هوميروس معاصرنا
رغم أن هوميروس معروفٌ لدى العرب منذ حوالى 1300عام، أي منذ العهد العباسي وبداية الترجمة عن اليونانية، لم تترجم الأوديسة إلا ترجمتين (نثريتين) للعربية في العصر الحديث


رغم أن هوميروس معروفٌ لدى العرب منذ حوالى 1300عام، أي منذ العهد العباسي وبداية الترجمة عن اليونانية، لم تترجم الأوديسة إلا ترجمتين (نثريتين) للعربية في العصر الحديث هما: ترجمة أمين سلامة عام 1961 وترجمة حنا عبود عام 2007، بينما ثمة إصداران آخران بالعربية لا يمكن تسميتهما ترجمة بالمفهوم الحديث للترجمة هما لدريني خشبة عام 1945 وهي تلخيص وتعريب غريب للأوديسة، ولعنبرة سلام عام 1945 وهي عَنْ «رواية» مختصرة للفتيان لخَّصَها ألفرد جون تشرتش بالإنكليزية ونشرت عام 1906.
أول ترجمة عربية كاملة
ورغم أن ترجمة أمين سلامة يُمكن أن تُعدّ أول ترجمة عربية كاملة للأوديسة، إلا أنّها افتقدت إلى الروح الهوميرية الملحميَّة وبلاغتها الشعرية، ولم تلتزم بروح البيت الشعري، ففقدت أي سمة من الممكن أن تقرأ معها بوصفها قصيدة ملحمية.
لأن ترجمة هوميروس، لا يمكن أن تكون كافية بالتقاط الأسلوب الخارجي؛ بل ينبغي التقاط «الروح» الداخلية أو جوهر الملحمة. وبهذا المعنى، فإنّ هوميروس يستدعي ترجمتين: الأولى بالكلمات والثانية بإظهار الروح الملحمية.
وينطبق غياب السمة (الملحمة الشعرية) كذلك على ترجمة حنَّا عبود التي اعتمدتْ الترجمة الإنكليزية للروائي صموئيل بتلر، وهي ترجمة قديمة إلى حد ما (130 عاماً)، وقد أضفى عليها بتلر أسلوبه الروائي وكذلك آراءه الغريبة!
في كتابه «مؤلفة الأوديسة» (1897) رأى بتلر أن الأوديسة ألفتها امرأة صقلية، مُعلِّلاً ذلك بتركيزها على الشخصيات النسائية حيث جرى تصويرهن بعمق واهتمام أكبر مقارنةً بالشخصيات النسائية في الإلياذة، وأن أسلوب الأوديسة يختلف عن أسلوب الإلياذة حيث يتسم بليونة وعاطفة أكثر، ما دفعه إلى الاعتقاد بأنها سمة أسلوبية أنثوية، مستنتجاً أن مؤلفة الأوديسة امرأة عبّرت عن مشاعرها عبر الشخصيات. كما استخدم أسماء الآلهة باللاتينية بدلاً من اليونانية.
على سبيل المثال، استخدم اسم «مينيرفا» بدلاً من «أثينا»، و«جوبيتر» بدلاً من «زيوس». رأى هذا التكييف مناسباً للقراء في عصره، ويتماشى مع الذائقة الأدبية الموروثة عن العصر الإليزابيثي. لكنّ الأوديسة نص يوناني، واستخدام الأسماء اللاتينية يبعدها عن جوهرها الثقافي والديني، ما يفقد القارئ فرصة التعرف إلى التقاليد اليونانية الأصلية، ويؤدي إلى الخلط بين الشخصيات والأدوار الأسطورية للآلهة اليونانية والرومانية وخصائصها الدقيقة رغم تشابهها الظاهري العام.
تحفة عظيمة
الأوديسة تحفة عظيمة لا بد من التعامل معها بشروطها الخاصة قبل أن تقدِّمَ لنا نفسها. ومن الغريب أننا لم نقرأ أي ترجمة شعرية عربية لها حتى الآن. وهذا ما سعيت إليه في تقديم أوَّل ترجمة شعرية عربية للأوديسة، منطلقاً من رغبة شخصيَّة قديمة في تقديم هوميروس شعرياً.
وهي رغبة ذات بُعْدٍ «عراقي ملحمي» أيضاً، يتعلق بعلاقة الإلياذة والأوديسة بتجربة الحروب الطويلة في العراق، والمنفى الذي هو أقرب للتيه الأوديسي القاسي والعودة الأقسى للديار في مواجهة تجارب أكثر مرارة، وكذلك بتلك الصلة الغريبة بين الأوديسة المتوسطية وملحمة كلكامش الرافدينية (درس باحثون غربيون تلك العلاقة وأشهرهم في القرن العشرين مارتن ويست في كتابه «الوجه الشرقي لجبل الهليكون: عناصر غرب آسيا في الشعر والأساطير اليونانية»).
علاقة الإلياذة والأوديسة بتجربة الحروب الطويلة
في العراق
وهي صلة يجتمع فيها أكثر من عنصر سواء بالأجواء العامة والشخصيات الرئيسية من مغادرة كلكامش لمملكته أوروك والعودة إليها في مقابل أيثاكا أوديسوس، وقصة الخلود، ورحلة كلكامش لعالم أوتونابشتم التي يمكن مقارنتها برحلة أوديسيوس لعالم هاديس للقاء تيريسياس، وشخصية الصديق المفقود بين العملين التي تتجلى في أكثر من معادل يوناني لأنكيدو الرافديني، وقتل الوحش خمبابا مع قتل العملاق الكيكلوبي المتوحش، وشخصية النساء الأسطوريات ككاليبسو أو كيركي التي يمكن مقارنتها بالبغي شمخات وسيدوري صاحبة الحانة التي يتلقى منها كلكامش إرشادات للوصول إلى وجهته.
تحدّيات الترجمة
وأنْ نقول ترجمة شعرية لا يعني أن تكون نَظماً موزوناً، ولا مجرَّد التزام شكليٍّ بالنص اليوناني من حيث عدد أبيات القصيدة وطول البيت الشعري، بل أن تتسم القصيدة بالجودة الفنية والبلاغية، فنقْلُ الجوهر الغريب لعمل هوميروس، يتطلب إخلاصاً جديداً تماماً، إيقاعياً وبلاغياً، وتجنب جميع البدائل التعبيرية المألوفة والمريحة التي لجأت إليها الترجمات السابقة.
ومن بين كل السمات الأساسية لهذا النوع الجديد من الترجمة كان أصعب تحدٍّ إيجاد معادل مقبول لبيت هوميروس الموزون، وهو البيت السداسي الملحمي. وهو يتألف كما يشير اسمه من ست وحدات يعتمد وزنها على زمن النطق، وليس على الحركات والتشديد، كما هي الحال في لغتنا. ويشكل الوزن السداسي الداكتيلي اللبنات الأساسية لبيت الشعر المرسل (الموزون لكن بلا قافية) وهو ما يجعل أي محاولة للالتزام به في الترجمة قضية خاسرة لا محال (لذا لجأ بعض مترجمي هوميروس للإنكليزية إلى استبداله بالخماسي-الأيامبي وضاعف مترجمون عرب مثل سليمان البستاني في الإلياذة هذا الخطأ باختياره البيت الموزون المقفى بإحكام، حتى أمين سلامة ذكر في مقدمته وزنها وقافيتها!).
لكن القافية لم تكن معروفة لهوميروس وهي إن وردت أحياناً في النص الأصلي، فهي تلقائية وليست مقصودة أو لازمة أو ملزمة. كما إن الالتزام بالبيت، على الأقل إيقاعياً وليس وزنياً، هو في الواقع المفتاح لصياغة ترجمة لهوميروس تمنح القارئ شيئاً من الإحساس بالأوديسة بوصفها قصيدة كاملة.
