهند وحدها، بينما غرقت الصين في خضم مصاعب ديموغرافية واقتصادية وأزمة هوية. وفي أوروبا، برزت أوكرانيا – رغم دمارها – كمثال على التشبث بالأمل في مواجهة «العدوان» الروسي، في حين صارت قوميات شرق آسيا (اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان) ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ من الغرب استراتيجياً وعاطفياً.

وهكذا، فإنه يجادل بأنّ العالم يعيش في خضم تشكّل «نظام ثلاثي» جديد، لم يعد ثنائياً كالحرب الباردة (الغرب بقيادة الولايات المتحدة مقابل الاتحاد السوفياتي وكتلته الشرقية)، ولا أحادياً (هيمنة أميركية منفردة كما بعد 1991). هذا النظام يُقرأ أيضاً عبر تقسيم وجداني: الجنوب العالمي يعيش بين الأمل والامتعاض، والشرق العالمي (روسيا والصين أساساً) بين الغضب والإهانة. أما الغرب، فيراوح بين الخوف ومقاربات للتكيّف والاستجابة المرنة للتحولات.

استياء الجنوب لا يُختزل
في «ذاكرة الاستعمار» فقط

الكتاب بذلك محاولة لتفسير الظرف الدولي عبر عدسة العواطف، وهو ما يعكس ثقةً قديمة لدى موازي بأن البُعد الوجداني يمكن أن يكون مفتاحاً لفهم السياسة الدولية أكثر من المصالح الاقتصاديّة أو الأيديولوجيات. الانفعالات بالنسبة إليه ليست مجرّد تعبيرات ثقافية، بل محرّكات للصراع الجيوسياسي نفسه.

وينبغي للحدث السياسي أن يُقرأ أساساً في ضوء ردود الفعل الشعورية: تضامن انتقائي مع أوكرانيا لكن ليس مع غزة، مظلوميّات تاريخية «موهومة» (السنة السوريون ضد الأقليات) وإرهاق شعبيّ (الشعب الأوكراني)، أو غضب عموميّ (باكستان مثلاً). إنه عالم يعيش حالة «طلاق عاطفي»، حيث تتفاوت قراءات الوقائع بين شمال وجنوب، شرق وغرب، وبين أجيال مختلفة داخل الغرب نفسه. لكن هل تكفي هذه العدسة وحدها؟ وهل يمكن توصيف العالم عبر «الانفعالات» وتناسي البنى العميقة التي تحكم النظام الرأسمالي العالمي؟

صوت المؤسسة الليبرالية الأوروبية

بالطبع لا يمكن مقاربة نص موازي من دون فهم منطلقاته الفكرية والطبقية. فهو ليس مجرد محلل سياسي، بل نتاج وصوت بارز للمؤسسة الليبرالية الأوروبية التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. بصفته مؤسساً لـ «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية» وأستاذاً في «هارفارد»، ومستشاراً لمؤسسات الفكر في باريس وبروكسل وواشنطن، يمثل موازي تلك النخبة التي رأت في المشروع الأوروبي حصناً ضد «مآسي» الفاشية والشيوعية. وتجربته الشخصية، كابن ليهودي نجا من أوشفيتز، تسمح له - في حدود تقاليد الثقافة الغربيّة – بتبني خطاب إنسانوي يظهر في كتاباته ويدعو إلى تجاوز الماضي عبر فهم جديد للعالم، ولكنه يظل دائماً حبيس حنين جارف إلى «النموذج الغربي»، واختزال كل نقد موجّه له بمجرد «استياء عاطفي»، كأنّ المشاعر ستار يمكنه أن يخفي بنية الاستغلال المادي.

ومن هنا تبدأ المشكلة. يتعامل موازي مع «العواطف» كالغضب والأمل كأنها جوهر مستقلّ يقود حركة التاريخ. لكنّ ما يصفه ليس سوى أشكال فوقيّة لانقسامات ماديّة أعمق، ووعي زائف يغطي على قوانين أعمق: التراكم، الإمبريالية، التبعية.

«الغضب» الروسي مثلاً لا يُفهم من دون انهيار البنية الاقتصادية بعد النيوليبرالية الصادمة في التسعينيات حيث تحوّلت روسيا إلى سوق فاسدة يهيمن عليها الأوليغارشيون. فالمهانة والإذلال ليسا في هذا الفضاء «مشاعر» ألمّت بالمواطنين الروس، بقدر ما كانا انعكاساً للتبعية الاقتصادية والخنوع السياسي.

استياء الجنوب العالمي

كذلك، إن الاستياء في الجنوب العالمي لا يُختزل في «ذاكرة الاستعمار» فقط، بل في استمرار الهيمنة عبر صندوق النقد الدولي، وتقسيم سلاسل الإنتاج العالمية، والنهب المنظم للموارد. وحين يتحدّث موازي عن «الانتقام العاطفي» للجنوب، يغفل أن هذا الجنوب لا يزال مقيّداً بعلاقات إنتاج رأسمالية تفرضها المراكز، فالعاطفة هنا ليست سبباً، بل نتيجة للّاتكافؤ التاريخي. كما إن الخوف في الغرب ليس من «التراجع الحضاري»، بل من إمكان فقدان الهيمنة الاقتصادية والعسكرية بما تجلبه من منافع وميزات، فيما الشعبويات تعبير عن أزمة تمثيل بنيوية داخل الديمقراطية الليبرالية، وليست «غضباً عاطفياً».

وبذلك، إن ما يقوم به موازي هو وصف لأعراض المرض لا بحث في بنيته، إذ يقدّم تشخيصاً انطباعياً، ولكنّه يعجز عن تحليل الجذور المادية للصراع، ويقصر عن تحويل «العاطفة» من سبب غامض إلى انعكاس لصراع مصالح طبقيىة/ إمبريالية محدّدة.

مع ذلك، يظلّ «غلبة العواطف» كتاباً مهماً لأنه يقدّم خريطة وجدانية مفيدة لفهم كيف ينظر الفاعلون إلى أنفسهم والآخرين. لعلّه يحسب لمؤلفه جرأة الاعتراف الصريح بأنّ الغرب لم يعد مركز العالم، بل فقد موقع «الأنموذج» الأخلاقي، وأنّ آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية تطرح بدائل ثقافية وسياسية. وهذا اعتراف مهم يصدر من مفكّر ليبرالي أوروبّي.

يُقرأ «غلبة العواطف» إذن كطريقة لاستكشاف تفكير التيار الليبرالي الأوروبي في أزمته: تفسير الانهيار العالمي بلغة المشاعر لا بلغة الاقتصاد السياسي، فهو أشبه بمرآة لقلق أوروبا على نفسها أكثر منه نظرية شاملة للنظام الدولي.

يكتب موازي كمن يحاول رسم مسار لإنقاذ الليبرالية عبر قراءة وجدانية للعالم. لكنّ العالم الذي يصفه – عالم الغضب والمهانة – ليس سوى تجلٍّ آخر لأزمة الرأسمالية المعولمة. هنا، بالضبط، يكمن الفرق بين «تشخيص سايكولوجي» للسياسة و«نقد سياسي-اقتصادي» لها.
الأول يصف، والثاني يفسّر، فالانفعالات ليست قدراً، بل انعكاس لصراعات مادية قابلة للتغيير. من هنا، فإنّ «الانتصار الحقيقي» لن يكون للعاطفة، بل لمن يستطيع أن يحوّل الاستياء والغضب إلى مشروع تحرّري يعالج جذور الاستغلال، لا مظاهره فحسب.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك