
في عالم يقدّس الشهرة ويتبارى كثيرون في الحفاظ على مصالحهم، تبرز المغنية البريطانية دوا ليبا كصوت شجاع لا يخشى في الحق لومة لائم. بروح فنية ملتزمة وضمير إنساني حي، ترفض هذه الفنانة العالمية الصمت تجاه ما تتعرض له فلسطين من جرائم، مفضلةً القيم الإنسانية على حسابات النجومية والمصلحة.
من كوسوفو إلى فلسطين: جذور الوعي والإحساس بالإنسان
لا تنبع مواقف دوا ليبا من فراغ، بل هي ثمرة تجربة شخصية عميقة. فالمغنية ذات الأصول الألبانية من كوسوفو تحمل في ذاكرتها العائلية مآلات الحرب والتهجير، حيث اضطر والداها إلى الرحيل من كوسوفو إلى بريطانيا هرباً من ويلات الصراع. هذه الخلفية جعلتها تشعر بقرب شديد من معاناة الفلسطينيين، حيث قالت في إحدى مقابلاتها: «أحس بالناس الذين يضطرون إلى مغادرة منازلهم. ومن تجربتي في كوسوفو وفهمي لما تفعله الحرب، لا أحد يريد مغادرة وطنه».
لقد شكلت قصص والديها عن الهروب تحت القصف وما صاحبها من تهديد بالموت مرجعيةً أخلاقية جعلتها ترى في المأساة الفلسطينية صدىً لمأساة عائلتها. هذا الإحساس بالإنسان المستضعف هو ما دفعها لتعلن أن وقوفها مع فلسطين هو موقف دائم وليس مجرد موضة عابرة أو تصريح إعلامي مؤقت.
مسيرة التضامن: من الكلمة إلى الفعل
لم تكن مواقف دوا ليبا مجرد شعارات براقة، بل تجسدت في سلسلة من الخطوات العملية الجريئة:
· المناصرة العلنية: كانت دوا ليبا في طليعة النجوم الذين وقّعوا رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأميركي جو بايدن في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، مطالبين بوقف الحرب الإسرائيلية على غزة. كما استخدمت منصتها على إنستغرام بمتابعيها البالغ عددهم 88 مليوناً للحديث عن الإبادة الجماعية الإسرائيلية، ناشرةً صوراً لمجموعة «فنانون من أجل وقف إطلاق النار» وداعيةً متابعيها إلى «إظهار التضامن مع غزة» في مواجهة جريمة الإبادة الإسرائيلية.
· المواقف الحاسمة: في خطوة تدلّ على إيمان راسخ بمبادئها، اتخذت دوا ليبا قراراً جريئاً في أيلول (سبتمبر) بفصل وكيل أعمالها ديفيد ليفي بعد توقيعه على رسالة تهدف إلى منع الفرقة الموسيقية المؤيدة لفلسطين «نيكاب» من الغناء في «مهرجان غلاستونبري». وقد علّق مصدر في صناعة الموسيقى على القرار قائلاً «إنها تعتبره مؤيداً لحرب إسرائيل في غزة، وللمعاملة البشعة التي يتعرض لها الفلسطينيون». هذه الخطوة تجسيد عملي لاستعدادها لتقديم التضحيات المهنية في سبيل قناعاتها.
فنانة بريطانية تناصر قضية عربية، بينما يصمت كثير من الفنانين العرب
· رفض الصمت السياسي: على عكس الصورة النمطية لمغني البوب الذين يتجنبون الخوض في السياسة، تؤكد دوا ليبا على أهمية النضال السياسي. وتقول في هذا الصدد: «معظم الناس يفضلون ألا يتحدث نجوم البوب في السياسة، إلا أنني أشعر بالحاجة إلى الحديث. ليس تحدياً لهذه الفكرة فقط، ولكن بسبب الأزمة الإنسانية والمجازر التي نشهدها».
الشجاعة في مواجهة التبعات: فلسطين أكبر من كل شيء
ما يميز دوا ليبا ليس فقط مواقفها المؤيدة لفلسطين، بل شجاعتها النادرة في تحمل تبعات هذه المواقف. فهي تدرك جيداً أنها قد تتعرض لحملات تضييق أو حتى وضع اسمها على «القوائم السوداء»، إلا أن إيمانها بعدالة القضية يجعلها تتخطى كل هذه المخاوف.
لقد صرحت بكل وضوح: «إنني مستعدة لتحمّل كل ردود الأفعال التي ستصلني بسبب دعمي فلسطين، ولا يهمني إذا تعرضت للمضايقة أو إذا وضعت على القائمة السوداء، أو حُرمت من فرص عمل، وما يحدث في فلسطين أكبر من كل ذلك». هذا التصريح يعكس مستوى نادراً من الشجاعة الأخلاقية، بخاصة في وسط فني يطغى عليه عادة منطق المصالح والعلاقات العامة.
نقد صامت للمشهد العربي: بطولة تتجاوز الجغرافيا
عندما تقف فنانة بريطانية بهذه القوة إلى جانب قضية عربية، بينما يصمت كثير من الفنانين العرب أو يتحركون بحذر شديد، فإنّ موقفها يحمل رسالة ضمنية قوية. إنّها تذكرنا بأن الانتماء للإنسان والقيم العدالة لا يعترف بالحدود الجغرافية أو الثقافية.
بطولة دوا ليبا تكمن في أنها ترفض أن يكون فنها منفصلاً عن إنسانيتها، وتصرّ على أن تكون نجمةً مختلفة، لا تُكرّس نفسها فقط للغناء والترفيه، بل تكون صوتاً للحقيقة والكرامة الإنسانية. إنها بمواقفها هذه تضع مرآة أمام ضمير عدد من المشاهير العرب، وتثبت أنّ الشجاعة ليست مرتبطة بالجنسية أو العرق، بل هي اختيار أخلاقي يُتخذ أمام محك الضمير والإنسانية.
الفن عندما يرفض أن يكون مجرد تسلية
دوا ليبا ليست مجرد مغنية ذات صوت جميل وأغنيات تتصدر القوائم العالمية، بل هي ظاهرة إنسانية فريدة في عالم الفن المعاصر. هي تثبت أنه عندما يجتمع الفن مع الضمير الإنساني، يمكن أن يصبح قوة قادرة على تغيير الواقع. من خلال تحويل ذاكرتها العائلية إلى صوت داعٍ لوقف الإبادة الإسرائيلية والتضامن مع الشعب الفلسطيني، فإنها تمنح النجومية معنى أعمق: مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسانية.
في زمن أصبحت فيه المواقف الواضحة سلعة نادرة، تقدم دوا ليبا نموذجاً مشرقاً للفنان العالمي الذي يرفض أن يكون مجرد أداة للتسلية، ويصرّ على أن يكون ضميراً حياً ينبض بالعدالة والإحساس بالإنسان أينما كان. هي تذكرنا بأنّ النجومية الحقيقية ليست في عدد الجوائز أو المتابعين، بل في القدرة على الوقوف إلى جانب الإنسان المظلوم عندما يكون الصعب هو الأصوب.

