هواجس أدبية
اشتقت فعلاً إلى أن أكتب. لم أكتب منذ سنوات، وربما لم أكتب شيئاً من قبل. لا أصدق أني كنت شاعراً، ولا أصدق أني كنت أعتلي ما تيسر من المنصات لألقي قصائدي على الجمهور. ياااااااه.


اشتقت فعلاً إلى أن أكتب. لم أكتب منذ سنوات، وربما لم أكتب شيئاً من قبل. لا أصدق أني كنت شاعراً، ولا أصدق أني كنت أعتلي ما تيسر من المنصات لألقي قصائدي على الجمهور. ياااااااه.
لا أعرف إن كنت سأستأنف الشعر مجدداً، بتلك الروح القديمة والساذجة والتلقائية والمندهشة على مر الساعات. روحي منذ أكثر من ثلاث سنوات وهي تتخبط كما لو كانت ديكاً مذبوحاً بسكين لم تُشْحَذْ بالشكل الذي يجعل الذبح بسلاسة تمرير سكين على الزبدة.
تغيرت نظرتي ولم أعد أندهش إلا لماماً. في البدء، كانت النظرة لا الكلمة. الكلمة تلت النظرة. تغير سلوكي. مثلاً، أصبحت من المعجبين بهاري ماغواير وأصبحت أقضي الوقت مع بائعي الثياب المستعملة باحثاً عما يسدّ ذوق الشاب العشريني القديم الذي كنت، والذي توقّف فجأة عن الحلم، وصار عربيداً لسنوات قبل أن يبصق طائر الشعر على رأسه. يااااه.
أنا في الخمسين من العمر، ولم أحضر بعد كلمتي التي سأقولها لشجرة الخروب في مدرستي بخصوص هذا الأمر. أنا فعلاً في ورطة. إنه لشيء مضحك جداً أن أبلغ الخمسين، وإنه لمن دواعي سروري أن أتجه صوب الستين، منتعلاً حذاء رياضياً، ومرتدياً سروال ديزِل إيطالي، يعلوه قميص مخطط، يطل من ياقته وجه حصان.
■ ■ ■
أحاول أن أكتب من الغرفة التي استيقظ فيها غريغور سامسا فوجد نفسه فيها متحولاً إلى صرصور. أنا أيضاً أستيقظ كل يوم لأجد نفسي صرصوراً، لكني بعكس غريغور، لا أرتعد خوفاً ولا أفكر في ما سيقوله الناس عني وأنا أجوب الشوارع بأطرافي المتعددة وأجنحتي البنية، وقرون استشعاري. أحب قرون استشعاري كثيراً وبها أعرف معادن الناس.
أتحدث في الهاتف مع أختي عن تحوّلي إلى صرصور، فيزول قلقها حين أؤكد لها أني مرتاح جداً لكوني كذلك، فأنا لا أغادر غرفة روحي أبداً، وأنام تحت مشاعري، وأحياناً بين الذكريات. كان كافكا على حق، حين من الصفحة الأولى، وصف المساحة الصغيرة جداً، التي يسمح بها العالم لمن يريد أن يحيا فقط دون أن يعيش.
■ ■ ■
معطف غوغول، سروال ماياكوفسكي، ثمة سروال آخر وكان سروالاً سكرانَ دائماً وطبعاً كان لبوكوفسكي. قبّعة لوركا المؤلمة. ثمة فستان نائم كتب عنه شاعر روسي معاصر نسيت اسمه. هناك أيضاً المعطف الذي أنقذه ديريك والكوت في قصيدة. لا شك أن ثمة ثياباً أخرى في قصائد كثيرة. هذا ما يدور في رأسي في هذه اللحظات.
■ ■ ■
بينما كان يتحدث إلي، من دون أن يكون في الحقيقة يتحدث إلي، كان يرفع عينيه نحو أي امرأة عابرة، وكانت نظرته من أغبى ما رأيت. كان يتحدث فيما أنا أقول:
— تبّاً لي، لِمَ أورّط نفسي في سماع رجل على عتبة لا شيء. كنت أستمع إليه، من دون أن أستمع إليه أنا أيضاً وكنت أتذكر مقولة لاو تسو:
Ce qui parle ne sait pas. Ce qui sait ne parle pas.
كان الرجل يتحدث عن الآخر وكان أمامي آخر تماماً، غير مدرك لخطورة أن يحكي بهذا الغباء عن نفسه أمام شاعر، روحه، لكثرة ما ضاعت، صارت ضليعة في فهم ما يضيع من الكلمات وما لا يضيع. تباً، لمَ أورط نفسي في مثل هذه المواقف.
لمَ لا أمر وأسكت. لم لا أسكت من دون أن أمر. لقد تعبت من الإصغاء إلى هذه الكلمات التي لا تفضي بي إلى الشعر. أنا أريد أكثر من ذلك. أريد سرب طيور بيضاء، أريد اختراعاً آخر للعزلة، أريد انتظاراً رائعاً للبرابرة وأريد أن تكون شهيَّة خسارة كل شيء. وأريد أن أنام أيضاً.
■ ■ ■
«المطر يسقط. يا أصدقائي، المطر يسقط». بهذه البساطة والبراءة كتب رسول حمزاتوف عن سقوط المطر. هو يخبر أصدقاءه بهذا السحر الذي يحدث. يا لعيني الشاعر. لم يحتج حمزاتوف لكثير من الكلمات ولم يحتج إلى تشبيه أو استعارة ولم يحتج إلى أن يظهر في قصيدته، معلناً أنه الشاعر البطل أو المأساوي أو الرجل الذي سيرفع الأرض على كتفيه. لا لا. كان الأمر بريئاً جداً. فهو شاعر عظيم.
نقل المطر ببساطة إلى الورقة، وحين قرأت قصيدته، تبلّل شعري بحباته وكذلك ثيابي. مطر حمزاتوف حقيقي ودائماً ما لجأت إليه كلما طال جفاف السماء. أحب هذا النوع من الشعر.
ثمة شيء آخر، حمزاتوف يخبر أصدقاءه. هل كانوا قربه يتبللون من دون أن يروا المطر؟ هل كانوا يتحدثون عن أشياء أخرى مهملين سحر سقوط المطر؟ هل كانوا بعيدين منه، فما كان منه إلا أن أرسل إليهم هذا الخبر الشعري العاجل للتواصل مع أرواحهم. هل كان أصدقاء الشاعر شعراء أيضاً؟ المطر، الصداقة والطفولة والنظرة الحالمة للحياة... يا سلام. المطر يسقط. يا أصدقائي. المطر يسقط.
* آسفي/ المغرب
