ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

أشبال الشياح طاروا كالعصافير على تخوم الجليل

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

ثلاثة وعشرون شبلاً أخذهم الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة (1946 ـــ 2021) إلى معسكر للفدائيين في جنوب لبنان عام 1976، من الشياح في قلب ضاحية بيروت الجنوبية، التي كان فيها صاحب «جفرا» مقاتلاً ومسؤولاً عن العمل العسكري والثقافي لمحور مارون مسك

محمد ناصر الدين
محمد ناصر الدين
السبت 20 أيلول 2025
أيمن بعلبكي ـ  «من دون عنوان» (أكريليك على قماش ـ 200 × 150 سم ـ 2008)
أيمن بعلبكي ـ «من دون عنوان» (أكريليك على قماش ـ 200 × 150 سم ـ 2008)
الخط

ثلاثة وعشرون شبلاً أخذهم الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة (1946 ـــ 2021) إلى معسكر للفدائيين في جنوب لبنان عام 1976، من الشياح في قلب ضاحية بيروت الجنوبية، التي كان فيها صاحب «جفرا» مقاتلاً ومسؤولاً عن العمل العسكري والثقافي لمحور مارون مسك ــ كنيسة مارون مسك ــ روزالي حرب. لكنهم لم يكونوا أشبالاً فقط، بل كانوا ثواراً بالسليقة، لكأنهم خرجوا من بطون أمهاتهم ليمسكوا بالكلاشينكوف والسيمونوف ويصرخوا كما يقول أحدهم في المعسكر: «إذا تقدمت اتبعوني وإذا تراجعت اقتلوني وإذا استشهدت تابعوا المسيرة». لكأنّ فلسطين القريبة ــ البعيدة جذبتهم إليها في ذلك الزمان ليزهر ثمر ذلك العمل الفدائي المعسكرات في زمان أحفادهم. تناديهم فيجيبون، وينغرز سكين الموت في لحمها الحي، فيطحنون عظامهم ليكفكفوا دموعها، ويغطي حطام الأحفاد وأسلحتهم السفوح على تخومها. كتب الشاعر عز الدين المناصرة مذكرات ذلك المعسكر بكل رمزيته وطرائفه والتفاعل الإنساني المحض بين المدربين وأرواح وأجساد الأشبال المتعطشين للثورة في كتاب نادر من ذلك الزمن المخملي («عشاق الرمل والمتاريس»، منظمة التحرير الفلسطينية- منشورات فلسطين الثورة -1976). نستعيد تلك الذكريات في «كلمات» مع أشبال الشياح الذين صاروا يطيرون كالعصافير على تخوم الجليل

تحضيرات للمعسكر

ذهبت أنا و«شاستري» للحصول على بدلات عسكرية وتمّ ذلك، وكم كانوا فرحين وهم معي في أحد المحلات يلبسون أحذيتهم العسكرية. كنت قد ذهبت أنا و«شاستري» إلى قيادة القطاع الأوسط لنتفق على موعد الدورة وتجهيزاتها من مدربين وخيام وطعام، وتمَّ ذلك.

لم يكن الأمر سهلاً، فمسؤولية الأطفال أصعب بمئات المرات من الكبار. خرجت عائلات الحي قرب مقر قيادة منطقة الشياح.

اللاند العسكري يقف أمام المقر. الأشبال في طابور أمام المقر. يصعدون بالترتيب إلى ظهر اللاند العسكري. أصعد اللاند إلى جانب السائق ومعي الأشبال وورقة موقّعة من «القيادة العامة لقوات العاصفة - قيادة منطقة بيروت» - التاريخ: 24-07-1976-«إنّ الأشبال المذكورين أدناه هم في مهمة عسكرية إلى منطقة صور، يرجى تسهيل مهمّتهم وعدم معارضتهم».

كانوا ثلاثة وعشرين شبلاً يُضاف إليهم بعض الأشبال من مناطق الجنوب.
في الطريق، لا بد من إيقاف اللاند العسكري مرات عدة لتنبيههم إلى خطر وضع أرجلهم على الحافة أو لمنعهم من الشجار أو لأصعد إليهم أعلّمهم أغنية جديدة مثل:
«طلعت كل المدارس
عيني ع الثانوية
احنا أشبال الشياح
بنضرب ع الخمسمية
ولما بننزل ع الساحة
بيقدموا لنا التحية».

البيت الأول سمعته من أحد المقاتلين في قطاع الجليل وأكملت الباقي من عندي، ففرح الأشبال للأغنية الجديدة. وعندما نصل إلى مدينة صور، يشيرون بأصابعهم إشارة النصر فتحييهم الجماهير بفرح. ويمسك «أبو ربيع» الشبل المشاغب بحافة اللاند وأنا أجلس قرب السائق لينزل رأسه نحوي:
«يا أخ عز الدين. يا الله ما أحلى البنت. شوف».

عصافير الذُرة

نصل إلى قاعدة عسكرية لنا في القرية، فيستقبلنا مسؤول القاعدة وبعض المقاتلين بالترحيب. نجلس مع الأشبال في القاعدة. «ها نحن وصلنا»، قلت لهم. «هل سنتدرب هنا؟» قالوا لي.

أجبتهم: «طبعاً، فبعد أن نستريح سنواصل السير مشياً على الأقدام إلى أشجار الزيتون في الوادي. هناك سيكون معسكرنا. حسناً الآن لا بد من مساعدة المقاتلين لحمل البطانيات التي ستنامون عليها إلى سيارة عسكرية أخرى لإيصالها للمعسكر. كان الشبل «ثائر» -المنظِّر الأيديولوجي للمعسكر قصيراً، يحاول حمل البطانيات ولا يستطيع، ويضحك الأشبال الآخرون، فقد كان «ثائر» أصغرهم حجماً.

في عصر ذلك اليوم، قمنا بتنظيف المعسكر من الحجارة بين أشجار الزيتون. وعصر ذلك اليوم وبعد أن تناولنا الطعام مع «أبو يوسف» و«أبو مارون»، ذهبت إلى القرية لاستكمال تجهيزات المعسكر. أعود فأجد صاحب حقل الذرة يشكو الأشبال لأنهم انتشروا كالعصافير يقطفون أكواز الذرة. «حسناً لن يعيدوها!».

جمعتهم وألقيت بعض المواعظ وبعض اللوم: «شو... بلّشنا من اليوم في الفوضى؟». سكتوا جميعاً وهم يشعرون بالذنب هنا نطق المنظِّر الأيديولوجي «ثائر»: «يا أخ عز الدين... الشباب زهقوا... مفيش لا رصاص ولا قذائف هون، فأرادوا عمل مشكلة».

ثوّار بالسليقة

كانت مجموعة من أشبال الجنوب مع أشبال الشياح. وهنا بدأ الشغب والانقسام: مجموعة من أشبالي أسمت نفسها «خَرطِش وقَوّص» ومجموعة أسمت نفسها مجموعة «الجحفل الرابع» ومجموعة ثالثة هي «قوم لأنام مطرحك».

ومنعَت المجموعات الثلاث العضوية عن أشبال الجنوب. فرحت في داخلي أنهم أصبحوا أشجاراً. ولكن كان لا بد من أن أعاقبهم. زارهم نائب قائد القطاع الأوسط ليحاورهم، فيظل أبو ربيع تحت شجرة الزيتون ويرفض الاصطفاف. «انهض» قال له. ولكن أبو ربيع منسجم مع ذاته، فهو مسرور جداً في حرّ الصيف وهو يدلق تنكة الماء فوق رأسه.

عاد لي القائد ليخبرني: أن أشبالك «زعران». وحكى القصة:
أمّا أبو ربيع الذي ناديته للتحقيق، فأنكر ذلك وحكى لي بفخر كيف أراد أن يأخذ زاوية هو و«نضال» ويبطحان القائد.

عاقبته بأن ينقل ثلاث نقلات من الماء من عين الماء في سفح الجبل من دون الاستعانة ببغل المعسكر. لكني اكتشفت بعد ذلك أن هذا العقاب هو الأمنية الوحيدة لكل شبل من الأشبال، ألا وهي نقل الماء من العين لأنهم يدلقون الماء على رؤوسهم في حر الصيف ويسمونه حمّاماً. كان عطر الصنوبر الذي يحيط ببساتين الإقطاعيين في الجنوب يفرحني ويحزنني، وكما أفرح وأحزن لعطر الصنوبر كذلك يفرح الأطفال للّعب بماء العين.

أغراض الزيتون

عصراً - تمرّدت مجموعة «خرطش وقوّص» ووصلت إلى القرية في فرصة الغداء من دون علمي ووجدتهم يتمخترون في القرية. عندما رأوني، فوجئوا بي. اشتريت لهم البوظة والبطيخ والبذورات وقلت لهم «ترجعون فوراً إلى المعسكر».

وهبطت إلى المعسكر لأنبّه «أبو يوسف» بمنع أي شبل من الذهاب إلى القرية. قلت لهم: «من أراد منكم أي شيء من القرية سأشتريه له بنفسي». ومنعاً للتمايز المادي بينهم، جمعت وصادرت منهم كل نقودهم، ولكي أشعرهم أنني أشتري لهم من نقودهم. ثم أعدت لهم كل نقودهم في اليوم الأخير.

في الليل، صعدت إلى القرية نحو القاعدة لنرسل برقية على الجهاز إلى «شاستري» بوصول الأشبال سالمين. كان نصها «وصلت الأغراض إلى الزيتون كاملة». كانت كلاب القرية ودجاجها مستنفرةً، فتذكّرت قريتي في فلسطين.

عندما يزورنا ضيف، كان أبو ربيع يرفع شارة النصر بإصبعيه التي قُطع نصف أحدهما. فيضحك الأشبال الآخرون. نضال يصطاد أفعى ويحملها حيّة ليخيف بها الأشبال الآخرين.
وينتهي يومنا الأول على خير.

من منكم سيذهب إلى الريحان؟

قال أبو نضال للأشبال: «لقد استشهد خالد أنور في معركة الريحان. سنقطع الدورة لنذهب إلى القتال، في محور الريحان – جزين، فمن أراد أن يذهب فليرفع إصبعه». ضجّوا وهم يرفعون أصابعهم وهجموا عليّ لأتوسط لهم لدى أبو نضال ليرسلهم. باستثناء الخمسة البررة مجموعة «خرطش وقوّص» الذين وشوشوني: «أبو نضال يمزح معنا».

تحت إيدك وحدة حلوه

في مطعم صغير في القرية، ذهبت مع خمسة من الأشبال لتناول الطعام في فرصة الغداء. وكل يوم يذهب خمسة جدد معي إلى القرية. نجلس في انتظار الطعام. شيخ عجوز في السبعين من عمره يجلس إلى طاولة أخرى _ كفيف تقريباً، يطلب من صاحب المطعم أن يقدم له طعاماً بليرة واحدة فقط، ويضيف «شرط أن أشبع».

يتأفف صاحب المطعم. يدخل رجل آخر يسلّم على الرجل العجوز. يقول له سمعنا أن زوجتك أم فلان قد ماتت. يقول العجوز بكل جدية: «تحت إيدك وحدة حلوه مستورة نتجوزها؟» ويستمر الحوار.
الشبل أبو ربيع يعلّق: «ابن ال... نفسُه خضرا».

التشكيلات والدورية

اليوم هو درس «التشكيلات والدورية». المدرب ماجد حيمور وأنا نتوجه معهم نحو الجبل المقابل، حيث الصخور والعوسج والشوك. فبعد الدرس النظري نأتي إلى التطبيق.

«يقتطع كل واحد منكم أغصاناً من شجيرات السماق التي في مجرى النهر للتمويه. تتقدم المجموعة الأولى إلى تلك الشجرة سأخبرهم أين سيختبئون. مجموعات الإسناد تظل إحداها هنا في مجرى النهر، الأخرى تتقدم إلى الأمام. حاذروا من إيذاء حقل الذرة. مفهوم؟»
— صاحوا: نعم مفهوم.

تسلقوا الجبل كالشياطين، حتى لم نعد نرى أحداً منهم. تسلقت الجبل واتجهت مع المجموعة التي ستنطلق نحو الهدف في الجبل المقابل، ولا بد أن تقفز فوق سلاسل الحيطان بين العوسج الذي يصر على استضافتك بالقوة. المدرب ماجد حيمور يذهب مع مجموعة أخرى.

كان عرَقُهم يزرب من الركض: «يجب أن تحنو ظهوركم فالعدو سيَراكم». كان الهدف هو بئر صيفية في حقل عنب في الجبل المقابل. تقابلت المجموعتان عند البئر. جلسنا جميعاً حول البئر أنا وماجد وهم. «الآن سنشرب»، بحثنا فوجدنا علبة اقتربت من الصدأ ربطنا أحزمتنا بها بدلاً من الحبل وشربوا بالترتيب. ينسل أبو ربيع وعصابته يقطفون العنب من الحقل.

- «ممنوع»: أصرخ بهم. أرمي بقطوف العنب بعيداً. «نعود الآن كالوضع السابق»، قال ماجد. عادوا جميعاً نحو المعسكر. كان أبو نضال ينتظرهم ليلقي درساً في البوصلة.

قارئة التعزية

نام أطفالي بعدما شبعوا شجاراً من التعب الذي لاقوه في يومهم، فهم يتلقون التدريب من السادسة صباحاً حتى السابعة مساءً من دون انقطاع باستثناء فرصة الغداء. بعدما ناموا وتشكّلت فرقة الحراسة الليلية منهم بإشراف عمنا «أبو يوسف»، انسللت نحو القرية. مررت تحت نافذة أحد البيوت لأسمع صوتاً حنوناً.

إنه ليس صوت الراديو أو التلفزيون. إنه صوت قارئة التعزية بعدما سألت أحد المقاتلين «هكذا يغنون للشهيد؟». كان قلبي يوشك أن يقفز لمشاهدتها.

نضال والحب

اليوم احتالَ عليّ الشبل نضال لكي يخرج معي إلى القرية، فأخذته معي. قلت له: لنذهب إلى قاعدتنا نشرب الشاي لكنه أصرّ أن أحوم به وأفرّجه على شوارع القرية ودكاكينها. إنه يشتهي «البوظة والبزر وحليب النستلة».

- انت تأمر يا نضال.

وذهبنا إلى دكانة قريب صاحبتها سيدة كبيرة وطفلة في سن أشبالي تبيعان الزبائن. نظر نضال إلى البنت الصغيرة نظرة دنجوانية ووشوشني:«حلوه...».

كظمت ضحكتي. البنت الصغيرة بادلته نفس النظرة واستمرا في الحوار وأنا أقف في باب البقالة أنتظر أن ينتهي نضال من غزَله. في كل يوم، يرجوني نضال أن آخذه، واعتبرَ الأمر سرّاً بيني وبينه لكيلا يعرف الأشبال الآخرون. لكن «تشي»، الشبل الذكي يكتشف الأمر، فينافس نضال على حبه. أما أنا فأصبّ الزيت على النار. يوم الرحيل ودّعها الشبلان في حزن حقيقي. وفي الباص كانا قريبين من بعضهما البعض.
وحزنت لحزنهما.

انتشار ضد طائرات العدو

«لننتشر الآن». قال المدرب، وانتشَروا. «لننتشر مرة أخرى». انتشروا. «لننتشر مرة ثالثة»: انتشروا. لكنّ أبا ربيع وقد بدا عليه السأم قال للمدرب: «المرة الرابعة لن أنتشر، لأن هذا تفنيص» وعندما تأتي طائرات العدو، فنحن سننتشر من دون أن تقول لنا».

«تشي» و«ثائر» المنظّران الأيديولوجيان للمعسكر

كثير الحركة، يمزح كثيراً، صغير الحجم، إنّه الشبل ع. ح و«ثائر» اسمه الحركي. كان الأشبال يحملونه ويخبطونه في الأرض بحبٍّ طبعاً. هو الوحيد الذي يسألني بشكل مُلِح عن الوضع السياسي والعسكري. أمّا الآخرون، فيحنّون للشياح ويسألونني عن أخبارها.

اقرأ لهم بعض الأخبار من جرائد: «النداء»، «السفير»، «المحرر»، وهي الجرائد الوطنية التي أسهمت خلال الحرب في التعبئة الجماهيرية. أمّا «فلسطين الثورة»، فهي المجلة الرئيسية التي يقرؤونها. وذات مرة، جئت بالعدد الجديد من «شؤون فلسطينية» فقالوا لي إنها صعبة جداً. واتفقنا ضاحكين معهم. لقد جلبتها فقط للمنظرين الأيديولوجيين: «ثائر» و«تشي».

فإذا ما زارنا بعض الضيوف العسكريين أو من أهل القرية أو من صحف المقاومة، انبرى ثائر للدفاع عن الحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية، مستعملاً ألفاظاً ثورية تتجاوز عمره بكثير. أمّا منظرنا الثاني، فهو الشبل تشي، وهو متخصص في الحديث عن الصراع الطبقي والديالكتيك.

كان «تشي» طفلاً رائعاً في ألمعيته. كان هادئاً جداً، فقمت باستفزازه ليلعب مع الآخرين، وجاءت الثمار في اليوم الأخير من المعسكر فقط. كنت مسروراً وهو يستفز الآخرين. ذات مرّة زارنا احمد حماد زميلنا في «فلسطين الثورة»، فكتب عن «تشي» في المجلة ما يأتي:
«أمّا الشبل «تشي» الذي لا يتجاوز عمره ثلاثة عشر عاماً من كفرشوبا، فيحدثك بلهجة الكبار.

