ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«الانعزالي» ميشال أونفراي

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

يُعيد الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي (1959) إنتاج الدناءة التي تمارسها الأنظمة الغربية مع الشعوب «الأخرى»- المختلفة عن الفلك الأوروبي. 

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 4 تشرين اول 2025
وضع أونفراي على كنزته إشارة الشريط الأصفر الدالة إلى التضامن مع الأسرى الإسرائيليين
وضع أونفراي على كنزته إشارة الشريط الأصفر الدالة إلى التضامن مع الأسرى الإسرائيليين
الخط


يُعيد الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي (1959) إنتاج الدناءة التي تمارسها الأنظمة الغربية مع الشعوب «الأخرى»- المختلفة عن الفلك الأوروبي.

في برنامج «وجهاً لوجه مع ميشال أونفراي» الذي تبثّه قناة «سي نيوز» (Cnews) الفرنسية مساء كل سبت، منحت الإعلامية لورانس فراري -مقدِّمة البرنامج- الهواء للفيلسوف «المتعوي» (من مذهب «المتعة» الفلسفيّ ورائده إبيقور) لمدة ساعة تقريباً من دون أن تقاطعه بكلمة واحدة، ليستعرض نزقه السياسيّ إزاء آخر المستجدات الخاصة بفرنسا والعالم.

ميشال أونفراي الذي قضى على لذة الفلاسفة الحداثيين في «قتل المؤلف» (مثل ديريدا وفوكو القائلين بـ«موت المؤلف») معتمداً بدلاً من ذلك رؤية «مادية» ترى في المؤلف تجربةً حيّة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفكره، يخصي نفسه حين يجيء دوره في «التطبيق».

من قرأ كتابه «غلاة الأنوار» (صفحة 7، ترجمة أبو بكر العيادي) الذي يصبو إلى مرافعة «أخلاقية» بحق فلاسفة التنوير حيث يفضح التناقض بين حياتهم اليومية وبين ما نظَّروا إليه، يتوقّع من هذا الفيلسوف مواقف جذرية تتّسق مع الراديكالية التي اعتمدها في كتاباته الداعية إلى تحطيم الأصنام، والخروج عن المُقدَّس، والتناغم بين الفكر والممارسة.

لكن أونفراي العاشق لشاشات التلفزة الفرنسية والتفلسف أمامها يرسب في امتحانٍ وضعه على أسلافه الفلاسفة. فإذا كان إيمانويل كانط، بحسب أونفراي، دجالاً في دعوته إلى «الكونية» في حين كان يحتقر المرأة، وإذا جان جاك روسو غير مخلصٍ في نظريته عن «التربية» لأنه تخلّى عن أطفاله؛ فإنّ أونفراي نفسه الذي يتحدث عن الإمبريالية وعن «الصفح» الحضاري لا يقل خداعاً عن هؤلاء.
لا يمارس أونفراي تناقضاً صارخاً بين نظرية يدّعي السير وفقها وبين ما يقوله، بل إنّ ما يقوله هو ممارسة لنفاق دنيء يسود عند معاصريه من الفاشيين.

في مقابلته الأخيرة على «سي نيوز»، لم ينسَ أونفراي الظهور أمام الكاميرا وهو يضع على كنزته إشارة الشريط الأصفر الدالة إلى التضامن مع الأسرى الإسرائيليين.

الموقف واضح منذ البداية فإذن. العلامة التي تباهى بوضعها تنطق بما حاول «فلسفياً» برهنته لاحقاً. غاضباً وساخطاً، مكتّف اليدين متقوقعاً على نفسه تماماً مثل خطابه الانعزالي، شرع ميشال أونفراي يهاجم كل «الرموز» التي تحيل إلى فلسطين، و«منتقداً» قرار ماكرون المفضي إلى الاعتراف بدولة فلسطين متسائلاً بفجاجة غليظة: «أين هي هذه الدولة؟ ما هي حدودها وأين تقع؟ ليس هناك فلسطين في التاريخ».

