ممدوح عزّام: سأكتب عن همجيّتكم في السويداء
من عصور الظلام جاؤوا، مُدجّجين لا بالأسلحة فقط، بل بالحقد الطائفي الأعمى. لم تروِهم دماء أبناء الساحل في آذار (مارس) 2025، بل زادتهم المجزرة سطوةً وجبروتاً وتفنّناً بالقتل.


من عصور الظلام جاؤوا، مُدجّجين لا بالأسلحة فقط، بل بالحقد الطائفي الأعمى. لم تروِهم دماء أبناء الساحل في آذار (مارس) 2025، بل زادتهم المجزرة سطوةً وجبروتاً وتفنّناً بالقتل. إذ حملوا في تموز (يوليو) الفائت مقصّاتهم قبل عتادهم، وقصّوا بها أمام الكاميرات الشوارب، في إشارة لمَسِّ الرجولة.
شاء القدر أن يكون الروائي السوري ممدوح عزّام (1950) وزوجته في زيارة لابنتهما في لندن، ليُكتب له ألّا يشهد المجزرة، وأن يسمع عنها من إخوته وجيرانه في قريته «تعارة» (غرب مدينة السويداء)، ليبدأ لأيّام في طرح التساؤلات، قبل أن يصله الخبر اليقين على هيئة فيديو قصير صوّره على عجل صديق له من درعا، أثناء مروره في القرية التي هُجّر أبناؤها، من دون أن يجرؤ على النزول عن درّاجته. لم يشفع له قلمه، ولا خياره المُسالم بأن يُقاوم الجهل وأن يُعرّي أحوال البلاد منذ أوائل القرن الماضي عن طريق رواياته التسع، ومجموعتيه القصصيَّتين، ومقالاته. إذ أُحرق البيت، والزرع، ومكتبة ضمَّت مخطوطات أعماله، وقرابة سبعة آلاف كتاب، وعشرات المجلات الثقافية والفكرية جمعها منذ عام 1970 حتّى اليوم، وصناديق كرتونيةً وضع فيها كتباً، اعتبر أنّ وقت قراءتها فات، وأكثر من عشرين لوحةً لابنه تمّام، وأكثر من عشر لوحات مُهداة لابنه من أصدقاء الدراسة في كلية الفنون الجميلة في دمشق، وكراج السيّارة.
نحاوره اليوم حول نجاته، وما حدَث، وما فقَد، وما كتب كصرخة لمن يسمع ومَن يريد عمداً ألّا يسمع:
■ في قصيدته الشهيرة «لاعب النرد»، قال محمود درويش: «نجوت مصادفةً: كنت أصغر من هدف عسكري، وأكبر من نحلة تتنقّل بين زهور السياج». وممدوح عزام أيضاً نجا مصادفةً. حدّثنا عن هذه المصادفة، وعن هذه النجاة.
- كأنّي لم أنج، ففكرة الموت، بل القتل، تلاحقني طوال الوقت، فأنا أحمّل نفسي مسؤولية أنّي لم أمتلك حسّ التأكد من النوايا، أو روح الكاتب الذي كان عليه أن يحدس بالآتي، بينما كانت التحضيرات، أو تحضيرات القتل، من قبل سلطة الشرع، تسير على وتيرة الذئاب.
لهذا ظلّت فكرة أنّي كنت هناك تسيطر على تفكيري، ومشاغلي، وخاصّة حين رحت أسمع، عبر الهاتف، حكايات أولئك الذين نجوا من الموت، في لحظة الموت العجيبة التي حدثت في قريتي الصغيرة، صبيحة الثالث عشر من تموز؛ أو أرى ذلك في أحلامي.
والداهية أن ابنتي، كانت تستشعر الخطر، من دون أن تدري ما هو! ظلّت طوال الأشهر الماضية تلحُّ علينا، أنا وأمها، أن نقبل بالمواعيد التي تحدّدها لنا، كي نسافر. كانت طريق دمشق، تتسبّب مرّات كثيرة في تأخير الموافقة، ثمّة خطر داهم، مختبئ في تلك الطريق التي يقطعها قطّاع طرق مجهولون لدينا، معروفون لدى السلطة الحاكمة، فنؤجل السفر.