فعندما سألته عن طموحاته في المستقبل، قال إنّ من الخطأ الآن استعمال كلمة طموح لأنها تعبير برجوازي، ويحمل فكرة برجوازية للمستقبل وطبعاً صمتُّ، وتصورت أن الآخرين لا يصدقون أن هذا حديث شبل من كفرشوبا الباسلة يعرف ماذا عملت البرجوازية في الجنوب اللبناني الباسل.

وأكمل… حضرت من الشياح إلى هنا لأتعلم النضال وهنا أيضاً اعتبره نضالاً، أثناء التدريب أقوم بواجبي، وأرى أنه كلما تفهّمنا الدروس واستوعبناها، يمكننا تحقيق الأهداف التي نناضل من أجلها. وأضاف: يقولون إننا أشبال اليوم ومقاتلو الغد، لكن نؤكد أننا أشبال اليوم ومقاتلو اليوم ومحرّرو الغد».
وعن سؤال حول الالتحام بين الحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية، قال: لا أريد أن أتحدث كثيراً وأقول إنّ أعداءنا يريدون التصرف معنا كقصة الأسد والثيران الثلاثة. ولهذا نقول إنّه ما دمنا يداً واحدة، فلن تستطيع أي قوة في الأرض أن تهزمنا».

أمّا ثائر، وعمره 13 عاماً فقط، فقال: «حضرت هنا لأنّ أخي قال مرة وهو يحمل سلاحه في الشياح: إذا تقدمت اتبعوني، وإذا تراجعت اقتلوني وإذا استشهدت تابعوا المسيرة. ولهذا أنا هنا لأتبع أخي».

آكل السحالي

يسمع الأشبال عن المقاتلين الأشاوس الذين يأكلون الأفاعي والسحالي والضفادع إذا لم يجدوا ما يأكلونه وهم في طريقهم إلى الأرض المحتلة. يصطاد «نضال» أفعى ويصرّ على شويها فأمنعه. أثناء غيابي في القرية، كان «ثائر» قد أمسك بثلاث سحال وقضمها بشهية متحدياً الأشبال. وعندما هبطت إلى المعسكر، باغتني هؤلاء بصوت واحد: «بص... شوف... ثائر بيعمل إيه». وغنى أحدهم: «ثائر أكل سحلية... كرمال الفدائية». وشرح الآخر كيف «قرَش» ثائر رأس السحالي. ناديته ولم أكن أملك سوى الضحك، فأخذته في حضني: «ولك يا أزعر لا تعيدها».

شبابة أبو مارون وكاسترو

الطاهي في المعسكر، الختيار «أبو مارون» هو حبيب الأشبال، ليس لاعتبارات تتعلق بتوزيع حصص الطعام، بل لشبّابته «صاحبة الصوت الحنون».

عند السابعة مساء، ينتهي التدريب، وتشرع اللجنة التموينية في تقديم الطعام، ومن بعدها يتحلق الأشبال حول أبي مارون، ويغنون له من قبيل التحايل:

«أبو مارون حبيبنا... شعلة تضوي طريقنا».
يكررونها مراراً وتكراراً. أما إذا كنت قادماً من القرية حاملاً علب الحليب والبوظة والبذورات، فتتحول الأغنية من أبو مارون حبيبنا إلى عز الدين.

ذات يوم، حوّروا الأغنية ليضطهدوا أكبرهم، وهو الشبل ع. شمص، وإذ باللحن الشعبي المعروف: «عريسِنا عنتر عبس... عنتر عبس حبيبِنا» يتحول إلى: «ع. شمص حبيبِنا... جدّو بخوف وِلادِنا». وكان ع. يحكي لهم عن جده الذي يخيف الأطفال. ولما بلغ السيل الزبى، أتى إليّ وقد ضاق صدره بهم. صار اسمه «كاسترو».

عادوا يطيرون كالعصافير

كنت قد حصلت على ثلاثين طلقة من صديقي السائق في مجلة «فلسطين الثورة» الذي جاء لزيارتنا. اخترت ثلاثة من الأشبال ممّن تميزوا في الدرس النظري. وصلنا إلى الوادي وأمامنا جبل صخريّ. تسلقنا الكثبان، ونصبنا شارة في سفح الجبل المقابل. رفعوا منسوب التحدي لبعضهم البعض ولي بشكل خاص. سأعترف: في ذلك اليوم: فشلتُ في هزيمتهم. عادوا يطيرون كالعصافير.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك