تشيخوف العربي
مع احتفاء الأوساط الأدبية مطلع هذا العام بالذكرى 165 لولادة الكاتب الروسي أنطون تشيخوف (1860-1904)، الذي قال عنه مواطنه ليف تولستوي إنّه «خلق أشكالاً جديدة من الكتابة لم أصادف مثلها في أي أدب آخر»


مع احتفاء الأوساط الأدبية مطلع هذا العام بالذكرى 165 لولادة الكاتب الروسي أنطون تشيخوف (1860-1904)، الذي قال عنه مواطنه ليف تولستوي إنّه «خلق أشكالاً جديدة من الكتابة لم أصادف مثلها في أي أدب آخر»، قامت «دار الرافدين» (بيروت/ بغداد) بسدّ ثغرة مهمة في المكتبة العربية عبر ترجمة أعماله الأدبية الكاملة إلى العربية.
علماً أنّ مختارات متفرقة عنها صدرت عن «دار التقدم» (موسكو) وما لبثت أن استعادتها «دار الشروق» (القاهرة) في مجلدات أربعة بترجمة أبو بكر يوسف.
تضمّ المجلدات العشرة بحلّتها الأنيقة عن «الرافدين» كل نتاج العملاق الروسي من القصص والمقالات والأعمال المسرحية، إضافة إلى الرسائل. المشروع الذي باشرت به الدار عام 2020 وصفته بـ «الرحلة الشاقة، فترجمة لغة تشيخوف ومقاصده ليست بالأمر الهيّن، لسِعة عوالمه وخصوصية لغته وأسلوبه الفنيّ، وبعد البحث والتمحيص، استوى المشروع على عشرة مجلدات ضخمة».
أسندت الدار المشروع الضخم لمجموعة من المترجمين العرب عن اللغة الروسية: ثائر زين الدين وفريد الشحف (سوريا)، وفالح الحمراني ومنذر كاظم ملا (العراق)، وقد تولّى زين الدين مراجعة الأجزاء وتحريرها موحّداً المصطلحات وأسماء الأعلام، وضابطاً انسجام اللغة مع تطوّر تجربة الكاتب الإبداعية.
كما يرد في مقدمة الترجمة، كان تشيخوف حفيد أحد الأقنان، وابن بقّال مستبد أجبر أطفاله على العمل في مستودع للتبريد، وعلى حضور بروفات طويلة في جوقة الكنيسة. إلا أن الولد المثابر حصل بعد تخرّجه في المدرسة الثانوية الكلاسيكية على منحة في كلية الطب في موسكو. وخلال دراسته، كان يرسل قصصاً ساخرة إلى صحف ومجلات فكاهية تحت اسم مستعار هو «أنتوشا تشيخونتي»، ليعمل في مستشفى تشيكينسكايا من بعدها ويستمر في الكتابة الأدبية ويعيل عائلته التي كانت تعاني الفقر المدقع.
كان عام 1884 محطة مهمة في حياة تشيخوف، إذ نشر أول قصة أدبية حملت عنوان «حكايات ميلبوميني»، كما تكشّف في السنة ذاتها مرضه الذي ينفث فيه دماً. بدأ اسم تشيخوف يلمع في عالم الأدب الروسي والعالمي مع صدور مجموعته القصصية «في الشفق» عام 1887 في طبعة بلغت 1500 نسخة، ومنحتها «أكاديمية العلوم للكتاب» مبلغ 500 روبل وتوّجتها بـ «جائزة بوشكين»، ليُطبع الكتاب من بعدها 12 مرة وتكتب عنه صحيفة «سان بترسبورغ»: «لا شكّ في أن كاتبه شاعر رغم أنه يُجيد النثر. ما يميز موهبته هو الإنسانية ودفء القلب».
ترجمت المجموعة في حياة تشيخوف إلى الألمانية والبولندية والمجرية والصربية والتشيكية وغيرها، وتتالت من بعدها إصداراته المميزة مثل «الجندب» و«معلّم الأدب» و«كمان روتشيلد» و«النورس» و«العم فانيا».
انتقال تشيخوف للعمل كطبيب في جزيرة مالطا كان إيذاناً بالأفول، إذ تدهورت صحته هناك، إضافة إلى ما كابده من الوحدة والاكتئاب، فيكتب في رسالة إلى أخته: «أنا والبيانو كائنان في المنزل، نعيش وجودنا بصمت ونتساءل: لماذا وضِعنا هنا حين ما من أحد يعزف علينا؟».
عام 1904، رحل الكاتب العظيم الذي كان على دراية عميقة بتعقيدات الحياة والناس، وبروسيا التي هي أشبه بقارة مكتملة حاملاً في نتاجه راية كرامة وحرية الإنسان الروسي، وآثاره التي تضعها «دار الرافدين» بين يدي القارئ العربي اليوم تحمل حياة كاملة في داخلها، وتوجز عبر الأدب الصورة الشاملة للحياة في أصغر تفاصيلها. وهنا تبرز موهبة الكاتب العظيمة، هو الذي كان يردد عبارة شهيرة: «الإيجاز أخو الموهبة».
