شهداء المقاومة... صور تخلِّد السردية في الذاكرة الجماعية
منذ انطلاق معركة «طوفان الأقصى» في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تحوّلت صور الشهداء إلى ملصقات بصرية تعكس العلاقة بين التصوير والموت.


منذ انطلاق معركة «طوفان الأقصى» في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تحوّلت صور الشهداء إلى ملصقات بصرية تعكس العلاقة بين التصوير والموت. هنا تتجاوز البورتريهات الفردية لتصبح رموزاً جماعية تُخلّد الشهادة، وتبني سرديةً سياسيةً وعقائدية موحّدة
لهوية «حزب الله» على «طريق القدس»
منذ بداية معركة «طوفان الأقصى» وارتقاء الشهداء اللبنانيّين في المعركة في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وهم الشهيد علي حدرج (فداء)، والشهيد حسام إبراهيم (حسام عيترون)، والشهيد علي فتوني (حيدر)، بدأنا نرى صوراً للمقاتلين التُقطت أثناء استعدادهم للمعركة في الغابات والأحراج، حاملين أسلحتهم، وناظرين إلى الكاميرا بابتسامات مليئة بالأمل، والوداع، والحزن، والخجل، والكثير من الصمت.
العلاقة بين التصوير والموت
لا نعلم إن كانت هذه الصور التُقطت كبورتريهات شخصية، أو كجزء من وصية، أم أنّ هناك اتفاقاً ضمنياً أو صريحاً على أن تُستخدم هذه الصور كملصق لإحياء ذكرى الاستشهاد.
مع ذلك، فإنها تنقل مشاعر كثيرة من الحب والوداع، ولا يمكننا، بأي حال من الأحوال، أن نحكم عليها بأنّها مجرد صور فوتوغرافية. وهذا يقودنا إلى العلاقة بين التصوير والموت.
تمثل الصورة الفوتوغرافية مفهوم «ما كان»، إذ تلتقط لحظة كانت موجودة ذات يوم، ولكنها باتت الآن في الماضي. إنّ «الوخزة» العاطفية التي تقدمها الصورة الفوتوغرافية تتضمن غالباً اعترافاً ضمنياً بالموت. تخلّد الصور الفوتوغرافية لحظة ماضية، مع تسليط الضوء على هشاشة الحياة وطابعها المحدود. وهو ذلك التفصيل غير المتوقّع في الصورة الذي يثقب المشاهد، ويخلق اتصالاً عاطفياً عميقاً، غالباً ما يكون مرتبطاً بشكل خفي بحتمية الفناء.
بداية حياة جديدة
في سياق ملصقات الشهداء، لا تمثل هذه الصورة النهاية، بل بداية حياة جديدة. ففي هذه الملصقات، ينتقل الشخص من كونه معروفاً كصديق، أو أب، أو زوج، أو ابن إلى الخلود بصفته شهيداً. تعكس هذه الملصقات تعقيد الصورة الفوتوغرافية بوصفها جسراً بين «الأمس واليوم». يرمز هذا التحول إلى بداية هوية جديدة، يتم التقاطها أولاً في ملصق الاستشهاد.
وكما في صورة التخرج، يخدم ملصق الاستشهاد كصورة محورية، تعلن الانتقال إلى مرتبة الشهادة، ليصبح الأول في سلسلة، إذ تستمر جميع الصور اللاحقة في إحياء إرث الشهيد، وتستحيل نتاجاً ثقافياً بصرياً مشاركاً في صياغة السرد البصري للصراع.
شارك «الإعلام الحربي» لـ «حزب الله» 445 ملصقاً على منصته على «تلغرام» بين 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 و30 أيلول (سبتمبر) 2024.
يخضع الملصق
لآلية أيديولوجية وسياسية منظمة لتقديم هذه الصور بما يخدم رواية المقاومة
توقف «الإعلام الحربي» عن إصدار ملصقات جديدة بعد استشهاد السيد حسن نصر الله، الذي لم يكن له ملصق بهذا الطابع. كان آخر ملصق رسمي بهذا التصميم للشيخ نبيل قاووق، نُشر في 30 أيلول (سبتمبر) 2024. تجسّد الملصقات أسلوباً بصرياً متميزاً لا يقتصر على تكريم الشهداء فقط، بل ينقل أيضاً السرديات العقائدية والسياسية المركزية لهوية «حزب الله»، مع شعور عميق بالوحدة والتنظيم.
على طريق القدس
في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وجّه الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصر الله رسالةً خطية إلى الوحدات والمؤسسات الإعلامية في الحزب، دعاها فيها إلى اعتماد تسمية الشهداء الذين ارتقوا من 7 تشرين الأول بـ«الشهداء على طريق القدس»، والإعلان عن ارتقاء أيّ شهيد جديد بـ «الشهيد على طريق القدس» في بيانات النعي أو مسيرات التشييع أو مناسبات الذكرى. وفي 30 تشرين الأول، تغيّر تصميم الملصق تماماً، كما رأينا في أول ملصق للشهيد منير يوسف عاشور (أبو زينب)، حيث ظهر أسلوب فني تم اعتماده منذ ذلك الحين.