أعترف أنّي لم أكن مستعجلاً، كانت روايتي التي أكتبها تكتمل، وكنت أقول لنفسي، لعلّهم سينهون هذا الحصار. لكنّي كنت واهماً، بينما كانت ابنتي بحس الأنوثة الحميمي تكاد تدرك الآتي، حتى إذا أفسح قطّاع طرق الحكومة المجال أياماً أمام سكّان هذه المنطقة التي تترقّب الفرج، أرغمتنا على السفر. حجزت لنا، وقالت تعالوا.
أعترف أنّي صباح اليوم الذي اتّصل فيه أخي، بعد سفري بعشرة أيام يقول: «راحت بيوتنا. راح كل شيء»؛ لم أستوعب القول، إلّا حين علمت أنّه كان يهرب بعيداً حاملاً روحه على راحته، وعائلته في سيارة بعجلة ثقبها الرصاص.
■ هل بالغ بورخيس حين قال في إحدى قصائده: «وأنا الذي تخيّلت دوماً الجنة على هيئة مكتبة»؟ حدّثنا عن جنتك أنت.
- لا أعرف لماذا قال ذلك، حبّاً بالمكتبة، أم خوفاً من خسارتها! أنا خسرت تلك الجنة إلى الأبد.
إن تحدّثنا عن المكان، فأنا خسرت المكان أيضاً، وإن ذهبنا إلى تعداد الكتب، فأنا خسرت سبعة آلاف كتاب. هذه الحسابات لم تدُر في خلد بورخيس كما أظن، إذ كان يلعب بالمجاز، بينما لا يثير كلامه في داخلي سوى الحزن والأسى.
وكلّما ذُكر كتاب، أو رأيت صورة لمكتبة، أكاد أصرخ في وجه من يعرض الصورة: «لا تجر حبلاً أمام بيت مشنوق». بات منظر الكتب في رفوف المكتبات، يثير شوقاً لا حدود له إلى مكان حميم، كان رفيق عمري طوال أكثر من خمسين عاماً، هي المدة التي بدأت منذ بنينا بيتنا أنا وزوجتي؛ وإلى مكتبة وكتب رافقتني منذ زمن آخر سبق بناء البيت.
■ «ليسوا برابرةً بل سوريّون، هؤلاء الذين أحرقوا بيتي»، هذا ما كتبته على صفحتك على فايسبوك. تُعيدنا صرختك إلى صرخة يوليوس قيصر، عندما جاءت الطعنة من صديقه. هل سيكون الأمر أقل قساوةً لو أُحرق بيتك ومكتبتك على يد البرابرة؟ أم ثمّة رسالة أعمق من وراء صرختك هذه؟
- في الجواب عن الشق الأوّل أقول ربما، فأنا لا أعرف من أرشّح لذلك! البرابرة بعيدون جداً، لم أنتظرهم في أيّ يوم، واللافت أنّي كنت أشاهد الفيلم المأخوذ عن رواية كويتزي «في انتظار البرابرة» قبل أيّام من سفري، وقد أعدت قراءة الرواية مرّة ثانية، بتحريض من الفيلم المدهش، الذي حرّض لدي القول إنّ «لا برابرة هناك، بل سوريون»، مثلما كانت معاناة راوي الرواية، أو الفيلم مع جنود الحكومة، لا مع البرابرة.
لهذا حاولت أن أسمّي الجنود الحكوميين الذين أحرقوا بيوتنا بوحشية لا مثيل لها، مستخدمين أشد أنواع الأسلحة فتكاً، وأن أبرّئ البرابرة المتخيلين. ثمّة من يؤكّد اليوم، أنّ الجنود استخدموا النابالم، أو السي فور المتفجر.
بعض المثقفين السوريين يهرعون لمسح الدماء بألسنتهم عن خناجر القتلة
تخيلي إذن، أنّ مكتبة جمعت أفضل ما أنتجه الفكر البشري، أحرقها بالنابالم جندي مثقل بالفتاوى، والأوامر من الحاكم في القصر الرئاسي!
وفي الجواب عن الشق الثاني أقول نعم.
فأنا أبحث عن المعنى الذي يقدّمه لنا وطن اسمه سوريا، يؤلّفون الأكاذيب عن حروب المكان، فيأتي جيش مدرب من الجنود والشرطة لتدمير المكان، وإحراقه بمن فيه إن استطاعوا. ثم يلحق بهم جيش من المحرّضين، يجمع هذه المرّة السفلة والانتهازيين والجواسيس والشعراء والروائيين والفنانين التشكيليين السوريين لتأييد المذبحة. منذ مذبحة الساحل إلى مذبحة الجبل، يتطوّع سوريّون كما كتبت إحدى الصديقات ببلاغة حزينة: «لمسح الدماء بألسنتهم عن خناجر القتلة».
■ أيّهما أصعب: الإعدام المعنوي أم الجسدي، أم لا فرق بينهما؟
- لا يمكن المقارنة. الإعدام الجسدي يمضي بالمرء إلى الفناء، يمضي بالأشياء إلى النهاية، أما الإعدام المعنوي فيضعه في دائرة الحزن والخيبة والأسى والشوق. الأهم من ذلك أنه يبقي الضحية شاهداً على الجريمة، والشهود يتكلّمون، يحكون الحكاية، ويسجلون الوقائع. لهذا ترين أن القتلة يسعون وراء الإعدام الجسدي، ذلك لأنه يمحو أثارهم، ويخفي الجريمة، فكل من وجدوه في بيته، قتلوه، وكانوا آسفين أنهم لم يستطيعوا اللحاق بأولئك الفارين الذين نجوا من الموت. أو يسعون إلى إدامة احتلال قرانا، في انتظار زوال أثر الأسلحة المحرمة. هل يمكن تصديق ذلك عن سوري يقتل سوريا؟
■ تقول دعد حداد: «وهذه الكتب التي عفاها الزمن/ تريد أن تعيش في داخلي». لو استبدلنا بالعبارة الأولى القول: «وهذه الكتب التي أُحرقت...»، فكيف ستكمل كتابة العبارة الثانية؟
- سنذهب إلى عالم آخر من الأفكار والتصوّرات والأخيلة. فالكتب التي عفاها الزمن لا تزال موجودة، أمّا الكتب التي احترقت، فقد زالت من الوجود، ولا شأن لها بالنسخة الأخرى المتوافرة في الأسواق. لن تستطيع أي قوّة أن تعيد لكتاب «الصخب والعنف» لفوكنر، ذكريات يدي حين اشتريته من مكتبة «دار دمشق»، قبل خمسين سنة، وحين تصفّحته، وحين قرأته.
قرر مديرو إدارة أزمات العالم إيصال تنظيم إرهابي، بشهادتهم، ومن تجربتنا، إلى قيادة البلاد
ولا تستطيع قوّة أن تعيد لي رواية حنا مينه «الشراع والعاصفة» وغلافها ذي الشراع في البحر، التي اشتريتها في بداية السبعينيات من كشك بائع الصحف في «الفردوس» في دمشق. كل كتاب هو نسختي، وهي نسخة وحيدة لا مثيل لها.
ولهذا أندّد بأولئك الذين يستعيرون الكتب، ولا يعيدونها، إذ يعتقدون أن بوسعي، أو بوسع صاحب الكتاب، شراء نسخة أخرى، من دون أن يدركوا أنّهم يسرقون ذكرياتي، أو ذكريات من اشترى الكتاب، وحمله إلى بيته، ووضعه بين إخوته، وقرأه. فما بالك بمن يحرق الكتب!
■ في رصيدك تسع روايات، ومجموعتان قصصيتان. ما الرسالة التي حملتها من خلالها جميعاً؟ هل في إحراق بيتك، وركن الكتابة ومخطوطات أعمالك، اعتداء مباشر على هذه الرسالة؟
- الرسالة الأولى للكاتب هي أن يكتب رواية جميلة، يستمتع هو بها أثناء الكتابة، ويستمتع بها الآخرون أثناء القراءة. حين يتحقق لي هذا، أعتبر أن رسالتي الأولى قد وصلت.
في ما بعد، يمكن أن نناقش الرسائل الأخرى: الحب، الحرية، الصداقة، الخير، الكفاح.... ثمّة حُبّ في كلّ رواية، وهناك في كلّ رواية طموح الشخصيات إلى الحرية، أي حرية كانت، وفي أي اتجاه، وبفضل تعدّد القراءات التي أسمعها، أو أقرأها، عن رواياتي، أقول لنفسي: ما هي الرسالة؟
ليست لدي رسالة محدّدة يمكن أن يُقرأ عنوانها على المكتوب، بل موقف، وقضية عامة تناصر الإنسان النزيه الأخلاقي، النظيف، المُحبّ. ولكلّ من يقرأ كلماتي اليوم أن يحكم بنفسه: حين يأتي جنود حكومة لا أعرفهم، ويعبثون ببيتي ومكتبي ويحرقونهما في ساعة، على مَن مِن البشر، وعلى ماذا من إنتاج البشرية قد اعتدوا؟
■ كتبت أيضاً على صفحتك: «قريتي تعارة وبيتي تحت الاحتلال، لا اسم آخر لمهاجمين يحرقون القرى والبيوت في السويداء غير هذا الاسم. سنرى بعد قليل ما الفرق بينهم وبين أي احتلال». هل في ذلك إشارة إلى أن الثورة لم تنتصر؟ أم لم يكن هناك أساساً ثورة واعية ومسؤولة تقود البلد إلى نهضة تليق بسوريا، وإلى حريّة تليق بمن يفهم معناها؟
- كلّ تمرد مهما كان صغيراً أم كبيراً، مناهض للقهر، والتسلط، والقمع، يتضمن روح الثورة. ليس لدينا شروط معدّة سلفاً للقياس على الثورات، كي نقول إن هذه ثورة، وإن تلك ليست ثورة، وهذا ما يمكن أن ينزلق إليه، بل لقد انزلق إليه قطاع كبير من المثقفين السوريين الذين فضلوا القياس على الواقع، قدّموا الفكرة المسبقة على الحدث اليومي.
نعم، لقد ثار السوريون، وإن لم تستطع ثورتهم أن تقود البلاد إلى المبتغى الذي تنشده الثورات، وهذه هي الخسارة الكبرى، فقد سُرقت ثورة السوريين منذ الأشهر الأولى، بالمال السياسي، والتدخلات الدولية، والأجندات التي لا نهاية لها، والتنظيمات المتطرفة، إلى أن قرّر مديرو إدارة أزمات العالم الانتقام من فكرة الثورة، بإيصال تنظيم إرهابي، بشهادتهم، ومن تجربتنا، إلى قيادة البلاد. وهم يقولون لنا: تريدون أن تثوروا؟ إليكم إذن ما نستطيع أن نقدمه لكم.
قدّموا لنا في مآل الثورة الأخير هؤلاء المحتلّين الذين اقتحموا قرانا، ومدننا، وقتلوا أطفالنا ونساءنا ورجالنا وأحرقوا بيوتنا. إذن لقد هُزمت الثورة، هُزمت منذ البداية، إلى أن جاؤوا بمَن يدفنها.
■ لو أتاحت لك الحياة أن تقف وجهاً لوجه أمام من سوّلت له نفسه الحاقدة وعقله الجاهل أن يحرق مكتبتك وبيتك وما يحتويانه من ذكريات، فماذا ستقول له؟ وكيف ستحاكمه؟
- سأحاكمه بتهمة الإبادة، وحين تثبت التهمة، والشهود هم ما تبقّى من الكتب، أو من رمادها. ثمَّ سأحكم عليه بأن يقرأ مئة كتاب في سجنه، وأمتحنه، ثمَّ أطلق سراحه، إذ ما كانت أجوبته تتضمن أجوبة صحيحة من محتوى الكتاب، لا من محفوظاته.
■ «أنا الروائي ممدوح عزام. أدعو المثقفين السوريين والفلسطينيين السوريين ووزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب في سوريا لزيارة بيتي في محافظة السويداء...». ماذا حدث بعد هذه الدعوة؟
- لم يأتِ أحد. لم يطلب منّي أحدٌ خريطة طريق. أكثر من عشرة كتّاب من أصدقائي، أو أصدقائي على الفايسبوك حذفوني -مشكورين- من صداقتهم، مع بلوك.
■ هل ترى أساساً أنّ هناك حالياً وزارة ثقافة ومثقفين في بلد لم تقتصر فيه الفواجع على مجازر الساحل والسويداء، وإحراق البيوت فيهما، بل بلغت أقصاها في الصمت المطبق حول حوادث خطف النساء وسبيهن؟
- لا أرى ذلك، ولكن ثمّة مؤسسة تدّعي أنها وزارة ثقافة، وثمّة وزير يُسمى كذلك، وهو يزور فنانين في معارضهم، ويُستقبل بالترحاب، ولهذا أخاطبه كمؤسسة، ولا أحترمه، ولا أحترم المؤسسة اليوم التي وزّروه عليها، إذ إن الثقافة التي يرعاها مزوّرة، فأنا لم أفعل شيئاً معادياً لهذه السلطة التي يمثّلها، غير أني عارضتها. وعدم استجابته، أو استجابة مؤسسة تدّعي رعاية ثقافة بلد، لا سلطة حاكمة، هي لحظة عار في تاريخه، وتاريخ مؤسسته، تعمّدت أن أسجّلها للعلن، وللتاريخ، وشكراً لأنّك أعدت التذكير بالأمر.
■ تُتابع في دعوتك: «... ولأن طريق دمشق السويداء مغلق بقوة العشائر، يمكنكم إذا وافقتم على الدعوة أن تسلكوا أوتوستراد درعا ثمَّ ازرع ثمَّ بُصرى الحرير ثمَّ تعارة. البيت يبعد ألف متر من الطريق العام. بيتي واسع ومفتوح لكم وأعتذر سلفاً لعدم قدرتي أو قدرة أحد من إخوتي على استقبالكم بسبب منعنا من الوصول إلى بيوتنا جميعاً. الدعوة عامة». ما الرسالة غير المباشرة من رسم الطريق بهذه الدقة، طريقٌ من البديهي أن يكون معروفاً لمن يقرّر أن يسلكه، وخاصّة الجهات العامة؟
- يعرفون طبعاً، أو إن لديهم أدلّاء يعرفون، جيشهم الذي أرسلوه لقتلنا يعرف الطريق، هذا عدا عن أنّي أشير إلى أن طريق السويداء دمشق محاصر، ومقطوع من قبلهم، وسلطتهم تكذب بلا حياء قائلة إنّه سالك، هم يكذّبون أيضاً ويزعمون أن المليشيات الدرزية تمنعهم من الوصول.
أنا سهّلت لهم الطريق المحروس من قبل جيشهم وعشائرهم، كي يأتوا، ولا وجود للمليشيات الدرزية. ورسالتي إليهم تدخل في باب الإحراج الأخلاقي للمثقفين، هذا إذا كان لدى مثل هؤلاء أخلاق كافية كي تُحرج. حسناً لم يأتوا، ولم يُرسل إليّ سوى قلّة منهم رسالة واحدة للتعزية، أو التضامن، أو الاستفسار. وأنا كنت أقول لنفسي إنّهم لن يأتوا. إذ يحتاج المثقف إلى قدر كبير من الشجاعة والشعور بالكرامة الشخصية التي تتغلب على الخوف من السلطة، كي يغامر على الأقل بإعلان فايسبوكي.
■ لم يكن يوماً سلطان باشا الأطرش رمزاً درزيّاً فقط، بل هو رمز للثورة والمقاومة بمعناهما الحقيقيين، وقيمة وطنية مرتبطة بلحظات تاريخية مُشرّفة. كيف تقرأ مشهد قيام رُعاع بتحطيم صوره وتمزيقها والدوس عليها، وهو أساساً ليس طرفاً في هذا النزاع، ولا علاقة له بنظام الأسد ولا بكلّ المحرقة السوريّة؟
- كتبت مقالةً عن تحطيم الرموز في سوريا. أجداد أهل الشام مضوا إلى بلدة سلطان، وسمّوه قائداً عامّاً للثورة السوريّة. أحفاد هؤلاء يهرفون في شوارع دمشق قائلين: من جهّز غازياً (وهم يقدمون المساعدات للعشائر التي هاجمت السويداء) فقد غزا.