الشعر الحرّ من الوزن
انصبَّتْ أفكاري الأولى على اختيار الأسلوب. فقد اعتادت غالبية الشعراء العرب المعاصرين كتابة الشعر الحرّ (اللا موزون)، وفي المقابل لم يعتد القراء المعاصرون قراءة السرد الطويل بإيقاع منتظم. ولم يحاول مترجمو هوميروس للعربية خلق أي بديل يحاكي إيقاع البيت المنتظم أو يلتزم به، بل غالباً ما قدموا النص كما لو أنه رواية. لكن الأوديسة قصيدة، لذا حرصتُ على أن يكون النص متناغماً مع إيقاعه المميَّز.
لقد استخدمت بنية الشعر الحرّ من الوزن لأنه الإيقاع المناسب للشعر السردي. لا شكَّ في أنّ موسيقى هوميروس مختلفة تماماً عن موسيقاي. لكن ترجمتي حريصة على إيقاعها المنتظم والمميز، فهي تحاول بناء الجملة بمرونة من دون أن أتقيد بوزن صارم قد يدفع إلى الحشو الزائد. فالترجمة تعدُّ جيدة بقدر ما تخفي كونها ترجمة؛ وعادة ما يُشادُ بالترجمات لكونها طبيعية. وبقدر ما حرصت أن تكون ترجمتي دقيقة وقابلة للقراءة وسلسة، حرصت كذلك على أن تبقى بلاغتها الأدبية ظاهرة بوضوح.
إن فكرة أنّ الملحمة الهوميرية يجب أن تُترجم بالعربية الفخمة والمزخرفة والسامية بلاغياً موجودة منذ أقدم ترجمة، وأعتقد أنَّ الأوانَ قد آن لدحض هذا الافتراض. فليس هدفي جعل هوميروس يبدو شاعراً جاهلياً، بل إبراز حقيقة أن الفخامة الأسلوبية لا تغلف كامل النص الهوميري.
لذا، إن استمرار الأسلوب الفخم يمكن أن يصعّب على القرَّاء متابعة ما هو أساسي في القصة. آمل أن تكون ترجمتي قابلة للتمييز والقراءة بوصفها قصيدة ملحمية، فقد كتبتها بأسلوب يجمع بين إيقاعات وعبارات الخطاب المعاصر وعبارات وإيقاعات ذات نكهة تراثية، ويحافظ على الروح الملحمية، متخلياً عن فكرة أن ترجمة قصيدة قديمة ستكون أفضل إن استخدمت لغة عصر سابق، أو أنّ ترجمتها للغة حديثة تماماً ستجعلها أقرب للمعاصرة وأسهل للقراءة! غالباً ما يجري تلقي الأسلوبية القديمة من دون سؤال في ترجمات النصوص القديمة ويمكن تقديمها كما لو كانت علامة على الأصالة. لكن الواقع أن حتى اللغة اليونانية نفسها أصبحت اليوم بعيدة من اليونانية الهوميرية.
جميع الترجمات الحديثة للنصوص القديمة تنجزُ في زمن ومكان ولغة مختلفة تماماً عن تلك التي في الأصل. وكل الترجمات الحديثة حديثة بالضرورة. والسؤال الذي يواجه المترجمين وقراءهم هو: هل يتوجب عليهم أن يحاولوا إخفاء هذه الحقيقة، عبر البراعة الأسلوبية؟
لقد حاولت أن أجعل ترجمتي شِعرية بشكل ملحوظ ومميزة لغوياً من ناحية التركيب والجزالة والتكثيف قدر الإمكان. لكنني سعيت أيضاً إلى كتابة جديدة ومعاصرة. فالصدمة التي تنجم عن مواجهة مؤلف قديم يتحدث بلغة مألوفة إلى حد كبير يمكن أن تجعله يبدو أكثر غرابة. لكنني أدعو القراء إلى تجربة الشعور بالارتباط بهذا النص القديم، مع إدراك المسافة الشاسعة بينه وبين مكاننا وزماننا. فهوميروس معاصر لنا في نصه، مع أنَّهُ ليس كذلك في الواقع.
تصدر قريباً عن «منشورات الجمل» أول ترجمة شعرية عربية لأوديسة هوميروس وهي ضمن مشروع لترجمة الملاحم الكلاسيكية الكبرى.
* كاتب وشاعر عراقي