«الشهيد السعيد» جزء من هذه الأرض والجغرافيا
بكثير من الخشوع وبخبرة متراكمة ومنظمة، تكوّن ملصق «حزب الله» الجديد من رموز محددة لم تتغير بين شهيد وآخر، حيث صورة الشهيد واسمه مسبوقاً بجملة «الشهيد المجاهد» أو «الشهيد القائد» واسمه الحركي. وإلى يسار الاسم، شعار «حزب الله»، وأعلى يسار الملصق شعار «الإعلام الحربي» ويمينه جملة «شهداء على طريق القدس».
تظهر ملامح الشهيد بوضوح، إذ استخدموا صورةً حزبية يكون فيها الشهيد بلباسه العسكري، وأحياناً بالسلاح الخفيف، وبالعادة هناك ابتسامة ساحرة فيها كمية هائلة من الجمال والشعور بالفخر والفوز وفيها تعبير مكثف لـ «الشهيد السعيد». أما خلف رأس الشهيد، فهناك ضوء يشعّ من الآية 23 من سورة الأحزاب: «مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ» مكتوبةً على كوفية فلسطينية.
ملامح الشهيد في الملصق واضحة صافية مرتاحة ومن دون أي تأثير من برامج التصميم. أما لون الخلفية، فيرتبط إلى حد ما بدرجات لون الزيتون، وهو يتمتع بطابع طبيعي وأرضي ومناسب للون المشرق وشعار «حزب الله». وهكذا يظهر الشهيد كأنّه جزء أصيل من هذه الجغرافيا والأرض. أما ما يغيب عن الملصقات فهو: تاريخ الاستشهاد الذي يعدّ مهماً من ناحية أرشيفية وبصرية.
أكبر وأصغر شهيد
وُلد محمد باقر بسام (خميني) عام 1989 في بلدة عيناتا في جنوب لبنان، وهو أحد الشهداء المفقودي الأثر. يقول في وصيته: «أهم شرط لنيل الشهادة، حتى قبل الصبر، هو الحب».
تضم مجموعة الملصقات وجوه رجال لبنانيين من أعمار وطبقات وخلفيات اجتماعية مختلفة يعبّرون عن مرحلة سياسية حرجة في تاريخ الشعب اللبناني وهويته، مع تركيز قوي على هوية حزبية ورؤية وطنية محددة ترى القدس جزءاً مركزياً من هذه الهوية (على طريق القدس).
إن الدور والعلاقات والمواقع والأدوار الاجتماعية التي كان يمتلكها هؤلاء الشهداء تصبح غير مرئية في هذه الصور، مؤكدة على أنّ صورته تحمل ذلك الجمال الهائل وخيبة الأمل معاً، ما يخلق قوةً رمزية تتجاوز الفرد لتمثل جماعة.
تخلّد الصور الفوتوغرافية
لحظة ماضية، مع تسليط الضوء على هشاشة الحياة وطابعها المحدود
وُلد رائف عبد النبي مليجي (ربيع) عام 1957 في بلدة الناقورة. وكان أكبر الشهداء سناً بين مقاتلي «حزب الله» واستُشهد في 10 أيار (مايو) 2024. أما عبد المنعم جمال عبد المنعم (ملاك)، فقد وُلد عام 2008 في بلدة عيترون، وكان أصغر الشهداء سناً، استُشهد في انفجار جهاز النداء الآلي (البيجر) في 17 أيلول (سبتمبر) 2024.
تاريخنا الأجمل
في كلمته بعد أسبوع من استشهاد حسام الطويل، يقول السيد حسن نصر الله: «التحدي مع قادتنا العسكريين والأمنيين يكمن في أنه خلال فترة حياتهم، لا يمكننا ذكر أسمائهم أو مناقشة سيرهم الذاتية. وبعد رحيلهم أو استشهادهم، ما زلنا لا نستطيع قول الكثير لأننا ما زلنا في خضم المعركة، والكثير من حياتهم ونضالاتهم وأفعالهم وإنجازاتهم يظل جزءاً من أسرار المقاومة».
الشهداء شُهود؛ يشهدون بلا كلمات، بل بالفعل ذاته كما يقول الشهيد المشتبك باسل الأعرج. فموتهم موقف اتخذوه ضد الظلم والاحتلال والإبادة الجماعية التي يتعرض لها أهل غزة.
تقف هذه الملصقات كرموز للجماعة، التي تطلق آمالها عليها وتستخدمها للحداد. غير أنّ الكتابة التقريرية المباشرة التي تمدح الملصقات، قد تقف حائرة أمام صورة الشهيد في حياة تلي استشهاده. فالملصق كأداة سرد جماعية، بقوته الرمزية، يخضع بالضرورة لآلية أيديولوجية وسياسية منظمة تقوم باختيار وتوحيد وتقديم هذه الصور بما يخدم رواية المقاومة، ما قد يُخفي تعقيدات التجربة الفردية للشهيد وراء واجهة رمزية موحدة.
وهذا لا ينتقص من قيمة الملصق، بل يُضيف بُعداً نقدياً لفهم كيفية عمل الذاكرة الجماعية والتمثيل البصري في سياق مقاومة العدو.