أتخيّل الشهبندر عائداً من القبر، ليسمع أحد أحفاده وهو يردّد هذه الجملة اللئيمة المشبعة بالرغبة في قتل الآخر.
لم يكن سلطان الأطرش، ولا المقاتلون الذين شاركوه في مناهضة الاحتلال، يفكّرون بالجغرافيا الصغيرة الضيقة، بل بسوريا كلّها، واللافت أنّ سوريا آنذاك كانت في طور التشكّل، وكان قادتها من جميع المناطق لا يريدون التفريط بالوطن الجديد. لهذا أرى أن تحطيم صورة سلطان الأطرش، أو صالح العلي، أو ابراهيم هنانو، أو عبد الرحمن الشهبندر، ترمز إلى رغبة دنيئة في تحطيم الوطن.
■ قُلت يوماً حول الجدل الذي أثارته روايتك «قصر المطر» في نهاية التسعينيات، والصادرة حينها عن وزارة الثقافة السوريّة، إنَّ المثقّفين الذين وقّعوا آنذاك عريضة مساندة لك، كانوا يدافعون عن حقك في التعبير وليس عن الرواية نفسها، على اعتبار أنّه في ذلك الوقت لم يكن بعضهم قد قرأها بعد. لم نرَ اليوم عريضةً تساندك في مصابك، ولا أُخرى تستنكر احتلال تعارة. ماذا تقول اليوم لمن يدّعون أنّهم مثقفون؟
- ليسوا مدّعي ثقافة، هم مثقفون بالفعل، وهذه هي الداهية التي حلّت على بلادنا. إذ بات بوسع المثقف أن يستعير من مخزونه المعرفي ما يشاء من المفردات، والمفاهيم، والمصطلحات، ثمَّ يستخدمها في شعوذة فكرية رخيصة، لتبرير وجود سلطة الإرهاب.
رسالتي لأيِّ مثقف من بيننا جميعاً: تخيّل أنّك خسرت مكتبتك كلّها، التي تضم ذكرياتك، ومخطوطات أعمالك، ومشاريعك للأعمال القادمة، ودفاتر الملاحظات، وتعليقاتك على هوامش القراءة؛ ثم وجدت المثقفين في بلدك يديرون وجوههم مبتسمين لحامل متفجرات النار التي حرمتك من هذا كلّه. شخصيّاً لا أتمنى لأحد أن يجرب الحريق، وأتمنى لكثيرين أن يخرجوا من عباءة الطاعة، أو حرج الصمت.
■ كتبت حديثاً مقالاً بعنوان «معنى البيت»، جاء فيه: «...اللافت أن موضوع فقد البيت، رغم أنّه الأكثر حرارة، وتأثيراً من الناحية العاطفية في حياة الأفراد، لم يلق اهتماماً يعادل أهميته الوجودية بالنسبة إلى كل إنسان. تجاهل الأدب السوري هذه الحالة عموماً...». بعد فقدانك لبيتك، وما حمله هذا المصاب، هل سنقرأ لكَ كتاباً حول هذا المعنى، توثّق عبره محتويات مكتبتك، والتفاصيل الحميمة التي كوّنت حياةً على مدار خمسين عاماً؟
- كتابي قيد الإنجاز، وهذا ردّي الشخصي على المجزرة، وخسارة البيت والمكتبة. أحاول أن أستعيد البيت تفصيلاً بعد آخر، أحاول أن أثبّت الذكريات، وأمنعها من الضياع، بعدما عمدت سلطة أحمد الشرع، لإحراقها، ومحوها من الوجود المادي.
منذ اليوم الأول، وهو يوم الصدمة، حين علمنا أنّنا خسرنا كلّ شيء، أخذنا قراراً، أنا وزوجتي، أن نصمد، ونتماسك. لن ينتصر أحد علينا، الخسارة لا يمكن حصرها، ولكن الحياة يمكن الإمساك بها، والاستمرار رغم أنف الطغاة والغزاة. وهذا ما أقوله لهذه السلطة الجائرة ولكلّ من يشاركها مهمات القتل: ترتكبون المجزرة فأردُّ عليكم بكتاب. تتقنون الذبح، كما كتب جنودكم على حيطان بيوتنا، وأحاول أن أتقن الكتابة عن همجيتكم.