سذاجة أونفراي مريبة تجعلنا، حقاً، نعيد التفكير في جدية هذا الفيلسوف مرتين؛ فقد مرت حوالى العشرين دقيقة من الحلقة وهو يتحدث عن الأعلام، كأنّ الفيلسوف «المتعوي» وجد متعة جديدة: التفلسف حول... الأعلام.

فيلسوف الأعلام

لا يريد أونفراي رؤية أعلام أخرى تُرفع في فرنسا غير العلم الفرنسي. بسلوك يشي بالبلاهة تساءل: «لماذا لا يوجد علم للتيبت؟ لقد كانت التيبت محتلة من قبل الصين، لمَ لا يتم التضامن مع التيبت؟».

بات أونفراي أشبه بموظف مطيع يعمل لمصلحة «الأمة الفرنسية» يجد متعته في تقديم فروض الطاعة.
مهووس بـ«ثقافة» الحضارات؛ يبني خطابه على ثنائية «الغريب» و«الأصيل». «أبو الزلف» فرنسا ممتعض بشدّة من وجود العلم الفلسطيني على برج إيفل.

«عليّ التذكير بأن من يحمل علماً غريباً ويعلّقه في مكانٍ عام فهو متواطئ. هذا شغل العدو. في المرة الأخيرة التي حدث هذا كان النازيون وراءها. أنا ضد وجود هذا العلم وضد وجود العلم الإسرائيلي أيضاً، علم فرنسا وحده كافٍ». ميشال أونفراي يكذب. علامة التضامن مع الأسرى الإسرائليين التي وضعها على كنزته لهي علم إسرائيل «المعاصر».

هو ليس متضامناً مع الأسرى الإسرائيليين كما يزعم، هو متضامن مع إسرائيل الكيان الذي يخشى عليها من محيطها «العربي» و«الإسلامي». صاحب مشروع «كتابة تاريخ مضاد للفلسفة» يبدو جاهلاً بشؤون الحاضر؛ بل يتضح أنّ النقد الذي وجّه إليه صائبٌ حين اتُهم بأنه يحوّر «الحقائق» كيفما يشاء، فيقتطع ويلصق ويخلص من غير أمانة في مراجعه ولا دقة في توظيفه للمعلومة.

العلم الفلسطيني بالنسبة إلى أشهر فيلسوف فرنسي معاصر يعني تفضيل الخلافة على الجمهورية. هو يرى أنّ هذا العلم إعلان عن كراهية «يكنّها الشرق للغرب». هذا «الكره» الذي يتحدث عنه أونفراي هو بلاغ كاذب؛ هي ممارسة دنيئة في تبرئة الغرب -وفرنسا- من جرائمه، وإسباغ تهم على من يعترضون على «أسياده». فلسفة أونفراي هاته بمنزلة تجنٍّ. يقول: «أريد للأقليات أن تبقى أقليات»؛ يدافع عمّا لا يمكن الدفاع عنه... هذه فاشية طافحة.

الظاهر أنّ أونفراي «المتعوي» لم يأخذ ممّن يعتبره معلمه، إبيقور، مفهوم الاتزان ولا الاعتدال، بل فضّل الإفراط المدمّر، والانحياز إلى الأيديولوجيا المضادة للإنسان وللحضارة. على شاكلة عملية المحو التي اعتمدها النازيون، يمارس المحو ذاته بحق فلسطين، إذ يعتبرها الأردن، وبحق الفلسطينيين الذي لا يتردد في وصمهم بالإرهاب. لا يحوّر الحقائق فقط، إنما يخترع أحداثاً ويعلنها كوقائع: «هناك عمليات ترهيب تحصل لليهود. إنهم إرهابيون». ليس الفلسطينيون وحدهم إرهابيين، بل من يدعمهم إرهابي أيضاً.

تراجيديا فيلسوف: في سوء فهم نيتشه

في كتابه «الحكمة التراجيدية: في حسن توظيف نيتشه» أخذ أونفراي على عاتقه مهمة إنقاذ نيتشه من براثن التحريف، وسوء التوظيف، والفهم المغلوط، فقدّم قراءة أراد فيها انتشال نيتشه من بؤر السياسة، والمسيحية، والقومية، التي أسقطه فيها بعض الفلاسفة. أكثر ما شدد عليه أونفراي الذي يعتبر نفسه مُخلِصاً ووفياً لنيتشه، في كتابه «الحكمة التراجيدية»، هو احتقار نيتشه للنزعة القومية ولكل ما يتعلّق بالأوطان بصلةٍ. وعلى خطى نيتشه في احتقار القوميات والنزعات الوطنية، سعى أونفراي أو هكذا زعم، إلى سلوك مسار الإلحاد ضد كل صنمية، وكل ثابت، وكل مؤسسة.

لكن مساره صار معوجّاً من فرط ما ترنّح في مواقفه؛ ينتقد استعمار فرنسا للجزائر يوماً، ثم ينتقد الجزائريين الذين يحملون علم فرنسا في اليوم التالي. مريد نيتشه هذا مخلص له بقدر إخلاصه لأستاذه الآخر، اللاسلطوي برودون.
أونفراي الذي أعلن في مقابلته أنه يميل إلى «الدمج بين الرأس المال وقوة العمال»، وأنه «لا يكره الذين يصنعون الثروات» وأنه ضد تقسيم الثروة، هو نموذج للفلاسفة الذين وصفهم بول نيزان بـ«كلاب الحراسة».

خان برودون مرةً لكنه خان نيتشه مئة مرة. الحال، لم يخف أونفراي إخلاصه وعشقه لفرنسا، بل اعترف قائلاً: «أحبها بالمعنى الأيديولوجي. فرنسا فولتير، وديدرو، فرنسا التي قصدها كثيرون في الخمسينيات من أجل حبوب منع الحمل». قرّع أونفراي ماكرون بحدّة، بيد أنه دافع عن فرنسا الوطن دفاعاً مستميتاً مثل جنديّ هائم بحب وطنه. هذا يقع على النقيض التام من نيتشه وفلسفته.

النيتشاويّ المزيّف حريص على مكانة فرنسا التاريخية أكثر من مارين لوبان. وطني زائد عن اللزوم. يمينيّ أرثوذوكسي. بخطابٍ مشحون بالفاشية، وضع ميشال أونفراي «حب فرنسا» معياراً للاعتراف بـ«الآخر».

عند أونفراي، إنّ المعضلة الأخلاقية التي تحدد الوجهة السياسية، بل تشكّل بوصلتها، هي «الحب» (فرنسا) وليس «الكره». هو منحاز إلى المُحِب وليس إلى الكاره. من هو المُحِب؟ يضرب أونفراي مثلاً: «هو ذاك الأفريقي الذي يشعر بسعادة عارمة حتى تكاد الدمعة تسقط من عينيه لأنه نال الجنسية الفرنسية».

أما «الكاره»، فهو ذاك «الجزائري» أو أيّ شخص من مدينة مرسيليا يشارك في تظاهرة داعمة لفلسطين ويفضل العلم الفلسطيني على العلم الفرنسي. عمَّ تفصح لنا أمثلة أونفراي فإذن؟ أنّ الأفريقي الجيّد هو من يقبل العبودية طوعياً ويُذعن للرجل الأبيض، وأنّ المتضامن مع فلسطين هو إرهابيّ يجب القضاء عليه. في المطاف الأخير، يبدو أن المتعة القصوى التي وجدها أونفراي هي متعة القتل.

ما هي النكتة التي قالها أونفراي؟ «فرنسا لم تخترع العبودية ولم تمارسها، إنما كانت الدولة التي حررت العبيد».

ترّهات الأوروبي المتفوّق

أونفراي خائف على إسرائيل. هو خائف على الكيان إلى حدّ أنه يعجز عن تخيّل «رئيس أميركي يتخلّى عن إسرائيل». يخشى أن يخسر الغرب كنزه، إسرائيل، لأنها ستكون «خسارة هائلة». الخطر الرئيسي الذي يهدد إسرائيل كما يرى أونفراي هو نفسه الخطر الذي يهدد أوروبا. هناك شبح يطارد الحضارة الغربية إذن، واسمه: الإسلام. نظرية أونفراي الفلسفية تُختزل كالآتي: «يبدأ الإسلام من مكة ويطوف حول العالم».
هل نحن أمام فيلسوف أم أمام منظّر رخيص يعاني الرهاب الجماعي؟ على واحدنا إعادة التفكير فعلياً في مدى جدّية هذا الفيلسوف.

الفرق بينه وبين مي شدياق، لا يتجاوز بعض الكلمات المصقولة والقليل من المصطلحات الفلسفية المعقدة. القاعدة الأساسية الذي ينطلق منها كلاهما هو الخطر الديموغرافي. «ثمة رهان على الديموغرافيا. كل الدول التي تجاور إسرائيل موجودة في مجلس الأمن، ولديها موقف رافض لوجود إسرائيل، تريد القضاء عليها وتدميرها، تريد إسرائيل أن تختفي».

النيتشاويّ المزيّف يحمل قيم الحضارة الأوروبية -الذي بقيّ نيتشه يحطمها بمطرقته حتى عندما أصابه الجنون- ويدافع عن «أخلاق» «الإنسان الأوروبي»؛ هذا الإنسان الذي كان عدواً لجميع أساتذة أونفراي من إبيقور إلى نيتشه إلى برودون. هذا «الإنسان الأوروبي» الذي يفلسفه أونفراي، يُختزل في الشخصية الإسرائيلية التي لا تخشى الديموغرافيا لأنها «علم السكان»، بل لأنها وعاء يحوي «الآخر»؛ بالتالي هو لا يخشى الديموغرافيا، بل يرتعب من الأنطولوجيا (علم الإنسان/ الوجود).

على أنّ دناءة أونفراي تبرز جلياً في الإسقاط الواعي الذي يمارسه. فهو إذا تحدّث عن كره يكنّه الشرق للغرب وهي حقيقة معكوسة، فأونفراي يعود ويقلب الآية من جديد رأساً على عقب، متّهماً الإسلام بالكولونيالية وبارتكاب المسلمين للإبادة. تعريف الكولونيالية عند أونفراي هي التمدد الديموغرافي. المسلمون عنده، مشروع استعماري. إنهم بنظره يهاجرون إلى الدول الأوروبية، لكنهم يرفضون الانخراط فيها ويكنّون الحقد تجاه أوروبا. هم بالتالي كولونياليون. يجد أنّ المسلمين هم من يمارس الإبادة. هذا الرجل نكتة رهيبة. يقول إنّ الأنظمة الإسلامية تعامل من هم من غير المسلمين بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية، وتقطع رؤوسهم في حال اختلفوا مع حكّامهم.

على هذا النحو، يستحضر أونفراي روحية القومية الأوروبية ويقوم بعملية تجميل. وجدناه يعود إلى القرن الثامن عشر ويحوّر، على عادته، تراث الاستشراق إلى أدبيات جليلة. «في القرن الثامن عشر كانت الفلسفة الفرنسية ترحّب بكل «آخر»، بكل غريب، بالمختلف». قد يسأل واحدنا إلى هذه الدرجة زيّف أونفراي التاريخ؟ بل أكثر من ذلك، أورد في مقابلته دعابة رائعة: «فرنسا لم تمارس العبودية، إنما هي الدولة التي حررت العبيد».

في السابق، اعتدنا على أونفراي بأنه نموذج عن الانفصام الغربي: «ديموقراطي» في الداخل واستعماري في الخارج. على أنّ ديموقراطيته دائماً ما جاءت من تفوّق «الإنسان الأوروبي»، إذ عنت أنه يحق له انتقاد فرنسا لأنه فرنسي، أما غير الفرنسيين، ولو أنهم معنيون بشكل مباشر من فرنسا ومتضررون منها، فلا يحق لهم انتقادها. لكن الانفصام قد وصل الآن إلى مرحلته المتأخرة: الدمار القاتل. ميشال أونفراي مثل رافايل إيندهوفن وروّاد الفلسفة المعاصرة؛ يتفرجون على الإبادة ببرودة معلّقي الرياضة، وينتشون على مشهد القتل، ويجدون المتعة في إدامته.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك